سؤال الهوية المتكرر

في بداية التسعينيات بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وسيادة ما يعرف بـ«نهاية التاريخ»، كما يسميه فوكوياما، والعولمة بشكل لم يسبق في التاريخ جعلت كتابًا ومثقفين كثيرين يتنبأون بما يمكن أن يحدث نتيجة هذا الانفتاح القيمي الهائل، ومحاولات مسخ ثقافات كثيرة في سبيل ثقافة بعينها.

ربما بعد سنوات قليلة سيتضح ذلك نتيجة مباشرة لما حدث في أعقاب أحداث سبتمبر (أيلول) من سيطرة فكرة «صراع الحضارات» وشيوع ما يعرف بـ«الإسلاموفوبيا» في الولايات المتحدة، وسيتضح مدى خواء هذه العولمة في البلد المصدر لها، وحالة الانغلاق الفكري السائدة هناك.

بعد هذه المقدمة ننتقل إلى عمل درامي مهم صدر في هذه الفترة، تحديدًا في 1994، من إبداع أسامة أنور عكاشة؛ من المغري في هذا التوقيت أن يُعرض مجددًا ويكتب عنه أكثر؛ لأنه عن سؤال غاية في الخطورة، كثيرًا ما نتردد في الإجابة عنه؛ إنه سؤال الهوية، الهوية المصرية!

«وينفلت من بين إيدينا الزمان.. كأنه سَحبة قوس فى أوتار كمان..»

ربما كانت أصدق جملة موسيقية تعبيرية اشترك فيها سيد حجاب مع عمار الشريعي لعمل درامي كـ«أرابيسك» أو «أيام حسن النعماني»، أخرج العمل جمال عبد الحميد، وقاد أوركسترا العمل صلاح السعدني بعد أن اعتذر عادل إمام عن أداء الدور.

يرى الكثير من المثقفين أن المسلسل قد أفرط كثيرًا في الهدم والعودة للوراء، تاركا العالم من حوله ليعود للحارة ويتقوقع بها، ربما كان هذا تجنيًا على عمل عبقري يحاول إيجاد حل لمعضلة الهوية التي يقع بسببها كثير من المثقفين في صراع هوياتي ينتهي بإلغاء أو مسخ الأصل في سبيل محاكاة الثقافة التي تصدرها العولمة.

يبدأ المسلسل مع صوت الراوي، يعلن أصل الحكاية، مع جد جدود حسن النعماني، أيام آخر مملوك حكم مصر وأول تركي غزا مصر وسلب مصر فنها وصنعتها، وشحن أبناءها لإسطنبول.

تدور أحداث المسلسل في حارة أو خان دويدار، العالم نفسه الذي استلهم منه نجيب محفوظ معظم رواياته، كذلك أسامة عكاشة يستخدم الحارة، إن كانت الحارة عند محفوظ تعبر عن العالم، فهي مع عكاشة تقصد الأصالة في مواجهة المدن والناس «المودرن».

يتصدر حسن ابن البلد كافة مشاهد المسلسل، هو ابن الحارة الذي يتعامل مع أهل الحارة على أنهم أهله وناسه، ولا يوجد في قاموسه القيمي معنى «من تدخل فيما لا يعنيه»، بل بالعكس يقف ويساعد ويتدخل ويحل بدون طلب، بالأحرى تربى حسن على أنه نصير للكل لا يفرق بين قريب ولا غريب.

حسن يحترف صنعة «الأرابيسك» أو فن الزخرفة الإسلامي، تلقى وشرب صنعة والده وأجداده ونقلها بالفعل لغيره، فالأرابيسك عند عكاشة معبر عن الأصالة والتراث الذي لم يُمح على الرغم من محاولات سلبه أو مسخه، أو كما يقول سيد حجاب على لسان حسن فؤاد: «حوشوا لا ريح شاردة تقشقش عشوشنا».

وفي عصر غير مغلق، بل منفتح بالكامل، لم يعد يهتم بزخرفته و«أرابيسكه»، سيكون حسن غريبًا على زمنه، ويكون «شقيقي مش شكل أبويا»، كما يترجم سيد حجاب، إنها مأساة الزمن الجميل الذي لم يعد، فالبطل يعاني من الشعور بالغربة وسط حارته وعالمه الذي لم يعد يقدر فنه، فهو ابن البلد الذي انتصر في حرب أكتوبر، ولكن الواقع والانفتاح يضعه أمام تحد كبير ما بين السعي من جديد، أو السطل في جلسات الحشيش.

طوال 41 حلقة يرسم عكاشة شخصياته ما بين الأصيل والحداثي، ما بين الشرق والغرب، في محاولة لخلق صراع بينهما، لمن تميل الكفة؟ لصالح ثقافة الشرق أم حضارة الغرب ربما لصاحب الشخصية الأقوى! ولكن هل نملك شخصية قوية تجعلنا نفرض ثقافتنا أمام الانفتاح الجارف؟

المشروع الأهم في باقي الحلقات، هو مشروع دكتور برهان وزوجته، هو دكتور في الطاقة النووية وزوجته دكتورة في علم اللغات، عائدين من أمريكا للاستقرار في مصر، ويحلمان بتحويل الفيلا الخاصة بهم، المبنية على طراز أوروبي، إلى متحف يمثل معظم العصور التي مرت على تاريخ مصر بثقافاته المختلفة، فيلا مصرية تمثل الشخصية المصرية، عن طريق تصميم قاعة شرقية تمثل التاريخ الاسلامي والعربي، وقاعة فرعونية، وبهو يوناني.. إلخ، فيتولى حسن مسئولية تنفيذ مشروع القاعة الشرقية بما أنه ليس «صنايعي» وحسب، بل فنانًا.

يلمس المسلسل السؤال الأكثر أهمية هنا، أي هوية نملكها، هل نحن كمصريين عرب؟ أم فراعنة؟ أم حوض بحر متوسط؟ أم أفارقة؟ أم «بزرميط» كما يتهكم دكتور برهان؟

هل الشخصية المصرية استطاعت على مر عصورها أن «تهضم» كل تلك الثقافات التي مرت عليها من احتلالات رومانية، ويونانية، وعربية، وفرنسية، وإنجليزية وتشكلهم في نسيج واحد نرى منه سمات الشخصية المصرية؟ أم أن «الإنزيمات» او العصارة الهاضمة لم تستطع ذلك؟ يرى أستاذ وفائي، مثقف الحارة، أن مصر استطاعت أن تهضم كل تلك الثقافات، وبها تشكلت شخصية مصر التي ما زالت موجودة وتتجدد ولم تُمسخ.

يأتي زلزال التسعينيات الغاشم – الذي أراه كأحداث سبتمبر في توابعها – فتتهاوى المنازل في حواري مصر القديمة، ولا يبقى فيها سوى البيوت القوية التي أسست على أساسات متينة كمنزل حسن النعماني، وفي هذا دلالة على أصالة المنزل كأصالة العائلة التي سكنته لأجيال كثيرة آخرهم حسن، فالزلزال لم يهدم قط المنازل بل أثبت مدى هشاشة وضعف أساسات الشخصية المصرية!

ومنزل دكتور برهان الذي أسس على طراز معماري أوروبي حديث لم يتأثر بالزلزال بالمرة، في دلالة على ثقافة الغرب الناجحة في السيطرة، ولكن تكون نهايته هو الهدم بإرادة حرة من حسن، ليقيمه على أساس جديد، أساس هوياتي جديد، أساس مصري صرف لأن «السَلطة متنفعش ولا البزرميط ينفع»!

والإجابة هنا على سؤال الهوية حيث لا يمكن الإجابة عنه إلا اذا فهمنا تاريخنا والعصور المختلفة التي مرت عليه، ومعرفة أي ثقافة استطاعت أن تجد لها مكانًا في نسيج الشخصية المصرية، وأيها حاولت أن تمسخ الشخصية المصرية.

في آخر مشهد وحسن في الـ«تخشيبة» يقف وأمامه باقي المتهمين وكأن التخشيبة تحولت لفصل دراسي يلقي فيه درسه عن التاريخ والفن، يقف يشرح رؤيته لهوية مصر، هل هي هوية فرعونية، أم عربية إسلامية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد