كان طفلًا صغيرًا في السابعة من عمره حينما كان يسير بشوارع القدس بعد حرق المسجد الأقصى والنظرات المحدقة في وجهه والتي تشع حقدًا وكرهًا كأنه قد اغتال البسمة من وجوههم جميعًا. يشد أباه من ساعده ويطلب منه أن ينخفض ليسرَّه أمرًا ثم يقول له من هولاء ولماذا ينظرون إلي هكذا ثم يصمت ويقف عن الحديث محدقًا لصورة ما بين الأبيض والأسود والعيون المحدقة فيها واللحية والشارب ويشعر أن الصورة تكلمه وتعنفه لمَ تقف هنا هي اذهب لأبعد مكان تستطيع الوصول إليه لا تقف وإذا بالطفل لا يعترض الأمر ويفر هاربًا بشكل لفت إليه الأنظار، لدرجة ظن بعض الناس أنه قد سرق شيئًا ما من أحد المارة وأبوه مندهش منه لما فعل هذا ثم يفيق بعد لحظات الاندهاش ويمضي مسرعًا خلف ولده فلا يستطيع اللحاق به لدرجة أشعرته أن أنفاسه تتقطع متعجبًا من أين تلك القوة لولدي الصغير، وبعد التقاط الأنفاس أكمل مسيره فإذا به يجد ولده على صخرة مرتفعة ترى منها مدينة القدس كاملة. يعنف الطفل من أبيه لمَ فعلت ذلك يا غلام؟ قال له: أبي لقد قال لي الرجل اهرب ولم أتمالك نفسي ففررت مسرعًا كما رأيتني. يزداد تعجب الأب ويقول لولده من هذا الرجل فيقول إنه الذي تمتلئ به صور المحال والمتاجر للرجال الذين نظروا إلي بغضب أثناء مرورنا من أمامهم. يقف الأب ويقول له صف شكله لي وبعد وصفه يصرخ الأب: لعنة الله عليه إنه من جلب اليهود لأرضنا إنه ثيودور هرتزل المؤسس الحقيقي لدولة اليهود المزعومة. يزداد الغموض عند الطفل ويقول له حدثني أكثر عنه، فيعنفه الأب ويقول له لا أعرف عن هولاء القردة والخنازير شيئًا ولا يشرفني أن أعرف.

يعود الطفل إلى منزله ليجد صبيًا صغيرًا من اليهود بيده كتاب صغير يحمل نفس الصورة ولكنه بلغة غريبة يذهب إلى أخيه الأكبر ويقول له أريد أن أعرف من هذا الرجل فتعجب الأخ الأكبر وتوعده أنه سيبلغ أباه بذلك، وبعد إلحاح قرر الأخ الأكبر أن يخبره بما يريد ويأمره أن يغمض عينيه وسيقص عليه الأمر كاملًا شريطة ألا يخبر أحدًا.

ولد ثيودور هرتزل مؤسس الصهيونية الحديثة في مدينة بودابست بالمجر عام 1860 لأسرة يهودية بورجوازية حيث كان يعمل والده مديرًا لأحد المصارف في النمسا التي انتقلت إليها عائلته بعد موت أخت له في المجر.

التحق ثيودور بإحدى المدارس اليهودية لكنه لم يكمل تعليمه بها، وبعد ذلك التحق بمدرسة ثانوية فنية، ثم بالكلية الإنجيلية حتى عام 1878. وأكمل دراسته الجامعية بجامعة فيينا حيث حصل على الدكتوراه في القانون الروماني.

رأى ثيودور هرتزل أن الحل الأمثل للمشكلة اليهودية التي كان يتعرض أصحابها في أوروبا للكراهية هو في إقامة دولة لهم في أي مكان وليكن في فلسطين، على أن تحظى هذه الدولة بموافقة الدول الكبرى، وقد أخلص لتحقيق هذه الفكرة سواء بالكتابة أو بتنظيم المؤتمرات أو بالاتصال بالسياسيين وأصحاب القرار.

عمل هرتزل مراسلًا لصحيفة في باريس بين عامي 1891 و1895 حيث كتب عن ضرورة وجود دولة عصرية يهودية كحل لمشكلة اليهود في العالم، وأصدر في ذلك كتابه الشهير «دولة اليهود.. محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية». وخلاصة الكتاب أنه طالما بقي اليهود في أوروبا الرأسمالية فإنهم سيتعرضون للاضطهاد المستمر بسبب منافستهم الاقتصادية لأوروبا، والحل الأمثل كما يتصور هرتزل هو إقامة دولة لهم في فلسطين.

اشتغل ثيودور هرتزل لمدة عام في المحاكم النمساوية لكنه ترك العمل وتفرغ للكتابة في القضية اليهودية التي كان يؤمن بها ووهب لها حياته بعد ذلك.

دعا هرتزل إلى عقد مؤتمر يضم ممثلين لليهودية الأوروبية بمدينة بازل بسويسرا وعقد المؤتمر بالفعل عام 1897 وانتخب ثيودور هرتزل رئيسًا للمؤتمر ثم رئيسًا للمنظمة الصهيونية التي أعلن المؤتمر عن تكوينها وظل هرتزل يترأس المنظمة حتى وفاته عام 1904.

وقرر المؤتمر الصهيوني الأول السعي للحصول على موافقة دولية للحصول على تأييد لهجرة اليهود إلى فلسطين تمهيدًا لإقامة دولة يهودية هناك.

حاول هرتزل مقابلة السلطان عبد الحميد الثاني خليفة المسلمين في ذلك الوقت للحصول على قطعة أرض لليهود في فلسطين مقابل إغراءات مادية وسياسية لكن السلطان رفض هذا العرض بشدة. فكر هرتزل في إقامة إحدى المستوطنات اليهودية في أوغندا لتحويل الأنظار عن مساعي اليهود في فلسطين لكن المنظمة الصهيونية رفضت اقتراحه هذا.

لم يتعلم ثيودور هرتزل العبرية في حياته ولم يزر فلسطين ولكنه مع ذلك المؤسس الحقيقي لدولة اليهود في فلسطين. ويشبه موقعه في الفكر الصهيوني والعمل السياسي والعسكري لإقامة دولة إسرائيل موقع ماركس في الشيوعية فهو الذي نظم المؤتمر الصهيوني الشهير في بازل بسويسرا عام 1897 ورأس المنظمة الصهيونية العالمية التي انبثقت عن المؤتمر حتى وفاته عام 1904.

صمت الأخ الأكبر قليلًا ليفتح الطفل عينيه ليجد أخاه يحرق الكتاب الذي عرف فيما بعد أنه كان مكتوبًا بالعبرية.

يخرج الطفل في صمت ويذهب إلى الصخرة المطلة على مدينة القدس والتي فر إليها سابقًا ليجد شيخًا كبيرًا ويقول له الشيخ ما الذي أتى بك هنا فيقول له أتريدني أن أصدقك القول يا شيخنا؟ قال له بالطبع يا صغيري ألا تعلم أن النار مصير من يكذب.

يصمت الطفل ويقول هل هي النار التي حرقت الأقصى يا شيخنا ليجلب الصمت للشيخ ويقول له النار التي أحرقت الأقصى هي نار فرقتنا وخيانتنا.

وتمضي الأيام ويكبر الطفل وأثناء شرح المدرس لمادة التاريخ لطلاب الثانوية يطرح سؤالًا. يا شباب من منكم يوجد الحل الأمثل ليزول هذا الاحتلال والعار على دولتنا؟ الكل يصمت أمام حماسه ويقول بأعلى صوته أن يكون هناك ثيودور هرتزل للعرب، فنحن بأمس الحاجة لمن يحيي لنا الحلم ويقودنا بعقيدة راسخة تدفع من أجلها الدماء ونحن أصحاب عقيدة الحق وما أسهل تمسكنا بها أن ندحر الباطل. يقف المدرس مندهشًا والطلاب ينظرون له نفس نظرة اليهود عندما كان طفلًا ويأخذه إلى مدير المدرسة ويقص عليه ما قاله من أنه يتخذ أحد اليهود قدوته. يفصل من المدرسة ثم يجد فرصة للسفر إلى أمريكا ليكتشف أن ثيودور هرتزل موجود وبكثرة. ينهي تعليمه الثانوي والجامعي ليجد نفسه طبيبًا يتم تعقيمه ليدخل غرفة العمليات ينقذ مريضًا في أواخر عمره وقبل العملية يجد آثار جروح قديمة في جسد الرجل فيسأله من أين تلك الجروح ليخبره أنها من أطفال الأقصى أثناء حرقه المسجد، فيسأله ما اسمك أيها الطبيب فيقول له أنا ثيودور هرتزل ولكن العربي المسلم. يتوه اليهودي في المخدر وينهي الطبيب الجراحة ليلتحق بكلية العلوم السياسية وشعاره أيها اليهود فناؤكم سيكون بيدي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد