لا تسلم أي دولة من نوائب الظاهرة الاقتصادية التي تبرز نتيجة تطور المجتمع وظهور تقاليد وممارسات تعطي شكلًا آخر للمعاملات بين الطبقات الاجتماعية، لكن الأكثر منها ضررًا هي مشكلة البطالة التي أضحت هاجسًا يؤرق الشباب ذكورًا منهم وإناثًا، وهو ما يعبر عن الإخفاق الوظيفي وضعف مؤسسات الدولة في التوفيق بين الزيادة الديموغرافية وتوفير الوظائف لتشغيل الفائض من قوة العمل المتوافرة.

والحديث عن المرأة في هذا الشأن هو بوصفها فردًا من المجتمع لها ما له وعليها ما عليه، هكذا لكي نتخطى عقدة تعالي العنصر الذكري على الأنثى وكونها جزءًا من المشكلة والحل شأنها شأن الرجل.

المرأة العربية دخلت عالم الشغل بقوة وعزم مزاحمة الرجل، نسفت بذلك كل العادات والتقاليد الموروثة اجتماعيًا وبصبر على نظرات الازدراء للفتيات العاملات في التمريض والتعليم والمهن الأخرى، ومشاكل الأجور المتدنية الناتجة عن برنامج عمل المرأة الذي يتخلله الكثير من الإجازات والعطل المرضية التي تطرح دائما إشكالية تساوي الأجور بين الرجل والمرأة.

وقبل التطرق إلى دافع عمل المرأة العربية لا بأس أن نعرج على أصل عمل المرأة عمومًا، والذي يرجع إلى بداية الثورة الصناعية في أوروبا ، وذلك عندما بدأ عمال المصانع يضربون عن العمل نتيجة ساعات عمل الشاقة والظروف السيئة والأجور المحدودة، وبفعل ضغط الرأسماليين على الحكومات لإيجاد حلول لأزمة توقف العمل وتجنب الخسارة المالية، تم إقرار حق المرأة في العمل في بريطانيا لتغطي العجز في الأيدي العاملة وتم إخراجها من بوتقة التقاليد والأخلاق المتعارف عليه، ومنه نؤكد على أن عمل المرأة الغربية كان لضرورة رأسمالية.

ففي العالم العربي يعتبر بحث المرأة عن العمل والدخول إلى عالم الشغل كان بدافع إثبات الذات والشهرة في المجتمع وصعود سلم الاعتراف في أغلب الحالات، وليس للحاجة الاقتصادية أو الضرورة المادية وإنما لظهور بوجه آخر في المجتمع وهو ما جعلها فريسة سهلة الاستقطاب والتوظيف.

والملاحظ أن عمل المرأة العربية اليوم محصور في قطاعات محددة: كالإدارة وخاصة المهن الكتابية وأعمال السكرتارية، لكن المشكلة المطروحة هي مدى توافق قدرات الموظفات والعمل المنسوب لهن في ظل اعتماد المعايير الجسدية للتوظيف لإعطاء زابونية أكثر للقطاع خلافا لما يتطلبه العمل، بدلًا من الاعتماد على مقاربة الكفاءة والاستحقاق لتولي المناصب إلى أن بلغ الحد إلى تأنيث الإدارة والإعلام والتعليم والصحة وكذا بعض المؤسسات السياسية كالبرلمان الذي أصبحت مصداقيته تكمن في تكوينه الذي يفرض عددًا معينًا من النساء يجب أن يحتويه حسب تشريعات وقوانين الدول المختلفة.

وتلك الميزات التي يفتقدها الرجل من مؤهلات التوظيف وعدم الرضي على تضاؤل فقد اليوم أضحى اليوم خارج دائرة العمل وفتح الطريق للمرأة تكريسًا لتفاقم البطالة الذكورية.

والجدير بالإشارة الى تداعيات عمل المرأة الاجتماعية في ظل تضخم قوة العمل وانحسار عبء العمل على المجتمع وتركيبته وعاداته التي لن تسلم من الانحرافات التي قد تفضي إلى أزمات تستعص حلها:

– إن تمكين المرأة على الرجل في في ميدان العمل ومنه ماديا ومعنويا يؤدي إلى تغليظ نظرة الرجل للمرأة.

– خروج المرأة من دائرة العادات والتقاليد الموروثة يكرس من نظرة الازدراء للمرأة العاملة كونها متمردة.

 – المعاملات اللاأخلاقية في ميدان العمل الناتجة عن نزوات شهوانية بين أفراد العمل وجعل مكان العمل وسطًا لممارسة الرذيلة لكثرة مخالطة الرجال وهو ما يضع شرف المرأة موضع الشكوك، فللشهرة ثمن.

– مسألة العنوسة وما أكثرها في الوطن العربي البالغة سنة 2017 نسبة 85% أغلبها لأسباب اقتصادية التي تجعل الرجل يعف عن الزواج لإدراكه عدم قدرته على تحمل مسؤولية النفقات العائلية بمختلف صورها.

– التفكك الأسري نتيجة عدم بناء رابط قوية بين الزوجين لطول الغياب وبين المرأة والأبناء، فنشأة الولد بين أحضان مربية يجعل منه ابنا للأم بالنسب وابن المربية بالولاء.

 – تفشي ظاهرة الخلع والطلاق نتيجة الاستقلال المادي للمرأة ما يغنيها عن طاعة الزوج والولاء له تحت لواء الرابطة الزوجية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد