قرأت قبل يومين مَقالًا لإحدى المُدونات المغربيات، تحَدَّثت فيه عن الأُم العَاملة، في نظري لم تكن تدوينتها مُوفقة فقط، بل كانت رائِعة كذلك، طَرحت من خلالها العديد من التَّساؤلات التي تُرافق امرأة عاملة طيلة مسارها، سواء داخل البيت أو خارجه، تَساؤلات أجابت عن بعضها وأعرضت عن بعض لأن سياق كلامها لم يسمح بذلك، ارتأيت أن أجيب عنها في هذا المقال من منظوري الخاص.

القدرة على العطاء تختلف من شخص إلى آخر، وأحيانًا يكون عمل المرأة خارج البيت هو الدافع الأكبر وراء عطاءاتها اللامحدودة لأبنائها وزوجها، فتفهمها أن الوقت الذي تقضيه رفقتهم مَحصور في ساعات قليلة يجعلها تمنحهم كُل اهتماماتها وتخدمهم بِحب وإخلاص. غير أن المرأة في هذه الحالة غالبًا ما تُفرط في جانب آخر لا يقل أهمية عن رعاية الأسرة، تُفرط في جمالها وأناقتها وتستسلم للزمن دُون مُقاومة، والأكبر من ذلك أنها مع ضغوط الحياة ومُتطلباتها الكثيرة وحرصها على إتقان عملها خارج البيت وداخله، فهي تساعد الزَّمن على نفسها بتجاهلها أن لنفسها عليها حقا، فتصير في الأربعين من عُمرها، وكأنها في الخمسين، وتصير في الخمسين مُرهقة، مُجهدة، وأحيانًا مُنتهيةً تمَامًا.

إذا ما قارنا وضع المرأة العاملة مع الأُخرى التي اختارت أن تعتكف في بيتها وتعطي كل وقتها لتربية أبنائها، فأنا أرى أن التي تعمل أفضل حالًا لعدة أسباب.

في مُجتمعنا – على الأقل – في الأوساط الشعبية وجزء كبير من الطبقة المُتوسطة والقليل من عِلية القوم ماديًا يمجدون المرأة ربة البيت، دون أن يبحثوا لها أو يساعدوها حتى في إيجاد السُبل لتطوير ذاتها ورفع مستواها المعرفي، هذا المكوث في الببت يدخلها في دوامة التكرار مما يفقدها طعم ما تقوم به، وأحيانًا يتحول الأمر إلى اكتئاب حاد.

المُكوث في البيت بين أربعة جُدران مُمل جدًّا كيفما كانت نوعية الأنشطة التي ستقوم بها المرأة، هذا إن كانت تقوم بأنشطة أساسًا، فأغلبهن يقضين اليوم بين الطبخ والغسيل.. هذا الملل الذي يأخذ جزءًا مهما من يومها يتحول إلى طاقة سلبية تنقلها الأم إلى أسرتها، عكس المرأة العاملة التي لا يمر يوم عليها، دون أن تكتشف شيئًا جديدًا يضاف إلى رصيدها المعرفي وتجربتها المهنية.

لكن مع كل ما ذكرت من دوافع لعمل المرأة خارج البيت، يبقى هنالك إشكال يصنع الفارق، خصوصًا في مجتمعاتنا العربية، ما هو هذا الإشكال يا تُرى؟!

السنوات الأولى من عُمر الطفل هي الأهم على الإطلاق في تربيته وتكوينه، هي الأهم في علاقته بأمه عطفًا وحبًا وحنانًا.. في السنوات الأولى يحتاج الطفل لأمه طوال الوقت، منذ أن يستيقظ إلى أن ينام، هذا هو الإشكال في نظري فالمرأة العاملة لا تستطيع ترك عملها، إلا في إجازة الولادة، والتي لا تتجاوز الثلاثة شهور، ويصير مُحتما عليها أن تترك ابنها مع امرأة غيرها قد يألفها أكثر من أمه، أو قد تتركه في الحَضانة بالساعات، ولا علم لها كيف يتصرفون معه، والأم الأكثر حظًا هي من تترك أبناءها مع إحدى جداته، لكن في كل هاته الحالات لا أحد يعوض دفء الأم وحنانها.

نعم أنا أشجع المرأة على العمل، لتكون أكثر إنتاجية وأكثر استعدادًا لمواجهة مُستقبل غامض، لكن لا أقبل أبدًا أن يكون هذا على حساب صحة أبنائها أو نفسيتهم، لأنها بهذا تُنشئ لنا جيلًا مهزوزًا مليئًا بالأمراض النفسية.

في الأخير الحياة هي مجموعة من القرارات الناتجة من اختبارات حقيقة، وهذه واحدة من أهم الاختبارات التي يصعب على كل امرأة أن تقرر بشأنها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد