نهاية سنة 2010  وبداية سنة2011  يعتبر حدثا زمنيا قادحا في حركة التاريخ، فمنذ أن أشعل “الشاب محمد البوعزيزي” نفسه بمحافظة “سيدي بوزيد” بتونس، انطلقت موجة شعبية كبرى تصدرها الشباب، الشباب الذي خرج في شارع “الثورة” في تونس هو نفسه شباب ميدان “التحرير” في مصر وشوارع “مصراطة” و”بنغازي” وباقي ميادين ليبيا و”تعز” و”ساحة التغيير” بصنعاء، وهو الشباب ذاته الذي يخوض معارك وطيسة ضد العالم اليوم في سوريا.

كان سقف الأحلام مرتفع جدا، وحجم المطالب عميق للغاية، فمن إسقاط النظام إلى بناء الدولة وافتكاك معركة المواطنة والكرامة الإنسانية والديمقراطية إلى فلسطين والقدس أينما كانت بوصلتهم موجهة دائما.

لكن سرعان ما انطفأت هذه الشمعة مع بروز عدة عوامل جعلت من دور الشباب وهما في البلاد، وأحلامهم مجرد سراب تذروه الرياح، فبعد خمس سنوات من إرادة التغيير، يجد الشباب العربي نفسه اليوم في دور المفعول به أو المحاصر أو المسجون أو اللاجئ هاربا من السجن، فما حصل من حركات ردة على إرادتهم جعل منهم يتراجعون للوراء، وخاصة بعد انقلاب “السيسي” وصواريخ “الأسد” وروسيا وإيران وأمريكا والتحالف الدولي التي وُجّهت صوبهم، مرورا بما يفعله “علي عبد الله صالح” وجيش “الحوثي” في اليمن و”خليفة حفتر” في ليبيا، ورجل تسعيني في تونس يحكم البلاد، دون نسيان طبعا عصابة “البغدادي” ودورها في وأد ثورة الشباب.

كل هذا كان مؤثرا على ما حصل للشباب ولبلدان الربيع العربي عموما، والتي تعاني أكثر مما كانت عليه؛ بسبب مأزق الثورة المضادة ونخب لم تفهم بعد إرادة شعوبها، وساسة في قطيعة تامة مع تأملات الناس وانتظاراتهم، فصار دوران عجلة الشباب وتجديد روحه أمرا ضروريا، بل مفصليا للنهوض بهذه البلدان وافتكاك مكانهم، لكن السؤال كيف ذلك؟

أولا، علينا أن نقر جميعا أن الساحة السياسية والفكرية والثقافية تشهد فراغا كبيرا، وهذا الفراغ هو المكان الطبيعي لهؤلاء، المشكل الحقيقي لدى الشباب عموما يمثل في المبادرة أو غياب روح المبادرة، عليهم أن يفهموا اللحظة، وأن يؤسسوا أفكارهم وينتجوا أعمالهم دون انتظار من فاته القطار أن يفعل ذلك، ننتظر من الشباب أن ينتظم ويخوض معركته مع الأجيال السابقة، وأن يبتعد عن المعارك الوهمية.

ومن أهم المعارك الوهمية التي طفحت على الساحة إثر الثورات، “زيف الإيديولوجيا”، ذلك الصراع الوهمي الذي قسم الشباب الذين وحدهم الاستبداد في الذود عنه، ولم تقدر الثورة على استيعابهم، من نظرة شخصية لا أعتقد أن معركة الأيديولوجيا أمرا يمس من هوية الناس والبلاد، فالدين عند هؤلاء الناس ولغتهم محفوظة منذ آلاف السنين دون أن يُطرح هذا العائق أبدا، ولذلك فمن يريد التغيير عليه أن يؤسس مرجعية تجمعه بغيره؛ كي يقدر على الانتساب معه إلى نفس الهدف والطريق، وهو ما يحتاجه الشباب الآن، مرجعية تكون أصلها الثورة والحرية والعدالة الاجتماعية، وضدها الاستبداد والظلم والديكتاتورية.

ثانيا: على الجميع أن يعتقد أن هذه مرحلته “هو” في التغيير، لا مرحلة غيره، كائنا من كان، فالحركات الإسلامية والشيوعية والليبرالية واليسارية قد قضت منهم قيادتهم لبلدانهم هذه السنوات وطرا، انتهى دورهم، فهو زمان “المابعد” والذي تخاض فيه المعارك بأساليب جديدة رهينة اللحظة، لا بأساليب وخطابات وأطر كلاسيكية لم تغير شيئا منذ عقود، وهو ما يحتم على الشباب إنتاج آليات جديدة لأية لحظة جديدة؛ لأن التاريخ لا يعيد نفسه، إلا في شكل مهزلة كما قال “ماركس”.

أخيرا: على شباب التغيير كما سميته أن يأخذ بزمام الأمر، وأن يخوض فعليا معركة البناء بعدما خاض سنوات عجاف في المطلبية، ويفتك مكانه في المشهد والساحة السياسية والفكرية والثقافية والأدبية، بعيدا عما تقوم به دول أخرى من “فلكلور” واستعراض في تنصيب شبابها كوزراء، وهي دول لا تعترف بالديمقراطية أصلا.

المستقبل لهذا الجيل، “جيل المسحوقين” بلفظ الشيوعيين، وجيل “التنوير” بشعار اليساريين، وجيل “النصر المنشود” بعبارة الإسلاميين، فهم من كابدوا وعانوا ورفضوا وماتوا وأسقطوا حكاما لم يتوقع أحد سقوطهم، لكن من يريد ويفعل سيحصد النتائج، وهذا ما ينقص الآن: “الإرادة” و”الفعل”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد