مقدمة

واقع مرير ذلك الذي يعيشه الشباب في كثير من المجتمعات العربية، لابد من الاعتراف بذلك؛ إذ يكفي دليلا على ذلك أن الشباب في هذه المجتمعات يترك ليشكل حسب ما ترسمه ظروفه وبيئته المحيطة به، والمتفاوتة في جميع المجالات وعلى كافة الأصعدة: فهذا الجانب الفكري تتنازعه التيارات، وتكتنفه الحيرة وهو يتابع تلك الصراعات الدائرة في كافة جنبات الوطن الفكرية، وهو بعد لم يتسلح بمنطق يهديه، أو خبرة تعصمه، وهو كذلك لم يشف بعد من صراعه المرير مع تغيراته الفسيولوجية، إبان مرحلة النضج الجنسي، وحتى اكتمال تلك الفترة العصيبة.

ليس ذلك على الجانب الفكري فقط، وإنما هي توترات دينية، واقتصادية، واجتماعية، وسياسية، مع قوة نافرة تعاني ـ على الأغلب ـ من سلطة أبوية أخطأت في كثير من الأحيان فهم مصطلحات كالقوامة، والولاية، والوصاية… إلخ فهما صحيحا يتوافق مع متغيرات من يقع وصفهم تحت تلك المصطلحات، ومع اختلاف طبيعة كل فرد عن الآخر.

الأدهى أن ذلك كله يكون في غيبة شبه تامة ـ غالبا ـ من توجيه أجهزة الدولة وهيآتها، وإرشاد تقوم به مؤسسات المجتمع المدني وجمعياته، إلا من حضور شكلي أو روتيني، وتمثيل مظهري يحتفل بتسديد الخانات، وملء البيانات أكثر مما يحتفي بسبر أغوار الشباب، والنفاذ إلى حقيقة مشكلاتهم، وطبيعة مرحلتهم العمرية الخاصة والحرجة جدا.

هذه الورقات إنما خصصت لتسليط الضوء على جملة نقاط تتعلق بواقع الشباب في مجتمعاتنا العربية، ومحاولة الإجابة عن أسئلة طالما طرحت كلما ذكرت مشكلة الشباب في العالم العربي، وهي:

1. ما هي مرحلة الشباب، وأهميتها، وما هي حقوق ومسئولية الشباب؟

2. ولماذا الشباب على وجه التحديد؟

3. وما هي طبيعة ذلك الدور المنوط بهم في بناء المجتمع ونهضته؟ وكذلك دورهم في مختلف مجالات الحراك المجتمعي: السياسية والاقتصادية والعمل التطوعي…إلخ؟

4. ثم ما هي خطورة إبعاد الشباب وتغييبهم عن قضايا أمتهم، وعلاقة ذلك الإبعاد بالانحراف الذي قد يحدث لهم، ومدى خطورته؟

5. وكذلك ما هو الدور الذي يمثله الشباب في دفع عملية النهضة العربية للأمام، وإحداث التغيير والإصلاح؟

يتعامل ذلك البحث بمنهج تحليلي مع هذه الأسئلة، مستقرئا واقعا معاشا، وآلاما وآمالا يراها رائدو المجتمعات، وإن لم تجد لها صدى حقيقيا حتى الآن في رؤية من يستطيع توجيه الدفة نحو الخيار الأمثل في التعامل مع تلك القضايا، وقد نوقشت هذه الأسئلة في مقدمة وسبعة مطالب وخاتمة، وأخيرا قائمة المراجع، على النحو التالي:

  • · أهمية مرحلة الشباب.
  • · مسئولية الشباب.
  • · لماذا الشباب؟
  • · دور الشباب في بناء وتنمية المجتمع.
  • · دور الشباب في المشاركة السياسية والمجتمعية.
  • · مخاطر إبعاد الشباب عن قضايا أمتهم وانحرافهم.
  • · الشباب أساس التغيير والنهضة المرجوة للمجتمع.
  • · خاتمة تتضمن أهم نتائج البحث.
  • · قائمة المراجع.

أهمية مرحلة الشباب

«اتفق علماء الاجتماع على مجموعة من الخصائص التي تتسم بها الشخصية الشابة، من أهمها: خاصية الرفض والتمرد…[كما أنها] مفعمة بالتوتر والقلق وعدم الاستقرار والحساسية المفرطة لكل ما هو جديد…ويتسم الشباب بالرومانسية والخيال والإيمان بالمثل، إلى جانب الجرأة وحب المغامرة»[1]. ومن ثم نقول إنه لا يمكن أن تقاس حيوية أمة من الأمم، دون اعتبار الشباب معيارًا رئيسًا، وثابتًا أساسيًا لهذا المقياس. لا أعني بذلك نسبة وجود الشباب في مجتمع من المجتمعات، أو دولة من الدول، مع الأهمية البالغة لمراعاة تلك النسبة، ولكن أعني نسبة تأثير الشباب في مجتمعاتٍ ودولٍ تمثل صورة الفعل/الحراك الإنساني لهذه الأمم[2].

وذلك لأن نوازع التأثير العام، والرغبة في بذل الجهد من أجل غايات مثالية، بالإضافة إلى استبداد التصور القيمي، واستحواذه على جل دوافع العمل والتفاعل، مع ضعف الشعور بالأنا، أو بالأحرى عدم اكتماله، وتحري الرضا في أعين الآخرين، ومشاعر الامتنان، وسائر تلك العواطف الجياشة، إنما يكون في الشباب أوفر منه عند زوال قدم المرء عن تلك المرحلة العمرية، وضموره شيئًا فشيئًا مع تسرب سنوات العمر من بين أيدي الأفراد، وتنامي الإحساس بالندم على فائت الوقت، والأسف على قصور الفعل والتصرف.

وتلك المشاعر والعواطف إنما يستصحبها الإنسان معه إلى مرحلة شبابه مستبقيًا لها من مهد الطفولة والصبا، وإقدام اغتلامه وفتوته، حتى تضربه السنون بآفات من الحرص والبخل والجبن وغير ذلك مما يتنامى مع انسياب الأيام وزوال الوقت.

نعم، تعد هذه الفورة العاطفية لدى الشباب بالنسبة للأمة «الأمل والخطر في وقت واحد»[3]؛ إذ تحتاج في أحيان كثيرة إلى آلية ضابطة، وبوصلة موجهة، لئلا تتحول تلك العاطفة إلى جموح هادم متهور لنظم ومؤسسات المجتمعات والدول، تحت طغيان التصورات المثالية، والحراك الثوري الراغب في تقويض دعائم كل واقع لا يتماثل تمامًا مع تلك التصورات.

غير أن تلك المخاوف تبدو ضئيلة جدًا، إذا أخذ في الاعتبار أن هذه السمات هي اللبنة الأولى في تشييد آليات التجديد والتطوير، وربما التغيير أيضًا، فإنه لا يخفى على متقص لتاريخ حركات التغيير في العالم أجمع، فضلًا عن العالم العربي، أن الشباب هم رواد تلك الرؤى والمناهج والمذاهب التي يجمد عليها الكهول والشيوخ في أي زمان من الأزمان، وربما مع قليل من الثقة في الشباب، وتحملهم مسئولية قراراتهم تحملًا حقيقيًا؛ يتحقق للأمة نوع من الضبط الذاتي عند الشباب لتلك الفورة، وذلك الطغيان. وخير للأمم أن تخاطر بإقحام المغامرين عُباب السباق الأممي مع تهورهم، من أن تقنع بفذلكات المخلَّفين، وطنطات القاعدين عن مخاطر الخوض ومخاوف الغرق!

مسئولية الشباب

هناك «اختلافات عديدة حول تحديد المرحلة العمرية الشابة: فالبعض يحددها بأنها تقع بين الخامسة عشر والثلاثين؛ وذلك استنادًا إلى أنها المرحلة العمرية التي تظهر خلالها علامات النضج الفسيولوجي والاجتماعي»[4] وهناك غير ذلك من الأقوال، ولكن ربط هذه المرحلة بالنضج الفسيولوجي ابتداءً، وانتهاء بالنضج الاجتماعي، يجعل من هذه الفترة تتراوح في المبتدأ من الخامسة عشر إلى الثامنة عشر، وربما إلى ما بعد ذلك في مجتمعاتنا العربية؛ إذ النضج الفسيولوجي يحتاج إلى تمام الوعي به، وهو ما لا يتحقق ـ غالبًا ـ في المجتمعات العربية إلا بعد هذه السن بسنوات عدة. كما لابد من مراعاة تأخر النضج الاجتماعي في الكثير من المجتمعات العربية إلى ما بعد الثلاثين، ربما بخمس سنين؛ حتى ينتظم المرء ضمن أسرة وعمل.

تعد هذه المرحلة العمرية التحدي الحقيقي لكل أمة؛ فهم المرآة التي يمكن رؤية مستقبل الأمة من خلالها، ولذلك فهي مرآة غير مصقولة، وربما مكسورة محطمة، عند الأمم التي تغلب فيها الأنا على رجالاتها، أولئك الغوغاء الذين لم تستثمر الأمة شبابهم، فجاءت كهولتهم وشيخوختهم وبالًا على مستقبل الأمة، فنزعوا إلى حب الذات، والطمع في تحصيل المنفعة الخاصة، والأمل في الاستحواذ على كل شيء أطول فترة ممكنة.

ولذلك فإن مطلوب الأمة الوحيد من الشباب ـ فيما أرى ـ هو تقوية الهمة/الإرادة، بالتغلب على نازع الشهوة الجارف، ومن ثم تحمل المسئولية، وعلى الأمة في سبيل تحقيق ذلك إزالة كل العقبات، وتذليل الصعاب أمام الشباب، واعتبار ذلك واجبًا قوميًا، لا يقل أهمية عن حماية حدود الدول، والحفاظ على أمن المجتمعات، بل هذه الغاية أسمى من ذلك كله؛ إذ لا يتصور أن ينشأ جيل في سدة القيادة في كهولته وشيخوخته، ولا يعمل على إعداد خلفائه، ما لم يكن ذلك الجيل ربيب استعمار أجنبي، أو دخيلًا على جسم الأمة يهدف إلى تدمير مستقبلها، ولو كان ذلك الجيل الموسد له القيادة والريادة ربيب شيبة وطنية حرصت على تنشئته وإعداده لما فرط في إعداد من يخلفه[5].

لماذا الشباب؟

«يقول الشاعر الألماني جوته: إن مستقبل الأمم مرهون بطاقات عناصرها الفتية»[6]، ولهذا كانت أهمية الشباب، وضرورة العناية بهم عند الأمم التي تستشرف المستقبل، وتعمل على حجز مقاعد الصدارة لها فيه. فنراهم يطلقون في سبيل تحقيق ذلك يد الباحثين والمفكرين في دراسة «أهمية الشباب ودورهم في الحياة الاجتماعية… والبحث والتحليل لهذه الفئة بأبعادها الاجتماعية والنفسية والسياسية، ولا سيما في النصف الثاني من القرن المنصرم، كما بدأت مؤسسات ومنظمات دولية تولي المسألة الشبابية أهمية خاصة؛ إذ نظمت المؤتمرات والندوات والبحوث الميدانية، من أجل تحديد احتياجات هذه الشريحة الاجتماعية، والعمل على إيجاد الحلول المناسبة للمشكلات الشبابية، والتي أسهم في زيادة حدتها وتنوعها عصر التغيرات المتسارعة الذي زاد الفجوات الحضارية اتساعًا بين الدول المتقدمة وتلك التي هي في طور النمو»[7].

لاسيما في المجتمعات النامية، تحتاج تلك الأمم إلى الشباب أيما احتياج في متابعة عمليتي التحديث والتطوير اللازمتين لتحقيق النهضة ومواكبة متغيرات كل عصر، خصوصًا في زماننا هذا الذي يتخذ التغير فيه مسارات حادة، ويحتوي على طفرات نوعية تتخلل فترة حياة الجيل الواحد، ومن ثم تنشأ إشكالية التوفيق بين الأصالة والتحديث، أو بين منظومة القيم والعقائد والأعراف السائدة وبين سيل التغير الجارف والضروري لتحقيق تلك النهضة.

يقع العبء الأكبر من التوفيق بين هذا وذاك على الشباب، بين معايشة الثوابت القومية والدينية والإرث الحضاري، وبين ما تفرضه علينا معطيات العولمة والنظام العالمي الجديد، والمتغيرات التي تزخر بها المجتمعات؛ إذ هم «أهم حصون الدفاع عن ثوابت الأمة، وقيمها، وحقوقها، ومقومات وجودها، وشخصيتها، وتطلعاتها المشروعة، وللنهوض بها من خلال فعل شبابها الخلاق»[8].

دور الشباب في بناء وتنمية المجتمع

«برز مفهوم التنمية في بداية أمره في علم الاقتصاد، واستخدم للدلالة على عملية (إحداث مجموعة واسعة من المتغيرت الجذرية في مجتمع معين وبصورة تدريجية)؛ بهدف إكساب ذلك المجتمع القوة والقدرة على النمو والتطور الذاتي المتواصل بمعدل يضمن التحسن المستمر في نمط ونوعية الحياة لكل أفراد المجتمع؛ مما يزيد من تفاعل المجتمع مع أفراده، وتفاعل الأفراد مع البناء الاجتماعي»[9].

ترسخ لدى الباحثين أن «الإنسان هو المحور الرئيس في عملية التنمية»[10] الضرورية لبناء المجتمعات، وإذا كانت التنمية عبارة عن تغيرات جذرية تحدث في المجتمع، فلابد أن الشباب يمثل الرافد الأساس من روافد ذلك التغير، كما أنه يعتبر عنصر ذلك الإنسان الذي هو محور التغير، «ضمن هذا التوجه يتعين إعادة قراءة واقع الشباب العربي.. والتحول من منظور المشكلات والأزمات وسلبياتها إلى منظور الطاقات الحية وإمكانات النماء والعطاء… ويتطلب ذلك بحث فلسفة صياغة برامج الشباب وتحويلها من رعاية فوقية وتقديمات، إلى سياسة حقوق الشباب في بناء اقتدارهم، كخطة عامة للتنمية المستدامة، مفتاح هذه الفلسفة يتمثل بالتالي في توفير المناخات العامة للشباب؛ كي يدخل إلى العضوية الاجتماعية الكاملة ويمارس حقوقها والتزاماتها»[11].

يتضح من ذلك أن على الشباب أن يضطلعوا بشكل كامل بكل مهام عضويتهم الاجتماعية؛ إذ إن هذه المرحلة العمرية التي تنتهي بالنضج الاجتماعي الكامل لابد أن تعالج سنواتها بكافة الآليات والوسائل التي تضمن اكتمال هذا النضج، وفي صورة جيدة صالحة خالية من أية تشوهات أو انحرافات.

بديل ذلك لن يكون سوى تهديد المجتمعات بدفع أفراد معيبين داخل منظومته، وهو ما يظهر في كثير من مجتمعاتنا العربية، من تجهيز لجماعات كاملة منحرفة من الشباب، سواء ناحية التطرف والتعصب المذموم، أو ناحية فقد الذات واللامبالاة، واضطراب الهوية.

دور الشباب في المشاركة السياسية والمجتمعية

«ينظر علماء السياسة للمشاركة السياسية على أنها عبارة عن إعطاء الحق الديمقراطي الدستوري لكافة أفراد المجتمع البالغين العاقلين في الاشتراك بصورة منظمة في صنع القرارات السياسية التي تتصل بحياتهم معا في مجتمع من المجتمعات، وممارسة هذا الحق ممارسة فعلية بعيدا عن عوامل الضغط والإجبار والإلزام؛ إذ يجب أن تظل في إطار ديمقراطي يتسق معه في إطار الشعور بالمسئولية الاجتماعية، تجاه الأهداف المجتمعية العامة، وفي إطار الشعور بحرية الفكر، وحرية العمل وحرية التعبير عن الرأي»[12].

بينما «ينظر علماء الاجتماع للمشاركة السياسية على أنها عبارة عن العملية التي من خلالها يقوم الفرد بدور ما في الحياة السياسية المجتمعية؛ بهدف تحقيق أهداف التنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، على أن تتاح الفرصة لكل موطن بـأن يسهم في صنع هذه الأهداف وتحديدها والتعرف على أفضل الوسائل والأساليب لتحقيقها، وعلى أن يكون اشتراك المواطنين في تلك الجهود على أساس الدافع الذاتي والعمل التطوعي، الذي يترجم شعور المواطنين بالمسئولية الاجتماعية تجاه أهدافهم والمشكلات المشتركة لمجتمعهم»[13].

تلك المشاركة السياسية ليست ضرورية لبناء المجتمعات والدول فقط، ولكنها ـ أيضًا ـ ضرورية للحفاظ على نفسية الأفراد وسلامة العلاقات الاجتماعية بين أعضاء المجتمع؛ إذ إن «الفرد منذ وجوده داخل المجتمع يتعرض إلى مجموعة من العقبات والقيود التي تخلق بعض الآلام لديه، ويعتبر الانتماء إلى المجموعة هو الوسيلة الفعالة لتخفيف الآلام من خلال مشاركته للآلام المجموعة»[14].

يتيح العمل التطوعي بشكل عام، والمشاركة السياسية بشكل خاص، تحقيق فوائد كثيرة للفرد والمجتمع، لاسيما فيما تعجز الدولة عن تقديمه من مشروعات خدمية وتنموية، كما تتميز تلك الأنواع من المشاركات بالسلاسة في الحركة؛ مما يساعد على تقديم الخدمات بصورة أسرع وأيسر من الأجهزة الحكومية، ويتيح كذلك الفرصة للتعرف على احتياجات المجتمع وتحديد مشكلاته؛ مما يسهم في تبني هذه المشكلات وحلها، سواء عن طريق الحكومة أو عن طريق المؤسسات الاجتماعية الأخرى، كما يساهم في تعبئة الموارد البشرية والمادية المحلية في سبيل النهوض بالمجتمع، وذلك فضلا عن المزايا التي تحققها تلك المشاركات للفرد، ومنها: «تنمية مفهوم الذات لدى الفرد. تقوية الانتماء الديني والوطني. تنظيم حياة الفرد بما يعزز جوانب الالتزام والتخطيط. إشباع حاجات الفرد النفسية والاجتماعية. إكساب الفرد الخبرة وتطوير مهاراته العلمية والاجتماعية. كما يحقق.. العديد من الفوائد الاجتماعية والمهنية للشباب، من بينها: تعزيز انتماء ومشاركة الشباب في مجتمعهم. تنمية قدرات الشباب ومهاراتهم الشخصية والعلمية والعملية. يتيح للشباب التعرف على الثغرات التي تشوب نظام الخدمات في المجتمع. يتيح للشباب الفرصة للتعبير عن آرائهم وأفكارهم في القضايا العامة التي تهم المجتمع. يوفر للشباب فرصة تأدية الخدمات بأنفسهم، وحل المشاكل بجهدهم الشخصي. يوفر للشباب فرصة المشاركة في تحديد الأولويات التي يحتاجها المجتمع، والمشاركة في اتخاذ القرارات»[15].

كل هذه الفوائد تشير إلى أنه لا يمكن تصور وجود مجتمع معاصر قويم بدون مشاركة حقيقية وفعالة لأفراد ذلك المجتمع، وتلك المشاركة هي للشباب ـ بوجه خاص ـ الضمان الحقيقي لاستمرار سلامة الأمان والسلام الاجتماعي، بل التقدم والتنمية المجتمعية أيضا.

مخاطر إبعاد الشباب عن قضايا أمتهم وانحرافهم

لسنا في حاجة إلى الاستدلال على أن إبعاد الشباب عن قضايا أمتهم، وما قد يطرأ عليهم من انحراف اقتصادي واجتماعي ونفسي وفكري، صنوان لا يفترقان عن بعضهم البعض؛ إذ هما بالنسبة لبعضهما، كالمقدمة والنتيجة، فما إن يقصى الشباب عن قضايا الأمة حتى يظهر فيهم الانحراف، وما إن يظهر الانحراف حتى تتحرك النظم نحو مزيد من الإبعاد والإقصاء، ويستمر الوضع حتى تمر السنوات ويصبح شباب الأمس قادة المجتمع اليوم ومنظريه، وهم المنحرفون بأية صورة من صور الانحراف، لاسيما النفسي والفكري منه، فتكون المعادلة المجتمعية عبارة عن صراع بين نظم يقودها منحرفون، وبين معارضة تمثل الانحراف والتطرف، وبين شباب يقاوم إقصاء لا يدري له حكمة وغاية، ثم ينحرف ليفهم أن المجتمع ما هو إلا بعض مظاهر الحيوانية والصراع الحيواني الذي يؤكل فيه من لا يأكل، ويُحتقر فيه من لا يَحتقر؛ فيصبح المجتمع مجرد صورة مكبرة لتجمع من العصابات الإجرامية الذين يتقاتلون فيه من أجل مكسب لا وجود فيه لمعنى أو قيمة أو مبدأ أو روح وائتلاف جماعي عام.

الانحراف هو «انتهاك للتوقعات والمعايير الاجتماعية. والفعل المنحرف ليس أكثر من أنه حالة من التصرفات السيئة»[16].

وأشنع صور الانحراف ـ فيما أرى ـ هو ذلك التواطؤ المجتمعي على العمل على كبت قوى الشباب، وإبعادهم عن جل ما هو سبيل للمشاركة في فهم مشاكل المجتمع وإدارة أزماته؛ إذ إن المعايير الاجتماعية السليمة تقضي بتفريغ ما لا قبل للمجتمع بكبته، في مسار صحيح يخدم ذلك المجتمع، ومن ثم لا يمكن أن يحدث التطرف عند الشباب، إلا في مجتمع محكوم بالجهل والتطرف.

فإذا ما كان ذلك التطرف والانحراف المجتمعي، فلابد من وجود تطرف وانحراف الشباب الذي «يضر بثقافة الأمة وهويتها… وينشر البدع والخزعبلات… ويؤدي إلى تشويه صورة [الدين] وقيمه النبيلة المتمثلة في الرحمة والعدل والتسامح والشورى وغيرها، وهو سبب للتنفير من الدخول فيه واعتناقه… ثم التشكيك في ثوابت الأمة، وزعزعة قناعات أفرادها في عقيدتهم… وسبب في الإفساد في الأرض، وتهديد للضرورات الخمس: [الدين والنفس والعقل والنسل والمال]… ما يؤدي إلى التشرذم والفرقة، ويضعف وحدة الصف، ويكرس للانقسام، ويهدد اللحمة الوطنية، ويبث روح الكراهية بين مختلف طبقات المجتمع، ويعود بالمجتمع إلى دعاوى الجاهلية من خلال تشجيعه على التعصب الطائفي والقبلي والفئوي والمناطقي»[17].

الشباب أساس التغيير والنهضة المرجوة للمجتمع

ليس صحيحا أن التغيير لا يكون إلا في المجتمعات الناقصة أو النامية ابتغاء الكمال والأفضل، بالرغم من أن النقصان طبيعة الاجتماع البشري بحكم النقصان الجبلي في أفراده؛ إذ إن التغير سمة الحياة الدنيا بشكل عام، سواء كان ذلك التغير متجها للأكمل أو الأنقص، ومن ثم كان للعقل البشري أن يواجه ذلك التغير الدائم بالتغيير الفكري والعملي المواكب لذلك التغير.

فإذا كان التغير ضرورة من ضرورات الحياة، فإن العمل على التغيير يعد واجبا من واجبات الإنسان المفروضة عليه بشكل مستمر، سواء في الأسس أو المناهج أو الآليات أو غير ذلك، فإذا لم يفهم الفرد ذلك كان مآله إلى الاندثار والفناء، وكذلك المجتمعات، ولذلك فإن الباحثين عن الاستقرار في كل شيء هم ـ في حقيقة الأمر ـ الباحثون عن الموت والفناء!

والاستقرار المجتمعي الحقيقي هو ذلك الذي يقوم على أسس من التغيير الدائم على المستوى الفردي في شتى جوانب حياة أفراده في مواجهة تغير مستمر في واقع ذلك المجتمع.

وإذا كان الأمر كذلك فلا شك أن الشباب هم حجر الأساس في إعداد آلة مجتمعية قابلة للتغير ومعالجة متغيرات الواقع؛ إذ هم طاقة التغيير الحقيقي، والساعون بطبيعة ثوريتهم الشابة إلى البحث عن البدائل والمستجدات، ومن ثم فإن المجتمعات التي لا تبادر إلى تمكين الشباب من ريادة عملية التغيير، وقيادة زمامها الجامح، هي مجتمعات تسعى بكل قوتها نحو الاضطراب الفكري والعلمي والنفسي والثقافي والعملي والنهضوي… إلخ.

نتائج البحث

مرحلة الشباب هي معيار حيوية الأمم، والتي تعد أساس التجديد والتطوير والتغيير. فلابد أن يضطلع الشباب بمسئوليتهم الكاملة، وهي تحقيق اكتمال النضج الاجتماعي والوعي به، وتحقيق أعلى قدر ممكن من الهمة/الإرادة اللازمة لضبط تلك المجتمعات على طريق الازدهار والتقدم، وينبغي، بل يجب اعتبار هذا أولى أولويات النظم السياسية والثقافة المجتمعية، والعمل العام، لدرجة تصل أن نعتبره كواجب وطني، وأمن قومي.

إننا نحتاج الشباب لأنهم حصون الدفاع عن الأمة، وضمان استمرارها مواكبة للتطور والتغير، كما أنهم أساس استمرار التجدد الخلاق.

المشاركة السياسية والمجتمعية الحقيقية، ذات الطابع التطوعي والخدمي، الضمان الأمثل لتحقيق النضج الاجتماعي القويم لدى الشباب، وهو الذي يحفظ حيوية الأمم والمجتمعات، بالإضافة إلى سلامة أفراد المجتمع، وحمايتهم من التطرف والتعصب والانحراف.

إبعاد الشباب عن المشاركة الفعالة والحقيقية في المجتمع، إنما ينشأ عن انحراف حاد في المجتمع، ويؤدي إلى انحراف هؤلاء الشباب بتغييبهم عن قضايا الأمة؛ وهو ما يؤدي إلى الإفراط في الانتماء إلى الأنا، وهو التطرف والتعصب والتشدد، أو التفريط فيه، وهو الانحلال والانهزامية والانهيار الأخلاقي.

لا يمكن التغافل عن مخاطر ذلك الإبعاد والتغييب لدور الشباب، وما ينشأ عنه من انحراف؛ إذ إن ثمرته لا تكون إلا التهديد بتصدع المجتمعات، وترهل الأمم، وتفسخها، ومن ثم انحلالها وزوالها. لذا فإنه لابديل حقيقي عند المجتمعات التي تريد النهضة من اعتبار الشباب حجر الزاوية في تشييد آلة التغيير، ودفع عجلة النهضة الشاملة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1. اتجاهات الشباب الجامعي الذكور نحو العمل التطوعي. رسالة الخليج العرب، مكتب التربية لدول الخليج العربي.2009
2. مسئولية الشباب. حسن الصفار. بيروت. دار البيان العربي. ط3. 1412هـ. 1992م.
3. مشكلات الشباب من وجهة نظر طلبة كليات التربية. مجموعة. مجلة جامعة دمشق. عدد2. 2008.
4. الجيل الشاب وصراع القيم. نجلاء راتب.
5. الجيل الشاب وصراع القيم. نجلاء راتب. ورقة بحث. منتدى حوار الثقافات بالهيئة الإنجيلية للخدمات الاجتماعية. 2005.
6. الشباب الخليجي والمستقبل. مصطفى حجازي. المركز الثقافي العربي. ط1. 2008.
7. الشباب العربي ومشكلاته. عزت حجازي. الكويت. سلسلة عالم المعرفة. فبراير 1885م. عدد6.
8. قياس المشاركة السياسية للشباب وأهم العوامل المؤثرة عليها. مجموعة. جامعة القاهرة. كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.
9. مؤشرات التطرف لدى الشباب. عبد العزيز بن عبد الرحمن الهليل. الرياض. مركز دلائل. ط1. 1437هـ.
10. نحو رؤية معاصرة لدور الشباب في التنمية الشاملة والأمن الإنساني. إبراهيم الساعدي.
الجيل الشاب وصراع القيم. نجلاء راتب. ورقة بحث. منتدى حوار الثقافات بالهيئة الإنجيلية للخدمات الاجتماعية. 2005. ص4[1]
انظر: مشكلات الشباب من وجهة نظر طلبة كليات التربية. مجموعة. مجلة جامعة دمشق. عدد2. 2008. مجلد24. ص39[2]
الشباب العربي ومشكلاته. عزت حجازي. الكويت. سلسلة عالم المعرفة. فبراير 1885م. عدد6. ص8[3]
الجيل الشاب وصراع القيم. نجلاء راتب. ص2[4]
انظر: مسئولية الشباب. حسن الصفار. بيروت. دار البيان العربي. ط3. 1412هـ. 1992م. ص5 وما بعدها.[5]
مشكلات الشباب من وجهة نظر طلبة كليات التربية. مرجع سابق. ص39[6]
المرجع سابق. ص40[7]
مشكلات الشباب من وجهة نظر كليات التربية. مرجع سابق. ص40، 41[8]
نحو رؤية معاصرة لدور الشباب في التنمية الشاملة والأمن الإنساني. إبراهيم الساعدي. المقدمة. ص1[9]
المرجع السابق. ص2[10]
الشباب الخليجي والمستقبل. مصطفى حجازي. المركز الثقافي العربي. ط1. 2008. ص149[11]
قياس المشاركة السياسية للشباب وأهم العوامل المؤثرة عليها. مجموعة. جامعة القاهرة. كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. ص9[12]
المرجع السابق. ص10[13]
المرجع السابق. ص12[14]
اتجاهات الشباب الجامعي الذكور نحو العمل التطوعي. رسالة الخليج العرب، مكتب التربية لدول الخليج العربي.2009. ص 17[15]
مؤشرات التطرف لدى الشباب. عبد العزيز بن عبد الرحمن الهليل. الرياض. مركز دلائل. ط1. 1437هـ. ص13[16]
المرجع السابق. ص17، وما بعدها.[17]
عرض التعليقات
تحميل المزيد