لا يمكن حصر ظاهرة الإلحاد بحقبة أو فترة زمنية معينة، كما لا يمكن حصرها ضمن إطار فكري منظم شبيه بالتنظيم الحزبي أو الفكري. فالإلحاد مرافق للظهور البشري، وهو نتيجة تساؤلات طبيعية تحاصر الإنسان حول بداية الخلق وعلاقته بالطبيعة والماورائيات.

فالإلحاد اصطلاحًا يعني عدم الإيمان بإله، وهي نقيض الإيمان الذي يعني الإيمان بإله أو عدة آلهة. كما ينقسم الملحدون لنوعين: ملحدون لا يؤمنون بوجود إله وينفون وجوده بشكل قاطع، أو لا أدريون وهم الذين يؤمنون بوجود إله أو قوة الطبيعة بغض النظر عن الدين.

فالإنسان يصل لدرجة الإلحاد بعدم وجود أجوبة مقنعة عن تساؤلات الخلق والحياة الآخرة، وأن النصوص الدينية غير كافية للإيمان والتصديق، ذلك أن العلم يدحض الماورائيات ولا يسلم إلا بالمادة المجردة. بعيدًا عن الروحانيات. لذلك يقوم الملحد ببناء وجهة نظره على نظريات علمية وفلسفية تحاول الإجابة على أسئلته التي يصعب على الدين الإجابة عنها.

لقد كان عصر التنوير أبرز العصور انتشارًا للأفكار الإلحادية نتيجة طغيان الكنيسة على معظم مفاصل الحياة في أوروبا وفساد إدارتها. مما جعل الشعوب في أوروبا تنتفض ضد هذه السيطرة، لذلك كان انتشاره أكثر في البلدان التي شهدت على عصر التنوير.

أما إذا أردنا المقارنة بالواقع العربي فالواقع مختلف جدًا، ذلك لأن الدين في الدول العربية مترسخ أكثر في المجتمع بغض النظر عن وجود كيان تنظيمي كالكنيسة في أوروبا.

لكن الجديد في الأمر هو انتشار موجات إلحاد كبيرة نوعًا ما ضمن الشباب العربي. فهذه الموجات ليست نتيجة ثورات فكرية شرقية أو عربية. بل هي نتيجة ثورة الاتصالات والإنترنت التي دخلت حديثًا على بلداننا، أي أنه ليس هنالك تجربة تنويرية عربية بل هي اقتباس عن آراء ووجهات نظر مفكرين غربيين لا ينتمون لمجتمعاتنا.

لكن الغريب في انتشار هذه الظاهرة هو افتقار الملحدين العرب لوجهة النظر التي يبني عليها آرائه ومعتقداته، فالبعض يفسر إلحاده بردة فعل على المجتمع من عادات و تقاليد تحد من حرية الفرد في العيش بحرية دون أن يكون آبه للمنطلق الفكري الذي ينطلق منه في نقاشاته مع باقي أفراد المجتمع أو على الأقل أن يلتزم  بضوابط آداب النقاش، كي يقنع الآخر بحريته في اعتناق ما يريد فبالنظر لهذه الشريحة التي تمتد يومًا بعد آخر نرى أن نسبة كبيرة منهم هم رواد صفحات التواصل الاجتماعي وأغلب ثقافتهم مبنية على ثقافة صفحات التواصل التي لا يمكنها أن تقدم معلومة كاملة أو مفيدة، فهذه الصفحات ليست سوى اقتباسات وخواطر عن ما يشعر به صاحبها لا تصلح أن تكون منطلقًا فكريًا لجدال متزن.

لقد كانت أغلب أحاديثي مع ملحدين عرب في هذه المجموعات لم يكن الحديث يصل لمرحلة النقاش الجاد المبني على حجة وبرهان، أي ليس أكثر من وجهات نظر.

اللافت أيضًا هو الافتقار للنظريات العالمية للنقاش مثل نظرية داروين أو البيغ بانغ. جزء كبير منهم لا يعرف هذه النظريات رغم أنها المنطلق الأساسي لتفسير الكون بشكل مادي.

مثلا يقول (ن.ك) الذي فضل عدم كشف هويته بأنه ليس المهم أن تبني الإلحاد على وجهة نظرًا لأنه موجود في الفطرة البشرية وما يمليه العقل من تساؤلات، لذلك ليس بالضرورة أن تفني عمرك وراء دين لا يجيب عن أسئلة منطقية، أو أن تبقى حبيس جدران الأجوبة الدينية التي تحجب نور الحقيقة.

أما (ح.م) من المغرب فيقول إن ما دفعه للإلحاد هو عدة أسئلة كانت تدور في ذهنه منذ الصغر ولم ترضه الإجابات المعتادة التي تلقاها من أهله ورجال الدين.

لقد كانت نقطة التحول في حياته هي دخوله لهذه المجموعات التي يرى في ما تقدمه من محتوى يساعده على تخطي هذه الأسئلة، وأن الأديان ليست سوى خرافة مرتبطة بالسياسة يسيطر فيها المنتصر على المغلوب في حروبهم.

يشكل موقع الفيسبوك نواة تجمع الملحدين العرب ومنبرهم الخفي عن أعين الجهلاء على حد وصفهم. فهم يتبادلون الآراء حول نقاط التشكيك في الدين ويجيبون عن أسئلة بعضهم البعض. كما يعبرون عن ارتياحهم في هذه المواقع، لأنه المتنفس الوحيد لهم من الواقع الذي يعيشه بلادهم من حروب وتطرف قاتل فقد كان هذا التطرف والمغالاة في دين سبب يقظتهم كما يقولون.

لكن، هل لنا أن نقول هنا أن الملحد العربي هو نتيجة فراغ سياسي اجتماعي في المنطقة التي نعيشها وهو موجة ستنحصر بتوافر هذه العوامل، أم أنه نتيجة حتمية للتطور التكنولوجي وسنشهد موجات أكبر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد