كيف تتعايش معًا إرادة بناء المواطن السليم القادر على صناعة الوطن الذي نحلم به في شكل رقيه، وحقيقة وضع سياسي لا أثر فيه لرغبة في الاستثمار في المواطن نفسه؟ ماذا ننتظر كمنتج من شبابنا الطموح ونحن نضعه في عالم من المتناقضات التي لا قبل له بفك طلاسم مغزاها؟ أين يكمن الحقّ والزيف في عالم عربي بات منفصمًا في فكره وقيمه؟ بل هل خصّصنا في ظل إنشغالنا بصراعات صنعت لنا وقتًا للتفكير على الأقل في شكل الإنسان العربي الذي نريده للمستقبل، أم أن زمن التّفكير توقّف ليعوضه زمن الرصاص والسباب؟

الكل منّا يتعلم منذ طفولته أن الناس سواسية، وأن وطنه من أجمل بلدان الأرض التي يعتبر الانتماء إليها من النعم الإلهية، ثم يكتشف مع السنوات أن العالم عوالم تصنف فيها الدول وفق قدراتها الحقيقية، وأن خمسة شعوب فقط تملك حق النقض في منصة الاتحاد العالمي.

يدرسوننا تاريخ مجد وعزّة، الوحدة فيها والعدل شكلا حضارة. نمدح عدل عمر و شجاعة علي وحكمة ابن الوليد الحربية، ثم نلاحظ أننا نعيش واقع فرقة حقيقي لا يكاد يعيش فيه الجارين في سلام، بل من الواجب الوطني أن نتخذ المواقف التي تعزز تفرقتنا، بدلًا عن الجنوح لتكامل ندرك تمامًا أنه المصلحة الحقيقية للشعوب.

نردد بفخر ونحن صغار كلمات أناشيد وطنية تعج بالمدح لأوطان فيها كل الخصال الحميدة، ونمضي بقية حياة في صراع نفسي للبحث عن بواقي هذه الخصال ونحن لا نرى منها غير النقيض، فتسقط الكلمات من قلوبنا مع الزمن ووحده اللحن يبقى على أمل أن تذكرنا به دموع من تحملهم المصادفة والمجهود الشخصي لمنصات الذهب الرياضي.

يلقننا المجتمع أن الدائن منبوذ، والدين أن الربى من أم الكبائر، ثم نفهم أن بلداننا باسمنا غارقة في كم من الديون تجعلنا عبيدا لمقرضينا للأبد. و الأعظم أن قروض الإستهلاك العادية التي يقبل عليها المواطن من ضيق الحياة تظهر سكنا أو خدمة بينما قروض الوطن لا نكاد نرى منها شيئا على الأرض.

ندرس تاريخنا الحديث الذي يُمدح فيه مقاوم الإستعمار الإمبريالي ويُلعن فيه كل خائن ساعده في تثبيت أقدامه في وطننا الحر، ثم نفهم أن الإمبريالية لم تغادر العالم يوما، وأنه لازال يقاد بعقول تعبث بواقعه وتستعمر الغير ولو عن بعد، وبالقليل من الصدق مع الذات سنجد أنفسنا في وضع من يساعده على اغتصاب إرادتنا، على الأقل من خلال خضوعنا وتواطؤنا الصامت في أقل حالاته.

إلى أين نتجه؟ السؤال يستحق التوقف قليلا لوضعه بصدق على أنفسنا. نحن بالقطع في المسار الخاطئ مهما اشتدت ذرائع من يصنع القرار. نتجه نحو مواجهات عربية عربية ستنهي القليل من الود الذي احتفظت بها الشعوب لبعضها البعض من قبل سايكس – بيكو. نتجه نحو حروب قررها الغير لنا، وارتمينا نحن لتنفيذها، دون أن نرى الحقيقة الجلية أننا نحارب لأجل آخرين لا يحملون لنا أي قدر من الود. ماذا حصل عندما دخل هولاكو بغداد؟ وما وقع بعد سقوط أحفاد عثمان عن عرش إمبراطوريتهم؟ وكيف سلمتنا انجلترا وفرنسا لحضن المارد الجديد؟ كيف ضاعت الأرض واغتصبت أمام عيوننا؟ كيف تحولت أمة الأذان الواحد إلى أراض تفصل بينها الحدود والعداء؟ من المستفيد من تحول أراضينا لساحة مواجهات دموية عالمية يختلط فيها المال بالدم وخاسرها الوحيد نحن فقط؟ كيف تحول الحلم العربي لكابوس عالمي؟ والأهم من ذلك كله: هل يستحق شبابنا هذا الواقع الذي لا يستشرف في ظله مستقبل مشرق مهما بلغت درجات تفاؤل قلوبنا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد