«يظل العالم عالمًا ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل».

ليس العلم هو المعلومات التي جمعها الإنسان عبر السنين بقدر ما هو فحص مستمر لتلك المعلومات خصوصًا في ظل تطور العلم والبحث في كل مجال، وتغير ما كان يعتبر حقيقة في يوم ما.

هذا الفحص المستمر هو ما يميز العلم عن الجهل، ولذلك قد تطرأ تغيرات على منظور الشخص وآرائه تجاه القضايا والأحداث والتاريخ والعلوم المختلفة، تغير ناتج عن اطلاع وإعادة نظر، واستجواب لقناعات بهدف التأكد هل هي صائبة أم خاطئة؟

ومع أن التغير من سنن الحياة إلا أن بعضهم في حالة سكون دائم، بل جمود، يردد أفكارًا عفا عليها الزمن ويتمسك بها، وفي الوقت الذي لا يبذل أي جهد في البحث والاطلاع، ويكتفي بفتات المعلومات وما يتناقله الآخرون، يقاوم أية محاولة للتعرف على منظور جديد لمسألة ما، ولذلك يتعاظم جهله.

إذا كانت الجامعات والأكاديميات العلمية هي الأمكنة المعنية بنمو بذور البحث العلمي، ونشوء قاعدة علمية متينة في أي بلد تنعكس إيجابًا على كافة مواقعه ومؤسساته، فإن الحالة عندنا في بلادنا العربية على هذا الصعيد تبدو شبه ميؤوس منها، حيث يمكن الاستنتاج مباشرة بأن العرب ما يزالون بعيدين كل البعد عن البحوث العلمية الرصينة عالميًا ولعل الدليل الأبرز على ذلك ليس الواقع المتردي الذي يحكي عن ضحالة البنى التحتية العلمية العربية وتخلفها فحسب، وإنما أيضًا هو تلك الإحصائيات والأرقام المخيفة التي تقدمها وتنشرها مختلف مراكز البحوث المعروفة عندنا أو في الغرب.

ومن المعروف أن الجامعات العربية لا تحوز على أي تصنيف عالمي معتبر، حيث إنه ومن أصل حوالي 500 جامعة دولية يجري تصنيفها سنويًا ضمن أفضل جامعات العالم، لا تحظى أية جامعة عربية بشرف الانتماء لتلك المجموعة المميزة من الجامعات المرموقة وذات السمعة الحسنة في العالم كله، سواء من حيث ما تقدمه وتنتجه من بحوث علمية رصينة، وما توفره من موازنات مالية ضخمة لتلك البحوث، والعدد الكبير لبراءات الاختراع المسجلة أو الاكتشافات العلمية التي تحققها.

طبعًا دائمًا يتم تحميل أسباب ذلك الفشل العلمي العربي إلى ضحالة الموارد المالية، وعدم وجود استراتيجيات بحث علمي حقيقي، مما يتسبب بندرة وقلة الأبحاث العلمية، وندرتها، أو عدم فعاليتها وجودتها بما يمكنها من أن تدخل في التصنيف الدولي لأفضل جامعات العالم فعن أية جامعات عربية نتحدث، وهي بمعظمها لا تعدو أن تكون أكثر من أماكن للتلقي والتلقين والحفظ والتلقي الجاهز البليد للمعلومة!

إن أسلوب التنشئة والتعليم في مدارسنا وجامعاتنا لا يتبع أسلوب الاستنتاج في التعليم بل أسلوب حفظ المعلومات ومحاولة تخزين أكبر كمية منها في الذاكرة والحفظ والتلقين والاستظهار وعدم ممارسة الديمقراطية أو حرية الفكر والحوار، ولعل معيار الذكاء – من دون أن نشعر- أصبح مقرونـًا بقدرة الطالب خلال كل فترات دراسته على تخزين المعلومات وحفظها، والعمل بها لاحقـًا على طريقة إفراغها فقط أي لا يصبح المحتوى جزءًا لا يتجزأ من نظامهم الفكري يغنيه ويوسع آفاقه وإنما كل ما في الأمر يصبح الطالب حافظـًا لكم من المعلومات أصلاً توصل إليها شخص آخر، فنحن لا نعلَم الطالب على التفكير والاستنتاج أو الابتكار أو الاختراع.

والسؤال هنا:

كيف يمكن تطوير جامعات العرب ونقلها من حالتها البائسة الحالية المعتمدة كلياً – في كثير من البلدان العربية حتى لا نظلم البعض القليل منها- على أسس ورؤى وبنى تعليمية قديمة رثة عفا عليها الزمان، إلى حالة متطورة ومتقدمة تتحول من خلالها إلى مراكز فعلية وحقيقية للبحوث العلمية الرصينة؟!

وكيف يمكن تحويل تلك الجامعات التلقينية إلى أمكنة تضج بالحراك والنشاط البحثي العلمي الذي يمكن استخدامه واستثماره بصورة منتجة وفعالة في مختلف أوجه ومجالات المجتمع، من خلال ربط الجامعة بالمجتمع عمليًا وليس نظريًا؟

ثم كيف يمكننا أن نتصور وجود جامعات عربية متميزة ذات مراتب ومعايير دولية في ظل إنفاق مالي لا يتعدى أكثر من نصف بالمائة من إجمالي الناتج المحلي لأي بلد عربي؟!

ففي دولة عربية كبرى لا يتجاوز الإنفاق على هذا المضمار أكثر من 2 في المائة من الناتج المحلي، فهذه الرقم لا يساوي شيئًا وليس له قيمة منتجة ومؤثرة على الإطلاق، وهو إن دل أو أشار إلى شيء، فهو يشير بصورة واضحة إلى عدم وجود أدنى اهتمام مؤسساتي لدى مسؤولي الإدارات السياسية في البلاد العربية بالجامعات وبتطورات العلم والبحوث العلمية، بمقدار ما هم مهتمون بالسيطرة على المجتمع، ومراكمة الثروات، والبقاء الأبدي في سدة الحكم على الكراسي الملكية الذهبية.

وفي ظل هكذا وضع سياسي «تسود فيه فكرة الاستبداد والاستئصال، ومفاهيم القوة والبطش والعنف المادي والرمزي» واجتماعي «يعبر عن نفسه في الفقر والبطالة الحقيقية والمقنعة» لا يمكن مجرد تصور وجود جامعات رصينة، أو نشوء طبقة علمية تعنى بالبحوث العلمية المفيدة والمنتجة.

أما عن الحلول فهي صعبة وسهلة في الوقت ذاته، إنها من نوع السهل الممتنع لأن البحث العلمي له شروطه ومقدماته الأولية ومناخاته السياسية والاقتصادية من:

– وجود مناخ فكري وثقافي عام يعمل على أن ينمي إمكانيات الفرد ويطور مهاراته على أسس علمية صحيحة، ويحفز مواهبه وطاقاته، ويحرض أجمل وأهم ما لديه من قدرات ذاتية على العلم والعمل والبناء، بصورة تنتفي معها المرجعيات الثقافية التقليدية المهيمنة والضاغطة نفسيًا وثقافيًا، أو على الأقل لا يعود لها مثل هذا الطغيان والتأثير النفسي السلبي على وعي الفرد وسلوكه وحركته، لتصبح مرجعيته وهويته الحقيقية قائمة في وجوده وعمله ومكتسباته ودوره وتأثيره النافع الإيجابي على صعيد تحسن حياته ككل عل كافة المستويات.

– ضرورة توافر بنية تعليمية علمية متينة تبدأ من رياض الأطفال يمكن أن تعلم الطفل منذ نعومة أظافره على أساليب البحث والتقصي والاستدلال وليس على أساليب بدائية كالحفظ والتلقين والاستظهار والبصم، حيث نجد أن طلابنا يكررون ما يحفظون من أساتذتهم ومعلميهم من دون أن يؤثر ذلك في سلوكهم وفكرهم واتجاهاتهم، أي يمكننا بسهولة أن نلاحظ عدم وجود سياسة تربوية علمية ناجحة تقوم بتنشئة الأجيال على مقدمات ومعطيات البحث والتدقيق والاهتمام ، وهنا مطلوب من الأسر في البداية أن تهتم بتربية أبنائها على قيم العلم، وأن تعمل على تنشيط الطاقات الإبداعية والإنتاجية لديهم،  وتوجيهها الوجهة العلمية السليمة على صعيد الاهتمام الجدي المسؤول بروحية العلم والبحث العلمي ودوره المهم في الحياة الإنسانية .

ولكن للأسف، إن مثل هذا السلوك الحضاري مفتقد عندنا، فالهم الأكبر لدى الأسرة العربية عمومًا هو في تأمين أدنى متطلبات وجودها الآدمي.

– ضعف المستويات الأكاديمية في معظم جامعاتنا العربية خاصة على صعيد المرحلة التي تلي حصولهم على الشهادة الثانوية «مرحلة قبول الطلاب في الجامعات»؛ حيث نجد أن المعايير الموضوعة للقبول ما تزال هشة وضعيفة.

– ضعف مستويات الترقية بالنسبة لأعضاء الهيئة التدريسية، وعدم موضوعيتها، وقلة المشاركة المنتجة في المؤتمرات الدولية من أجل الاستفادة وتبادل الخبرات والنتائج العلمية، وسرعة تطبيق الاستخلاصات والانتفاع بها.

– ضرورة توفر ووجود حريات أكاديمية حقيقية في جامعاتنا العربية، مع توفر القاعدة البشرية العلمية الكبيرة الضرورية لإنماء قطاع البحث العلمي، وهذه القضية هي جزء من واقع مجتمعاتنا العربية ككل، وهي مرتبطة بالمناخ السياسي العام وبنية تكوين الدولة العربية القائمة للأسف على معايير قديمة من المكونات ما قبل الوطنية من طائفية وعشائرية وعصبيات دينية ومذهبية.

– ضرورة توفر المال اللازم للبحث العلمي؛ فالموارد الموجودة لدى جامعاتنا غير كافية ففي حين لا يصرف العرب أكثر من ملياري دولار على البحوث العلمية، تخصص الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من  275 مليار دولار للبحث والتطوير.

إذا كنا نريد تعليمًا مؤثرًا قادرًا على إعداد جيل يفكر وينتج، علينا تهيئة بيئة تعليمية تتحدى الطلاب والطالبات في المراحل العليا وتدفعهم للتفكير، وذلك بفتح آفاق المعرفة والتجارب أمامهم، وتعريضهم لوجهات نظر متعددة حول ما يتعلمونه، وتوجيههم إلى النظر بطرق مختلفة إلى العالم عن طريق المناقشات الحرة والبحث في كل الاتجاهات، ولن يتسنى ذلك إلا بوجود المعلم والمعلمة المؤهلين لهذه المهمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد