الشريف حسين بن علي الهاشمي، يقف على أعلى تلة، وهو ينظر إلى الأفق وعيناه تشعان بريقًا أملًا في توحيد العرب بدولة واحدة، خلافة عربية، يكون هو ملك عليها، وخلفه يقف ولداه فيصل وعبد الله وهما يحملان البندقية، لقطة قريبة من عينيه اللتين تحترقان لتشع، تبتعد الكاميرا شيئًا فشيئًا إلى ألا يظهر سوى الصحراء الواسعة برمالها الصفراء.

هذا هو مشهد البداية الذي اخترته في مسلسل الوحدة العربية التي سأعرض عليكم حلقاته، بداية عقود من الصراع، حلقات من الصراع الطويل والشاق، اختلطت فيه الأحلام بالكوابيس، ابتدأت بالشريف حسين والثورة العربية الكبرى على الإمبراطورية العثمانية آخر جسد جمع الدول العربية إلى يومنا هذا، الثورة التي بدأت بوعود الإنجليز بدولة عربية موحدة ونالت دعمًا عسكريًّا غير مسبوق من حلفائه البريطانيين.

البريطانيون الذين لاقوا فشلًا غير مسبوق في القضاء على العثمانيين في حملة الدردنيل، وجدوا ضالتهم في الشريف حسين لضرب العثمانيين من الشرق، تلك الجهة التي لم يستعد العثمانيون للدفاع عنها جيدًا، ووجد الشريف في البريطانيين أداة لتحقيق طموحه بأن يكون ملكًا على خلافة عربية تخلف سابقتها العثمانية، التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة، فتلاقت المصالح وقامت الثورة بقيادة الشريف وولديه فيصل قائد الجيش الشمالي، وعبد الله قائد الجيش الشرقي، بمساعدة البريطانيين، وخاصة الضابطين توماس لورنس (لورنس العرب) وإدموند ألنبي، وتساقطت المناطق العربية الواحدة تلو الأخرى بيد الإنجليز مدعومين بالعرب، وتوجه فيصل إلى دمشق لإعلان ملكيته وتأسيس أول حكومة عربية، لكن ذلك الحلم لم يكتمل وسرعان ما وجد القوات الفرنسية وهي تزحف باتجاه دمشق، لينتهي مشروع الوحدة العربية بمعركة ميسلون، ودخول القوات الفرنسية وسيطرتها على دمشق بقيادة الجنرال غول، وانتهى المطاف بفيصل ملكًا على العراق، وأخوه عبد الله استقر وأصبح ملكًا على الأردن، وأما أبوهم فـانتهت طموحاته وآماله بدخول قوات بني سعود للحجاز، ونفيه إلى قبرص؛ ليبدأ مسلسل التشرذم العربي، ذلك المسلسل الطويل المليء بالمآسي،

تابع الملك عبد الله بن الحسين حلم أبيه بملكية تضم جميع الدول العربية، فحاول استغلال علاقته المقربة من الإنجليز والغرب لتأسيس فيدرالية تضم الدول العربية، فبدأ بمشروع دولة الشام الكبرى؛ فحاول إقناع اليهود بالتنازل عن حلمهم بقيام دولة اسرائيل، وأن يعطيهم إقليمًا خاصًا لليهود ينالون فيه كل حقوقهم، لينتهي هذا المشروع بقيام دولة إسرائيل ومقتل الملك على يد مصطفى شكري، أحد الفلسطينيين الذي رأى في الملك أحد عملاء الإنجليز.

لربما لو كتب لهذا المشروع النجاح ولدت دولة الولايات العربية المتحدة، ولكان حالنا إلى غير حال؟ لكنه توفي وتوفي معه مشروع الفيدرالية العربية، لينبعث المشروع الجديد مشروع القومية الاشتراكية العربية مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

ذلك القائد الذي أسر قلوب العرب من المشرق للمغرب، وكان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلم الوحدة فمع قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا بدا أن الحلم أصبح حقيقة ملموسة، فتوحدت سوريا ومصر في دولة واحدة يرأسها جمال عبد الناصر وبرلمان واحد في القاهرة، فازداد توهج شعلة الوحدة في قلوب كل العرب، ولكن ذلك الحدث وصعود ناصر مع أفكاره القومية الاشتراكية أدت إلى تغييرات جذرية في العالم العربي، تغييرات ما زلنا نعيش على وقعها بعد صعود الأنظمة الاشتراكية العروبية، وما حملته من ويلات نعيشها اليوم.

ففي العراق كانت أحد الأسباب التي أدت إلى الانقلاب على الملك فيصل الثاني في العراق سياساته المقربة من الإنجليز وانضمامه إلى حلف بغداد مع بريطانيا (ضم الحلف إلى جانب المملكة المتحدة، العراق، وتركيا، وإيران، وباكستان) والتخوف من صعود الرئيس ناصر وما يحمله من أفكار اشتراكية وحدوية، ليقوم انقلاب 1958 وليستلم قيادة العراق بعد الانقلاب الذي قاده تنظيم الضباط الأحرار الزعيم عبد الكريم قاسم الذي بعكس توقعات غالبية الضباط الأحرار القوميين العرب التواقين إلى الوحدة، كان الزعيم شيوعي الهوى فرفض الوحدة، وقام بحملة تنكيل ضد أصدقاء الأمس – الضباط الأحرار- لينشط تنظيم قومي أشد تطرفًا (حزب البعث) في العراق، سيتولى في ما بعد قيادة البلد، وكان من أشهر أعضائه الشاب صدام حسين الذي حاول اغتيال عبد الكريم قاسم في محاولة فاشلة.

كان من ضمن الإجراءات التعسفية ضد القوميين حملات الإعدام والحكم على زميله وصديقه السابق عبد السلام عارف بالإعدام، الذي خففه بعدها الزعيم بالسجن المؤبد، ثم الإقامة الجبرية لتعاد الكرة وينقلب القوميون مجددًا بقيادة حزب البعث (انقلاب 1963)، وتبدأ حملة التنكيل بالشيوعيين ابتداء بالزعيم عبد الكريم قاسم، الذي أعدم سنة 1963 ليتولى بعدها رئاسة البلاد زميله عبد السلام عارف القومي العروبي، الذي سعى في اتجاه الوحدة العربية، لكن تلك الأجواء القومية مهدت صعود حزب البعث في انقلاب 1968 فيما بعد.

وكاد أن يتكرر الحال في الأردن، فالملك حسين كان المناوئين للكيان الجديد، وقد تحركت بريطانيا لمنع قيام أي انقلاب ضد الملك لمنع تكرار سيناريو العراق ومصر، وخسارة نفوذها المتبقي في المنطقة بعد خسارة نفوذها في العراق ومصر، وقد كان من حكمة وفطنة الملك حسين قيامه ببعض التغييرات السياسية لاجتذاب القوميين العرب إلى صفه، بعيدًا عن الصف الناصري، فعرب الجيش سنة 1956، وأطاح برئيس الأركان الجنرال كلوب، وعين بعده فيما بعد علي أبو نوار، الذي كان من قادة تنظيم الضباط الأحرار السري الأردني.

أما لبنان فشهدت أزمة سنة 1958 بين القوميين العرب المسلمين المؤيدين لناصر مع رئيس الحكومة رشيد كرامي، ضد الرئيس كميل شمعون والمسيحيين المارونيين، انتهت بتدخل أمريكي بطلب من رئيس لبنان آنذاك لصالح الرئيس اللبناني.

وفي السعودية كان ملوك بني سعود من أشد المناوئين لمشروع الدولة العربية المتحدة والقوميين والناصريين، لما يحمله من خطر الانقلاب على الملكية خاصة، مع ظهور تنظيم الأمراء الأحرار برئاسة طلال بن عبد العزيز آل سعود، ومشاركة الأمير مشاري بن عبد العزيز آل سعود، والأمير بدر بن عبد العزيز آل سعود، والأمير تركي الثاني بن عبد العزيز آل سعود، والأمير فواز بن عبد العزيز آل سعود الذين كانوا يدفعون بالاتجاه القومي وتحويل السعودية إلى ملكية دستورية قبل أن ينفى إلى القاهرة سنة 1962 وعادوا بعدها بعفو ملكي، بعد أن اعترف الأمير طلال بخطئه لتأييده المشروع الناصري.

أما اليمن، ذلك البلد المسكين الذي طالما كان ساحة قتال بين الدول المجاورة لأجندات خارجية، فوجد نفسه وسط حرب أهلية بين المملكة المتوكلية (الزيدية)، التي كانت تحكم اليمن آنذاك، المدعومة سعوديًّا، وبين الجنرال عبد الله سلال القومي العروبي المدعوم من ناصر، حرب أهلية طاحنة استمرت من 1962 إلى 1970 بين المعسكرين السعودي والمصري، ولعل هذا الصراع كان من أهم أسباب نكبة 1967 لتسببه في إنهاك الجيش المصري، انتهت تلك الحرب الأهلية بنهاية المملكة المتوكلية، وقيام الجمهورية اليمنية برئاسة عبد الله سلال، قبل أن يتم الانقلاب عليه 1968 وليأتي فيما بعد الرئيس علي عبد الله صالح رئيسًا للجمهورية، ويقود تحالفًا ضد الحوثيين (الزيدين) بمساندة السعودية من كانت تدعهم بالأمس.

أما في المغرب العربي فقد كان ناصر من أشد الداعمين للثورة الجزائرية، التي أوصلت بعد نجاحها الرئيس الجزائري أحمد بن بلة الاشتراكي العروبي إلى سدة الحكم.

وفي ليبيا، قادت أفكار ناصر الضابط الطموح في الجيش الليبي معمر القذافي للانقلاب وإطاحة المملكة الإدريسية في ليبيا سنة 1969 لتنتهي بذلك سنين من الاستقرار عاشها البلد في ظل حكم الملك محمد إدريس السنوسي، ليبدأ بعد ذلك الكابوس الليبي مع القذافي الذي ما يزال يعيش الشعب الليبي تبعاته إلى اليوم.

تونس كانت تعيش بعيدًا عن أفكار الوحدة العربية في ظل حكم بورقيبة الذي كان يؤمن بوجوب النهضة بواقع تونس الاقتصادي والتعليمي، وكذلك النهوض ببقية الدول العربية ثم الاتجاه للوحدة، كما أنه كان من الأوائل المؤيدين للمصالحة بين العرب والإسرائيليين لتجنب المواجهة مع الغرب، كذلك المغرب الذي كان في حكم الملك حسن الثاني، يمتلك علاقات جيدة مع الغرب، وكان من دعاة المصالحة بين العرب والغرب.

قادت أفكار التيار الناصري الاشتراكية العروبية في الدول التي سارت على نهجها إلى تبعات كارثية لا يعرف كيفية الخروج منها إلى اليوم، أما الدول العربية الأخرى التي لم تنسق وراءها وسعت إلى النهوض بواقع شعبها الثقافي والاقتصادي مع المحافظة على علاقات ودية مع الغرب، والاستفادة من علمهم وتجاربهم كدول الخليج والمغرب، نراها اليوم أفضل حالًا بكثير، فأصبحت من أفضل دول المنطقة.

انتهت الدولة العربية المتحدة بانقلاب عسكري في سوريا عام 1962 وقد اختلف الكتاب وذوو الشأن والخبرة في سبب فشل الوحدة، فمنهم من عزاه إلى الإدارة الفاشلة لناصر، والفساد المستشري، واعتماده على المقربين ومن يجد عنده الثقة بدلًا من اعتماده مبادئ المهنية السليمة، ولسياسته الاشتراكية التي لم تكن ملائمة لأوضاع سوريا وتهميشه التام لسوريا، مما أثار نقمة الشعب السوري، ومنهم من يرى أن السبب الرئيسي للفشل هو تدخل القوى الغربية المباشر وغير المباشر لمساندة حلفائها في الأردن والسعودية، لمنع قيام كيان عربي شامل مناهض لإسرائيل ومصالح الغرب بالمنطقة.

بغض النظر عن أسباب الفشل، لقد كانت نتائج التجربة الناصرية مروعة للأمة العربية، فأوصلت الأنظمة الاشتراكية العروبية لسدة الحكم، وما حملته تلك الأنظمة من ويلات لشعوبها كحزب البعث في سوريا والعراق، والقذافي في ليبيا، ولا يخفى ما فعلته هذه الأنظمة لشعوبها، وقد زاد التشرذم والتفرقة بين الدول العربية وما حمله ذلك من نتائج نعيشها اليوم في العراق، والحروب المتتالية، وسوريا والحرب الأهلية 2011 واليمن وحرب التحالف الدولي وما تحمله من مجاعات ومآس، وليبيا والفصائل المسلحة، والقتال الذي لا ينتهي، ومصر والقمع، والفقر، والأسعار الملتهبة، إضافة إلى مشاكل الإرهاب، الذي كان لسياسات تلك الأنظمة القمعية الدور الأعظم في تكوينه والمشاكل الاقتصادية التي حملتها الاشتراكية إلى بلداننا.

لقد انتقلت فكرة الوحدة العربية بعد تبعات التجربة الناصرية في مخيلة المواطن العربي من تنصيف الأحلام إلى الكوابيس، ارتبطت الوحدة بتاريخ مليء بالدماء، والعنف، والاضطهاد، وسياسات اقتصادية فاشلة، أوصلت البلدان إلى حافة الهاوية إن لم تكن الهاوية نفسها، فقر، وتخلف، واضطهاد، هذا ما اتحدت عليه الدول التي سارت على النهج الاشتراكي القومي، أما الدول العربية الأخرى التي تركت درب الاشتراكية القومية وتمسكت بالرأسمالية والعلاقات الحسنة مع الغرب، كدول الخليج، فأصبحت لها السلطة على واقع اليوم، والعديد من البلدان يطمح إلى الوصول إلى ما وصلت إليه من تقدم.

أصبحت الأحزاب التي تحتل المقدمة في واقعنا السياسي اليوم هي الأحزاب ذات التوجهات الوطنية والأحزاب الليبرالية والأحزاب الإسلامية واختفت من الساحة الأحزاب القومية واختفت معها أفكار الوحدة لتعكس واقع الشارع العربي اليوم الذي لاقى ما لاقاه من تلك الأفكار من ويلات من اضطهاد وسجون سرية وفقر مدقع ليتحول ذلك الحلم الجميل في ذاكرة الأمة العربية، الحلم بدولة واحدة فيدرالية من بغداد شرقًا إلى الرباط غربًا، دولة ذات مساحة وموارد هائلة، وثقافات متنوعة تضعها في مقدمة دول العالم الحديث، تحول إلى كابوس نود الاستيقاظ منه والتخلص من تبعاته.

لكن في وسط هذه الظلمة نستذكر الدرس الذي علمه لنا التاريخ مرارًا وتكرارًا، إن الأمم والحضارات تولد من قلب المعاناة والتضحيات، وهل هناك أعظم من المعاناة التي عاشتها وما تزال تعيشها أمتنا العربية بمختلف أقطارها؟

إن هذا الليل القاتم الذي يخيم علينا إنما ينبئ بفجر مشرق جديد يطل على أمتنا، يحمل معه آمالًا وطموحات حملها الشريف حسين قبل ما يقارب المائة عام، بعينيه وهما تشعان أملًا بحياة كريمة لأمة عربية موحدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد