تاريخ الشعوب العربية الحديث حافل بالأحداث التاريخية المتناقضة والمليئة بالصور القاتمة والمحزنة والمؤلمة في نفس الوقت. يتفنن العرب في صناعة الطغاة وتلك سمة لا يتميز بها سِوى شعوبنا العربية المكلومة. تلعب البيئة والعوامل الثقافية المتشابكة، والإعلام العربي غير الموفق، وكذلك بعض الكتًابَ الذين باعوا ضمائرهم مقابل حفنة من المال المدنس دورًا مهمًا في صناعة الفراعنة في الوطن العربي، وهذا واضح للقاصي والداني. لا نعرف لماذا ما زالت الحركات السلفية تمجد بعض الأنظمة الملكية وتصدر الفتاوى غير الموفقة، بينما لا يزال الكثير من أصحاب اليسار والفكر العلماني والليبرالي يؤيدون الأنظمة العسكرية القمعية نكاية بالإسلاميين. لذلك، لا فرق بين رجل دين متشدد وصاحب فكر ليبرالي حاقد، فكلاهما وجهان لعملة واحدة. مما يؤلم أن هؤلاء انقلبوا على مبادئ ثورات الربيع العربي وهم كانوا جزءًا منها.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا – لماذا  لا يزال بعض مثقفي الوطن العربي يخفون الحقيقة، ويحاولون تزييف الحقائق والوقائع على الأرض، ويمجدون الطغاة، على حساب الشعوب العربية المقهورة؟ والإجابة هو أنه عندما تضيع القيم، والمبادئ الإنسانية النبيلة ويتخلى الإنسان عن قول الحقيقة، فهنا يقع المثقف في فخ المصالح ويتحول إلى بوق يشهد الزور ويزيف الحقائق، وهذا هو حال وواقع بعض كُتاب ومثقفي الوطن العربي اليوم. لا بد من تذكير هؤلاء بأنه عندما كان مثقفو الاتحاد السوفيتي يخفون الحقائق في القرن الماضي، رأينا الانهيار المدوي لهذا الاتحاد. نفس السيناريو يتكرر اليوم في الوطن العربي.

أصبح بعض مثقفي الوطن العربي جزءًا من المشكلة ويتفننون في صناعة الطغاة. كما أن العوامل الدينية والأحاديث المغلوطة التي لا تمت إلى الدين بصلة لعبتا دورًا سيئًا في صناعة الظلمة في وطننا العربي على مدى العقود الماضية وحتى يومنا هذا. علاوة على ذلك، لعبت العادات والتقاليد القبلية، وأيضًا الأفكار العنصرية التي ما زالت تخيم على عقول بعض الطبقات في مجتمعنا العربي دورًا لا يستهان به في صناعة الطغاة.

ومما يحزن القلب ويبعث على الحسرة، هو الجهل المتفشي في أوساط مجتمعاتنا العربية، فمن خلال هذه الظاهرة القاتلة يستطيع الظلمة تمرير سياساتهم وجرائمهم غير الأخلاقية مستخدمين سياسة تجهيل المجتمع وإغراقه في التفكير الخرافي، كما تفعل جماعة الحوثي في اليمن، وحزب الله في لبنان، وبعض الحركات السلفية والصوفية اللتين تدعمان الأنظمة الملكية التقليدية والعسكرية الفاشية.

ولذلك، لا بد على المثقف العربي الحقيقي أن يقف إلى جانب الشعوب مهما كانت العواقب، وأن لا ينجر وراء أوهام الظلمة، وإن كان هؤلاء لديهم قدر أكبر من الأنصار. فالحق ليس بالكثرة، ولكن بالمواقف والقيم النبيلة التي يؤمن بها صاحبها. نورد في هذا المقال على عجالة، هذا المثل الشعبي الذي يقول «بين إخوتك مخطئ ولا وحدك مصيب». هذا المثل يعزز الاستمرار في ارتكاب الجريمة بصورة جماعية. ألم تكن قريش مخطئة عندما كانت تعبد الأصنام؟ ولكن عارض الرسول محمد هؤلاء وخرافاتهم وكان يعرف أنّه على حق، ولذلك استمر في دعوته، ولم يقل بين إخوتك مخطئ ولا وحدك مصيب، وكانت النتيجة لصالح دعوته لأنه على حق وأهله وعشيرته على باطل.

إذن، لا بد من محاربة الجهل، والعادات والتقاليد السيئة والأفكار الخرافية القائمة على تمجيد الظلمة، ومن ثم سيتسنى للشعوب العربية الخروج من هذا النفق المظلم، وإذا لم يتحرك مثقفو الأمة العربية لمواجهة الخرافات والجهل والعادات والتقاليد السيئة، فسيستمر الطغاة في القمع وظلم الشعوب. نحن بحاجة إلى ثورة فكرية ووعي مجتمعي قبل تغيير الأنظمة بقوة الحديد والنار. هكذا نعتقد. حفظ الله شعوبنا العربية من كيد الأشرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد