يظنُّ البعضُ أن الوجودَ العربي في مصر بدأ مع الفتح الإسلامي عام 21 هـ، والواقع أن الوجود العربي في مصر بدأ منذ عهد الفراعنة، حيث كانت هناك صلات تجارية بين عرب شبه الجزيرة وبين الدولة المصرية، ويدلُّ على هذا ما يلي:

1 – القافلة التجارية التي التقطتْ سيدنا يوسف عليه السلام كانت من العرب، وقد ذكر هذا العلامة محمد رشيد رضا، عند قوله تعالى: وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ ، وفي تفسير البغوي «تحديدٌ للقبيلة أنها كانت رفقة من مدين تريد مصرَ»، ومعروف أن مدين قوم من العرب يسكنون الشام. وفي سفر التكوين تحديدٌ للمكان: «ثُمَّ جَلَسُوا لِيَأْكُلُوا طَعَامًا. فَرَفَعُوا عُيُونَهُمْ وَنَظَرُوا وَإِذَا قَافِلَةُ إِسْمَاعِيلِيِّينَ مُقْبِلَةٌ مِنْ جِلْعَادَ… ذَاهِبِينَ لِيَنْزِلُوا بِهَا إِلَى مِصْرَ»أهـ، والإسماعيليون هم العرب، وأرض جلعاد هي جزء من بلاد الشام، وقد أدَّت هذه الحركة التجاريَّة إلى استقرار جالية مصريَّة في بلاد العرب، وإقامة جالية عربيَّة في مصر.

2 – في مقابرَ بني حسن (جبانةٌ فرعونية جنوبَ مدينة المنيا) صورةٌ تمثل مجموعة من البدو يقدمون القرابين والهدايا للفرعون لقاءَ السماح لهم بالسكنى في مصر، ويرجعُ تاريخُها لعصر الدولةِ الوسطى في تاريخ مصر الفرعوني.

3 – في العصر الفرعوني أيضًا جاءتْ إلى مصر بعضُ عرب الأنباطِ، وهي مملكة عربية قديمة، قامت في الأردن وضمتْ سيناء وأجزاء من شمال شبه الجزيرة العربية، كانت عاصمتهم مدينة البتراء الأردنية، وقد عُثر لهم على 83 أثرًا ونقشًا من شمال سيناء إلى الصحراء الشرقية وصولًا إلى صعيدِ مصرَ الأعلى.

4 – يذكرُ المؤرخون أنّ عربًا من قضاعة تنتهي أنسابُهم إلى حمير بن سبأ قد سكنوا مصرَ قبل الفتح الإسلامي بستةِ قرون، وخالطوا المصريين حتى ذابوا فيهم، حتى ذكرَ المؤرخان اليونانيان: استرابو 66 ق.م وبلينيوس 70م أنّ العربَ تكاثروا في أيامهما في الجهة الغربية للبحر الأحمر، حتى شغلوا ما بينه وبين النيل في أعالي الصعيد، وأصبح نصفُ سكان مدينة قفط منهم (قفط مدينة بمحافظة قنا).

5 – نزلت إلى مصر في الجاهلية بطونٌ من خزاعة ولخم وجذام، وأقطعهم حاكمُ مصرَ ولايةَ تنيس (صان الحجر محافظة الشرقية)، وقد حاربوا في فتح دمياط مع الرومان ضد المسلمين بقيادة أبي ثور من بني عامر بن صعصعة، وأُسِر أبو ثور هذا وانهزم أصحابُه.

6 – قبل دخول الإسكندر الأكبر إلى مصر سكنتها جموعٌ كبيرة من قبائل معين اليمنية وحمير والأنباط ومدين وعُثر في الجيزة وإدفو وقنا على كتابات معينية بالخط الحسن، وبعضُ هذه النصوص مُؤرّخ بسنة 261 ق.م.

7 – في عام 47 ق.م استعان يوليوس قيصر بمالكَ بن عبادة ملك دولة الأنباط العربية، فأرسل له مالكٌ كتيبةً من الفرسان الخيالة لفتح الإسكندرية التي كانت مستعصيةً عليه.

8 – في عام 268 م غزتْ مصرَ الملكة زنوبيا الزباءُ ملكة تدمر (إمارة عربية شمال دمشق)، وظلت مصر تحت سيطرة عرب تدمر من سنة 268م إلى سنة 271م.

9 – يقول العلامة المؤرخُ نعـوم شقير:

  • · إن سكانَ مصرَ الأولين، أجدادَ القبط الحاليين هم من أصلٍ عربيٍ قديم، وهذا هو الفتح العربي الأول لمصر.
  • · ثم مجيء الهكسوس (من عرب الشام) وقد حكموا مصر قرنٍ ونصف (150 سنة)، وهذا هو الفتح العربي الثاني لمصر.
  • · ثم خضعت مصرُ لمملكة تدمر أيام الملكة الزباء وهذا هو الفتح العربي الثالث لمصر.
  • · ثم مجيء عمرو بن العاص بجيش المسلمين، وهذا هو الفتح العربي الرابع لمصر.
  • أما سيناء فسكانها منذ الأزل من العرب الخُلّص الأقحاح، ويذكرُ المقريزي في كتابِه البيان والإعراب عمَّن نزلَ مصرَ من الأعراب أسماءَ أكثر من ثلاثين قبيلةً عربية نزلتْ منها بطونٌ وأفخاذٌ أرضَ مصرَ.

ولنتذكر:

المسلمون في مصرَ ليسوا ضيوفًا، والعربُ في مصر منذ الفراعنة، وعمرو بن العاص حرر مصرَ من الاحتلال الروماني، والأقباطُ لم تكن لهم دولة أصلًا، وبنيامين أسقف المصريين كان هاربًا 13 سنة من بطش الرومان، ولم يخرجْ إلا بعد أن أمّنه المسلمون على حياته وحريته، إبان الفتح الاسلامي لمصر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد