بين الفاشية الأصيلة في التاريخ الأمريكي وتطلعات الجيل الجديد

سذاجة أن نتجاهل نجاحات الدولة الغربية الحديثة على مستويات عدة، وسذاجة أيضًا أن نتجاهل كبواتها لصالح إعجابنا الكبير بما قدم الغرب للحضارة الإنسانية في القرون الثلاثة الماضية.

ينطبق طبعًا هذا الكلام على دول أخرى في الشرق وأنحاء العالم، لكن الغرب، دون منازع، هو رحم ومهد المفاهيم الرافعة للدولة الحديثة التي نتطلع إليها في باقي أنحاء العالم، من ضمنها مفاهيم المواطنة والمدنية وغيرها من المنطلقات الحاملة لمشروع الدولة الحديثة، وحتى المشروعين الاشتراكي والشيوعي.

ومن ناحية أخرى، فقد تربعت الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ الحرب العالمية الثانية، في سدة العالم والغرب، فارضة زعامتها.

واليوم، أصبح ضروريًّا أن ندرك أننا في طريقنا إلى عالم متعدد الأقطاب مرة أخرى، ما قد يعطينا فرصة للحاق بركب الحضارة والنهضة بمشاريعنا، لكن ذلك يتطلب منا أن نرسي قواعد هذه المشاريع عبر مخاطبة المفاهيم الحاملة لها.

في هذا السياق، مهم جدًّا، ألا نستورد الرؤى استيرادًا كما هي، وأن نخاطب هذه المفاهيم في إطار تحرري وطني ينطلق من واقعنا الذي نعيشه، نحو الأهداف التي نسعى إليها.

تعدد الأقطاب يخدمنا اليوم، لكن علينا أن نتقدم بحذر ووعي، حتى لا نكرر الأخطاء ذاتها التي فعلها غيرنا.

من أهم هذه الأخطاء، أننا نتلهف إلى النموذج الأمريكي الذي يشبعنا تراهة في أفلامه، ومسلسلاته، وإعلامه، وأدبه عن الحلم الأمريكي والحرية الليبرالية، وما يأتي مع كل ذلك من تبجح أمريكي، يدفع به ليبرر غزوه العراق، ولبنان، والفيتنام وغيرها من الدول، بأنه يتفضل على العالم بتحريره وتحويله للديمقراطية.

فما يزال الغرب، وعلى رأسه أمريكا، يحاكم العالم من علياء، بينما يشبعنا ليبراليوه ونيوليبراليوه بأوهام التفوق الأخلاقي، ويصفق النادبون والرادحون والخونة لهم في كل حين.

البرج الأمريكي العاجي

الحقيقة هي أن دخول الأمريكان في الحرب العالمية الثانية، والانتصار الذي تحقق فيها حملهم حقًّا إلى قمة المدافعين عن الحرية بثوبها الليبرالي، في عيون الناس على الأقل، ما خدم الرواية السياسية والأخلاقية الليبرالية بقوة.

ولما كان هذا الانتصار لحظة مصيرية ومفصلية في المشروع الثقافي الأمريكي؛ فقد وصل أوجه في وطيس الحرب الباردة مع القطب السوفيتي.

واليوم، لولا وصول الرئيس الأمريكي ترامب إلى سدة الحكم، لما اهتزت صورة أمريكا بوصفها المدافع الأول عن حقوق الإنسان، وهو ما لم يكن ليحكيه التاريخ ولا الواقع لولا تمكن البيت الأبيض وأدواته وحلفه من الرواية الإعلامية والسياسية.

أمريكا والحرب العالمية الثانية

ليس سرًّا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن معنية بالمشاركة في الحرب لولا ضربة «بيرل هاربور» المشؤومة.

بل إن التيارات الفاشية والنازية في أمريكا كانت نشيطة في ثلاثينيات القرن العشرين، بشهادة الماجور جنرال الأمريكي سميدلي بتلر عام 1934، في «لجنة الممارسات غير الأمريكية»، وقد كانت هذه التيارات في لحظة ما رتبت لانقلاب بقيادة رجال أعمال أمريكان مناصرين للنازية.

في شتى أنحاء العالم، شهد النصف الأول من القرن الماضي صعود التيارات الفاشية بأطيافها، بقيادة الفاشيتين الإيطالية والألمانية.

أما عبر المحيط الأطلسي، على الضفة الأخرى من «البحيرة»، كما يسميها البريطان، فقد رافق صعود الفاشية الأوروبية نهوض التيار الفاشي الأمريكي بقطبيه؛ الفيلق الفضي (أو الـ«سيلفر ليجون»)، ومؤسسه ويليام دادلي بيلي، والاتحاد الأمريكي الألماني.

واليوم، رغم أن التيارات الفاشية في أمريكا فقدت جزءًا كبيرًا من شعبيتها في العقود الوسطى من القرن الماضي، فإن اليمين المتطرف ذي النزعة الدينية والإثنية لم ينحسر إلى يومنا هذا.

فما تزال الجموع الأمريكية المسيحية البيضاء المهمشة تتكلم بلسان العنصرية العرقية الدينية، وهي التي أتت بدونالد ترامب إلى سدة الحكم.

أمريكا والفاشية بعد الحرب

علاوة على ذلك، فإن هذا التيار المسيحي البروتستانتي الصهيوني هو أحد أعتى التيارات الفاشية وأقدمها في أمريكا، متمثلة بدعمها عبر العقود للكيان الصهيوني والاستعمار الأوروبي في جنوب أفريقيا وقوى الكونترا في أمريكا الجنوبية، ناهيك عن دعمها الفاشية الإسلامية، مثل تنظيم القاعدة، وطالبان في أفغانستان، وقوى كثيرة في أنحاء العالم العربي وآسيا وأفريقيا.

في أواخر السبعينات، مثلًا، دعم الأمريكان الثوار الإيرانيين الإسلاميين لضرب التيارات الاشتراكية والشيوعية في إيران، بالضبط كما دعموا الإسلاميين الوهابيين في أفغانستان، وفي الحالتين انقلب السحر على الساحر.

منذ عام 1948، ما يزال الأمريكان من أوائل المدافعين عن الكيان الصهيوني، وهو كيان احتلالي إحلالي ديني عرقي؛ قمة الفاشية.

وفي ما يخص جنوب أفريقيا، فقد كتب الباحث لويس شينوني في مجلة الدراسات الأفريقية المعاصرة عام 2018 بإسهاب عن العلاقات الأمريكية مع نظام الفصل العنصري الاستعماري (الأبارتايد) في الجنوب الأفريقي عبر السنوات 1948- 1994، موضحًا أن المقاربة الأمريكية كانت داعمة للسلطة العنصرية العرقية في جنوبي القارة الأفريقية.

ويجدر التنويه إلى أن قوات الأبارتايد العنصرية كانت قد تدخلت بالقوة في أنغولا ونامبيا باستخدام مقرف للعنف ضد الأفريقيين، ما انعكس سلبًا على علاقاتها مع دول العالم، باستثناء تلك الدول ذات النزعات الفاشية حينئذ، كتشيلي – التي كانت حليفة الولايات الأمريكية في حينه– وأمريكا والكيان الصهيوني الذي كان يحتفي بعلاقات وطيدة مع السلطات العنصرية هناك.

أمريكا والكيان الصهيوني والأبارتايد

في الخمسينيات والستينيات، حاول الكيان الصهيوني أن يظهر بصورة المعادي للفصل العنصري، لكنه لم ينجح في بناء هذه الصورة في أعين الأفارقة، بالذات بعد حرب عام 1967.

وحتى أوّل السبعينيات، حاول الصهاينة التقرب من الحراكات التحررية الأفريقية لكن معظمها رد التبرعات الصهيونية وقد ظهر الكيان للجموع الأفريقية المحتلة بمظهره الاستعماري الفاشي الحقيقي.

حسب الباحث والصحفي الأمريكي ساشا بولاكو- سورانسكي في مادته المنشورة عام 2010 بعنوان «التحالف غير المعلن: علاقة إسرائيل السرية مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا» فقد كانت «إسرائيل وجنوب أفريقيا منخرطتين في صراع من أجل الوجود… (فـ) القوى المناهضة للغرب دفعت بإسرائيل وجنوب أفريقيا إلى الإجماع على المصالح المشتركة». هذا ما نقله على لسان إحدى الصحف المحسوبة على نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في أول السبعينيات، حسب ما كتب.

وفعلًا، وصلت العلاقات أوجها بين الاحتلالين في منتصف السبعينيات، تجاريًّا، صناعيًّا وعسكريًّا، ليس ابتداء من سكة الحديد في جنوب أفريقيا وليس انتهاء بالأسلحة البيولوجية والتعاون والتنسيق العسكري.

عام 1987، كتب ثوماس فريدمان مقالة مهمة عن العلاقات التجارية العسكرية التي ربطت الكيان الصهيوني مع الأبارتايد، بعنوان «إسرائيل تعيد النظر في تزويد جنوب أفريقيا بالسلاح».

وفي السنة نفسها، نشر بروفيسور علم النفس بنيامين بيت- حلحامي كتابًا يؤكد علاقة الكيان الصهيوني بالأبارتايد، عنوانه «العلاقة الإسرائيلية: من تسلّح إسرائيل ولماذا»، وهو ما قد أكده الباحثان ستيفين بورجيس وهيلين بوركيت عام 2005 في دراسة نشرتها دار نشر جامعة إنديانا الأمريكية، بعنوان «أسلحة الدمار الشامل في جنوب أفريقيا».

كما وليست صدفة أن جيشا الاحتلال الصهيوني والأبراتايد سميا بـ«جيش الدفاع».

أما أمريكا، فقد اتّبع اثنان من رؤسائها، نيكسون وكيسينجر، مقاربة «طفل القطران» للمحافظة على علاقات إيجابية وقوية مع سلطات الأقلية العنصرية البيضاء في جنوب أفريقيا. وحسب آرون دودال، في دراسته «ولادة وموت طفل القطران» عام 2009، فقد رأى الأمريكان فرصًا اقتصادية كبيرة في العلاقات مع الأبارتايد في الجنوب الأفريقي.

عليه، فقد ظل التقارب فاعلًا بين الولايات المتحدة الأمريكية والأبارتايد حتى عام 1986، عندما ضغط الكونجرس على الحكومة الأمريكية لترك مسافة ما بينهما.

بعدها، عندما لم يجد الأبارتايد من يسلحه في بريطانيا وأمريكا، عمل على توطيد علاقاته مع فرنسا والكيان الصهيوني، وهو ما لم يدم طويلًا حتى انهار الأبارتايد عام 1994.

وهم الحرية الأمريكية

هذا بالنسبة للموقف الأمريكي من الفاشية والصهيونية؛ أما الداخل الأمريكي، فلم يعرف الأمريكان المساواة في القانون والممارسة إلا حديثًا.

تاريخيًّا، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تقوم عمليًّا على الأسس نفسها التي يقوم اليوم عليها الكيان الصهيوني، وقد عمل المستعمر الأوروبي على إحلال مهاجريه محل السكان الأصلييين ومصادرة أراضيهم وإبادتهم حتى لم يتبقّ منهم الكثير اليوم.

في أمريكا، وما يزال السكان الأصليون حتى الآن يعيشون نوعًا من الفصل عن المجتمع الأمريكي في محميات مخصصة.

وطبعًا، لا أحد يتناسى استعباد الأوروبيين المستعمرين في أمريكا للأفارقة وتجارة الرقيق.

منذ عام 1935 إلى اليوم، رصد مركز شومبيرغ في أمريكا، المتمركز في هارلم، أكثر من مائة حالة تعنيف عرقي جماعي ضد السود، وقد شارك رجال الشرطة في معظم هذه الحوادث.

وجب التنويه أيضًا إلى أن حركة الحقوق المدنية في أمريكا، في الستينيات، لم يمر على انتصارها قرن بعد، حتى ننساها.

بل إن الجهود لمكافحة الفصل العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية لم تبدأ حتى عام 1968 بقانون السكن العادل، والذي تبعه مشروع إعادة الاستثمار المجتمعي عام 1977 الذي أجبر البنوك على تبني معايير الإقراض نفسها للأمريكي من أصول أفريقية.

إن كان ذلك يعني شيئًا، فإنه يعني أن الدولة الفدرالية الأمريكية لم تبدأ في مناهضتها الجادة للعنصرية العرقية على الجبهة الداخلية حتى منتصف السبعينيات، والطريق الطويلة هذه امتدت عبر عقود. فبأي السياط تلذع وتدعي أن دفاعها عن الحرية؟!

حتى مؤخرًا، فقد رصدت دراسة آشلي ساوثال في قطاع الزراعة عشرات الآلاف من المعاملات المقصاة جانبًا بدوافع عرقية عنصرية في أمريكا.

أكثر من حادثة حصلت في السنوات الأخيرة، قمع فيها رجال الشرطة الأمريكان متظاهرين من السكان الأصليين المعترضين على مرور خط النفط بأراضيهم، ناهيك عن حالات العنف الممنهج ضد السود.

اما من ناحية حريات النساء، فقد رصدت دراسات عدة في السنوات السابقة أكثر من مائتي ألف زواج قاصرة أمريكية. فلمَ نتشدق بعدُ بالأمريكان وحريتهم؟ لماذا يخاطبوننا من علياء ونحن نركع ونصفق لهم؟

كل هذا ونحن لم نتحدث بعد عن ضحايا الاحتلال الأمريكي في الفيتنام وآسيا عموما وأمريكا الجنوبية، ولا حتى العراق، ولا عن المشروع النيوليبرالي الأمريكي البريطاني.

أتعلمون يا سادة أن عالم الإنترنت يخلو تقريبًا من الصفحات في اللغة العربية التي تتكلم عن الفاشية الأمريكية وتاريخها، والعلاقة بين الولايات المتحدة والنازية؟

ألم يتساءل أحد قبلي من الشباب عن هذا التاريخ؟! مقلق هذا الرضوخ الحضاري والثقافي للوحش الأمريكي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد