سئمنا من تشتتنا وكل الناس تتكتل، يبدو أن الشاعر المصري هشام الجخ لم يكن يدري أن الشتات الذي تحدث عنه في قصيدته الشهيرة التأشيرة، والذي كان يتمثل في مجرد قطع العلاقات أو غلق الحدود، أو السب والشتم في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، سيؤول بعد بضع سنوات إلى شتات من نوع آخر أكثر حدة وكراهية، شتات عنوانه الأول الركام الذي عم المدن العربية، ومؤامرات واتفاقيات إبادة لبعضنا البعض، وأرواح تزهق ليل نهار حتى أصبح عدها أقرب إلى المستحيل، شتات لم تعد في القضية الفلسطينية أولويتنا لأن كل مدينة عربية اليوم هي غزة وكل بلد عربي هو فلسطين، فعلى من سنبكي على سوريا أم اليمن أم العراق أم ليبيا أم أم أم…، وعلى من سنلقي اللوم على أنفسنا الضعيفة والمنافقة، أم على الغربي الذي استغل جهلنا وسذاجتنا ليجعل منا قتلة لبعضنا. كيف لا؟ وهو اليوم لم يعد يكلف نفسه عناء القدوم لأراضينا واجتياحها، بل أصبحنا دمى يحركها عن بعد، مستغلًا حب ساستنا لكرسي زائل، وطائفيتنا التي لا تزال لحد الساعة سببًا في انقسامنا.

تعترينا الدهشة حين نرى حالنا، ونقوم بنقد ذاتي لواقعنا، أنكبر على أمتنا أربعًا؟ أم أن الوقت ما زال مبكرًا؟ أسيعود مجدنا كما درسونا في كتب التاريخ؟ أم أنها أضغاث أحلام لا طائل منها؟ 

لست خبيرًا بالتاريخ لكني أعتقد أنه منذ تأسيس الدولة المحمدية إلى يوم الناس هذا، لم يصل المسلمون عامة والعرب خاصة إلى واقع مرير ومستقبل ضبابي كما نعيش اليوم، أصبحنا عبيدًا في أرضنا، وغرباء بين أهلنا، كيف لا؟ ونحن نمر  بغيبوبة وموت سريري، لا ندري أسنستفيق منها أم حالتنا ميؤوس منها، إلى  متى سنظل هكذا، أكبر رد فعل لنا تنديد وبيان استنكار، متى سنتوقف عن قتل الأطفال؟ متى ستستيقظ الإنسانية فينا، ونحيي ديننا ونثبت للعالم أنه دين حياة لا دين موت وإرهاب، متى سنكف عن طأطأة الرؤوس لغرب كان بالأمس القريب يرجو رحمتنا ويطلب رضانا، متى ستكون لنا نهضة اقتصادية وتربوية واجتماعية وفكرية…، متى سنمسح دموع أمتنا ونوقف نزيفها متى سنخط بقلم الحرية تاريخنا، متى يتوقف الكابوس عن إزعاجنا، متى نرفع راياتنا متى متى؟

لكن أول خطوات يجب أن تنفذ للخروج بأمتنا الجريحة من القاع هو أن نقتنع أولًا أننا لسنا أمة هجينة ولا حديثة النشأة بل جذورنا ضاربة في عمق التاريخ، تاريخنا الذي يجب أن نعيه جيدًا ونعيد دراسته ونقف على سلبياته وإيجابياته، حتى ندرك السبب الجوهري لوصولنا لهذه الحالة، لأن ما نعيشه اليوم ليس إلا تراكمات الماضي ونتائج خيبات تتالت، أما الخطوة الثانية فهي أن نعي جيدًا أن التغير لا يكون بتخريب أوطاننا وتقسيمها، بل إن التغيير الحقيقي هو الذي يبدأ من أسفل الهرم لا من أعلاه، والبدء أولًا بصناعة نشء صالح، بعيدًا عن المحسوبية والفساد، ولا يعرف للبيروقراطية طريقًا، جيل ينأى بنفسه عن المصالح الذاتية والشخصية، جيل يؤمن يقينًا أنه لابد أن تتصدر مصلحة الوطن الواحد الذي يجمع كل الأطياف والأقليات كل المصالح التي إن أوليناها اهتمامًا حتمًا ستؤول أوطاننا للخراب والدمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد