عام 1981 نشر المفكر الصيني بو يانغ كتابًا أسماه «الصيني البشع» والذي كان جامعًا لدراسات وأبحاث مطولة في تخلف الصينيين عن باقي الحضارات والأمم، بو يانغ توصل إلى عديد من الأسباب التي جعلت من الصينيين ما كانوا عليه وقتها في ماضيهم الذي يشبه إلى درجة كبيرة حاضرنا الذي نعيشه اليوم في عالمنا العربي، وفي هذا المقال سنحاول أن نقف عند بعض من الأسباب التي أدت بنا إلى ما نحن عليه، نجلس بلا مبالاة فظيعة على مقاعد المتفرجين نشاهد فقط باقي الأمم الواحدة تلو الأخرى تنفض عنها غبار التخلف وتتسلق بثبات سلم الحضارة والازدهار والتقدم.

1- نحن لسنا متخلفين

نحن في سباق مع الزمن إما أن نقتل التخلف أو يقتلنا التاريخ.
غازي القصيبي.

يقولون إن الخطوة الأولى للشفاء من الجنون هي أن تعترف وتقر به ويقال أيضًا الاعتراف بالذنب فضيلة، إذًا لا بد أن نفهم أن الخطوة الأولى للتقدم والتحضر هي أن نعترف بأننا متخلفون، فنحن لسنا خير أمة أخرجت للناس لأننا ما حفظنا سوى نصف الآية ولسنا بأمة اقرأ فنحن أمة لا تقرأ ونحن أردأ من أن نكون أمة محمد لأننا ما طبقنا تعاليمه وما جعلناها ثقافة نتنفسها ونعيش بها حياتنا كما وجب أن تكون.

2- لا للاختلاف

إن الاختلاف هو الأصل في يقظة الوعي وتجدد الفكر وتطور الحياة.
علي حرب.

العربي والتعصب والتطرف الفكري وجهان لعملة واحدة، فمن الصعب جدًا على العربي أن يتقبل اختلاف الآخر، فإن تبعت مذهبًا غير مذهبي فأنت زنديق كافر وعدو من أعداء الدين، وإن تجرأ عقلك على التفكير بطريقة تختلف عني فأنت إنسان جاهل وعقلك الصغير لن يصل أبدًا إلى مستوى تفكيري، أما إذا اطمأن قلبك إلى حزب سياسي مختلف عن حزبي فأنت والعياذ بالله عميل للغرب تريد الفتنة بهذه البلاد وأهلها.

3- حاضرنا ماضٍ

العرب أمة تعيش في الماضي وإن التاريخ يلهمها أكثر مما يعلمها في الواقع لذلك فهي لا تحسن التعامل مع الزمن الذي تعيشه وهذا هو السبب في تخلفها.
عبد الرحمن منيف.

إن سألت عربيًا يومًا عن أمته فأغلب الظن أنه في بداية كل جملة لا بد أن يستخدم إحدى أدوات الماضي، فمن لقنوه التاريخ علموه أن الأمم الغابرة كانت حضارية متقدمة تتنفس العلم والمعرفة أما الآن فهو ومن سبقوه من المعاصرين أضاعوا الأمجاد واستسلموا للتخلف والجهل والظلم والاستبداد، صدقوا في الثانية ولكنهم كذبوا في الأولى.

فتاريخهم يمجد بغرابة وحمق شديدين من استباح دماء المسلمين وجز رأس حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتاريخهم رمى من نفتخر بعلمهم في زمننا هذا بالزندقة والكفر والإلحاد بل وعذب بعضهم ونكل بهم، فابن المقفع «صلبه سفيان بن معاوية وقام بتقطيع لحمه قطعة قطعة وشيها في النار أمامه حتى مات»1 أما ابن سينا فهو «إمام الملاحدة، فلسفي النحلة، ضال مضل، من القرامطة الباطنية، كان هو وأبوه من دعاة الإسماعيلية، كافرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر»2 وجابر ابن حيان «لو أثبتنا وجوده، فإنما نثبت ساحرًا من كبار السحرة في هذه الملة، اشتغل بالكيمياء والسيمياء والسحر والطلسمات، وهو أول من نقل كتب السحر والطلسمات»3. هؤلاء أمثلة قليلة، وغيرهم الكثيرون ممن رمتهم المجتمعات السالفة بالكفر والإلحاد والزندقة لجهلها وتلوث فكرها فالعرب والمسلمون بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وانتهاء الخلافة الراشدة، لم تتحدث سوى لغة واحدة هي لغة الحرب والفتنة والصراع على السلطة، فعن أي مجد تتحدثون.

 4- علماء السلاطين

إذا أردت أن تتحكم في جاهل فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني.
ابن رشد.

في وطننا العربي تشدنا كثيرًا اللحى والدشاديش القصيرة فبمجرد إعفائك للحية، حفك للشارب، وارتدائك دشداشًا قصيرًا وسروالًا ليستر العورة يعطيك تصريحًا للصعود على المنابر والتحدث في أمور العامة، حتى وإن كنت منافقًا ذا علم لا ينفع، فلحيتك ودشداشك كفيلان بأن يجذبا أنظار العامة وأسماعهم إليك، ولأن هؤلاء الصعاليك لا يكترثون لأمر الأمة ودينها قدر ما تهمهم جيوب مملوءة، فإنهم يطلقون الفتاوى لمن يدفع أكثر، ويصعدون على المنابر ليمجدوا ويهللوا لحاكم ظالم مستبد، فهذا المستبد مصدر رزقهم ولأن دينهم وضمائرهم ما هي إلا سلعة تباع لأول مشترٍ، فما همهم إن أنشؤوا جيلًا مغيب العقل لا يعرف من دينه ودنياه سوى ما لقنه ذلك الشيخ، إن كانوا هم سيركبون السيارات الفارهة ويعيشون حياة الترف والرخاء.

5- خرق القوانين متعة

حيث النظام نجد الطعام حيث الفوضى نجد الجوع.

العربي والقانون خطان متوازيان لا يلتقيان، فنحن نحب الفوضى ونبغض النظام، لا ننتظم في طابور، نرمي قمامتنا في الشارع، نشرب السجائر في كل مكان، لا نلتزم بقوانين السير ولا نعرف أخلاق القيادة، ونتبجح دائمًا بأن الكل يفعل هذا أو نلقي اللوم على الحكومة الفاسدة لتبرير أفعالنا، متجاهلين حقيقة أننا مصدر فساد حكوماتنا فلولا فسادنا نحن ما فسدت حكوماتنا.

6- نحن تخلينا عنا

إن التاريخ لن يغفر لهذا الجيل أن يترك الأمة العربية في حالها الراهن.
أحمد زويل.

مشكلتنا أننا لا نكترث، لا نكترث بضعفنا، لا نكترث بجهلنا وتأخرنا، لا نكترث بشيء، وكأن أمرنا لا يعنينا وكأننا جعلنا ضعفنا وتخلفنا واقعًا يجب التعايش معه لا تغييره، نكتفي فقط بلعن الأجيال السابقة لما أوصلونا إليه من حاضر مرير ونسينا أنه كما نلعن نحن الآن أسلافنا، سيلعننا من بعدنا لأننا تخلينا عنا وعنهم.

نملك كل مقومات النجاح ولكننا ما زلنا فاشلين

23 دولة تتحدث لغة واحدة، تتبع دينًا واحدًا، لا تختلف كثيرًا في عاداتها وتقاليدها، تملك مجتمعة موارد تغنيها عن العالم بأسره بل بإمكانها أن تجعل العالم الغربي يلهث وراء رضاها، وتملك مجتمعًا فتيًا وشابًا بكمية هائلة من الطاقة البشرية بين يديها. نملك كل أسباب النجاح والتي لا يملكها من يتقدمون علينا، ولكن انشغالنا العميق بالتفاهات والترهات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، والتركيز على ما يفرقنا لا ما يجمعنا دحض أي آمال للنجاة من ظلام الجهل والتخلف والرجعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- سير اعلام النبلاء: 208/6، البداية والنهاية: 96/10، لسان الميزان: 449/3
2- سير اعلام النبلاء: 531/1-539، إغاثة اللهفان: 595/2 وما بعدها، البداية والنهاية: 42/12-43، فتاوى ابن الصلاح:69، نونية ابن القيم: 14،30،43،49،160،186 وغيرها
3- مقدمة ابن خلدون: ص496-497
عرض التعليقات
تحميل المزيد