اجتمعت بالأمس مع نفسي، كان اجتماعًا طارئًا لمناقشة الواقع العربي، لن أخبركم بمكان الاجتماع حفاظًا على سمعة المقال، ولكنه لا يختلف عن المكان الذي تعقد فيه قمم الجامعة العربية، سأمر سريعًا للمؤتمر الصحافي والبيان الختامي، من يهتم أصلًا لما يحدث داخل الاجتماع طالما أن النتائج تكون قد أُمليت مسبقًا، في الحقيقة من يهتم أيضًا ببياناتنا العربية (التي أكثر ما يؤلمني فيها هي كمية الوقت التي قضاها مدققو اللغة ليصوغوها، فيتلوها علينا من يكسرُ فتحًا، ويضم كسرًا، ثم لا تفهم منه حرفًا)، لكني سأتلو البيان علّه يختلف عن سابقيه:
«ما يحدث اليوم هو صنع أيدينا».

أعتقد أن هذا كافٍ، لا نحتاج لكلامٍ آخر، هذه الجملة تلخص أسباب فشلنا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، فمنذ عشرات السنين ونحن نعاني في دولنا العربية من خيباتٍ وهزائم، ولا يبدو في الأفق القريب أن هذا الواقع في طريقهِ للتغيير، والمشكلة الأكبر في رأيي هي أن لا أحد يعترف بأنه السبب، لا أحد يُحمّل نفسه مسؤولية الواقع الذي نعيشه، لا أحد يُخطئ، مُستعدون لإلقاءِ اللّوم على أمنحوتب الميت منذ آلاف السنين ولا نلقيه على أنفسنا، كل أفراد الشعب يتكلمون عن الشعب، كل العرب يهزأون بالعرب وكأنهم من قومية أخرى أو جنس آخر.

حسنًا.. أترى تلك القمامة المرمية على جانب الطريق؟ البارحة هبطت مخلوقات من الفضاء وتسكعت على طرقاتنا، ثم رمتها هناك، أنا متأكد أننا إذا فحصناها سنجد بقايا من تربة المريخ، أحزمة الأمان في السيارات.. هذه مؤامرة أخرى من الماسونية اللعينة، يريدون خنقنا أثناء القيادة، في الواقع لا أعتقد أننا عمليًا نحتاج لهذه الأحزمة، طرقاتنا على مستوى خرافي من التقنية والأمان، أما ذلك الحائط الذي يقع فوق الرصيف، صدقني لم يكن البارحة هناك، لكن أنت تعلم حركة الطبقات الجيولوجية المستمرة والناتجة عن عمل الماغما المنصهرة، قاتل الله سوء الظن.

كما ترى نحن دائمًا مستهدفون، وهذا شيءٌ تشبعناه بتربيتنا ومدارسنا، قيل لي في الماضي أننا نعاني من عقدة النقص، لكنني اكتشفت اننا نعاني من عقدة الكمال، أذكر أن احد السارقين في قريتي بعد أن ألقي القبض عليه متلبسًا أنه برر فعلته بأن صاحب البيت لا يدفع الزكاة فهو يأخذ من زكاة أمواله، دائمًا ما نملك التبريرات، نحن لا نخطئ أبدًا، متى كانت آخر مرة سمعت مسؤولًا عربيًا أعتذر عن تقصيره، أو لنقل إنه اعترف بأنه مقصرٌ على الأقل، المسؤول يلوم موظفيه والموظفون يلومون المسؤول وهكذا ندور في حلقةٍ مفرغةٍ لا نهاية لها. وهذا الأمر لامسناه أيضًا في حراكنا العربي منذ البداية وحتى الآن، فعندما فشلنا في حشد المظاهرات في بعض المدن أحيانا بسبب القبضة الأمنية – وقد تكرر هذا الأمر في كثيرٍ من دول الربيع العربي – قلنا إن هذا انتصارٌ لنا بأننا جعلنا السلطة في حالةٍ من الاستنفار، وهل كان أحدنا يعتقد انهم سيفرشون لنا السجاد الأحمر ويستقبلونا بالورود؟ في الحقيقة لو أننا اعترفنا وقتها بفشل هذه الطريقة واتجهنا نحو طرق أخرى من العصيان المدني الأقل خطورة، لكُنّا في موقف أفضل، ولكننا أقنعنا أنفسنا بأننا منتصرون.

 فلذا كنت دائمًا أقول أننا نفتقر إلى ثقافة مهمة وهي ثقافة الهزيمة، الهزيمة هي الخطوة الأولى للنجاح، لا يمكنك أن تفوز دائمًا، لذلك قيل في الحكمة الهزيمة للشجعان فقط، فالجبناء لا يخوضون المعارك أصلًا، والتاريخ زاخر بقصص وأمثال لأناس خرجوا من تحت ركام الفشل ليعلنوا أن ما بعد الهزيمة إلا النصر.

إذًا نحن بحاجةٍ إلى انقلابٍ فكري على مفاهيمنا القديمة، هذا التغيير يجب أن يبدأ بالأطرِ التربوية في المنزل والمدرسة على حدٍ سواء حتى بدون الحاجة لانتظار التغيير في المناهج التعليمية، فهذه الأمور تعطى دون كتبٍ وأقلام، هي دروس أخلاقية لا يمكن تعليبها بمحتوى دراسي، هي وعيٌ لدى المعلم وأولياء الأمور لا يُعطيها فاقدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد