أعتبر نفسي من محبي وأنصار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي كان مؤمنًا إيمانًا راسخًا بالقومية والوحدة العربية، لكنني أجد بعد نحو خمسة عقود من وفاة عبد الناصر أن القومية العربية فكرة لا تتجاوز الحبر على ورق، ولا تتجاوز ألسنة أصحابها، فكرة محكوم عليها بالموت من قبل أن تنشأ.

رغم المقومات الكثيرة المشتركة لبناء وطن عربي واحد وقوي، وأهمها اللغة الواحدة، والثقافة، والتاريخ، والحضارة، والتنوع في الموارد، والطبيعة الجغرافية لكل دولة بما يمثل تكاملًا فريدًا، إلا أن الشتات هو السمة الأبرز للشعوب العربية وحكامها، وهنا سأحكي عن بعض الملاحظات التي رصدتها بصفتي شابًا لا شغلة له ولا مشغلة إلا تصفح تويتر وفيسبوك ليل نهار.

بمجرد متابعة نشطاء تويتر في الدول العربية تدرك أن لكل شعب قضاياه الخاصة، ولكل منطقة مشكلاتها، فتجد دول الخليج منغلقة على مشكلاتها في ما بينها، وأبرزها الأزمة الخليجية الراهنة بين قطر والسعودية والبحرين والإمارات ومعهم مصر، حيث التراشق بالكلمات والتغريدات، كما تجد صراعًا من نوع آخر بين مغردي سلطنة عمان ومغردي الإمارات من جراء إعلان أبوظبي بشكل غير رسمي ضم إحدى الجزر العمانية لخريطتها، ومثلما هو الحال في الخليج ستجد بين المغردين في مصر والسودان، نوع آخر من التراشق والتباري، المصريون يهاجمون السودانيين ويصفونهم بالكسل والفشل ويعايرونهم على ضياع نصف دولتهم الجنوبية، فيما يرد الأشقاء السودانيون بتغريدات تحمل الكثير من الشماتة بعد تنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، ويرفعون مطالبهم بحقهم في حلايب وشلاتين.

وبالنظر إلى الأشقاء في الجزائر والمغرب، ستجدهم في حالة من الصراع الدائم والاتهامات المتبادلة في ما بينهم، الجزائريون يتهمون المغاربة بتهريب المواد المخدرة إلى بلادهم لضرب المجتمع الجزائري، والمغاربة يتهمون الجزائريين بدعم حركة البوليساريو وانفصال الصحراء المغربية.

وهكذا الحال في بلاد الشام حيث السوريون الذين يرون في لبنان محافظة سورية وليست دولة، واللبنانيون الغاضبون والمحتقنون من النظام السوري برئاسة بشار الأسد منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، واتهام سوريا بالتورط في اغتياله، ناهيك عن الكراهية المتبادلة بين النشطاء اللبنانيين والسعوديين، حتى إنني لا أذكر كم الحملات الإلكترونية التي دشنها مغردون لبنانيون تهاجم الرياض، وتصف حربها في اليمن بالعدوان.

كل تلك الصراعات التويترية اليومية والمتكررة بين الشعوب العربية وبعضها كوم، والصراعات بين أبناء الشعب الواحد كوم آخر، فهي تثبت أن في كل دولة عربية «خازوق» ما ينغص على هذه الدولة حالها واستقرارها. ففي ليبيا مثلًا حالة تخوين غير عادية ما بين المؤيدين للواء خليفة حفتر من ناحية، وبين الإخوان المسلمين من ناحية أخرى، والحال نفسه في تونس حيث يتواصل الصراع الدائر بين العلمانيين والراديكاليين، وفي الجزائر يمكنك ببساطة إدراك حالة الاحتقان بين أبناء محافظات الجنوب الذين يعانون التهميش وقلة الخدمات، وبين أبناء محافظات الشمال الذين ينعمون بمستوى اجتماعي أفضل. وفي البحرين الصراع المتقد بين السنة، والشيعة، وأعمال العنف المستمرة شبه يوميًّا.

هذا بالإضافة إلى المغاربة حيث احتجاجات أبناء الريف لا تتوقف انطلاقًا من شعورهم بالظلم والتهميش، وحال السعودية ليس أفضل من البحرين، فأبناء المنطقة الشرقية بالمملكة وهم من الشيعة يمثلون صداعًا للمسئولين بالرياض حتى إنني صادفت بعض الآراء السعودية على تويتر تطالب بترحيل هؤلاء الشيعة إلى إيران التي يدينون لها بالولاء.

أضف إلى البحرين والسعودية، العراق حيث صراع السنة والشيعة مشتعل، خصوصًا بعد تحرير المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش عبر قوات شيعية عرفت باسم «الحشد الشعبي». أما في اليمن فأبناء الجنوب يريدون الاستقلال بدولتهم وعاصمتها عدن، ويتهمون الوحدة مع الشمال بأنها سبب في تدمير اليمن وتدهوره، هذا إلى جانب صراع من نوع آخر بين المؤيدين لجماعة الحوثي والمعارضين لها.

وفي الكويت تلاحظ تنامي أزمة المواطنين «البدون» الذين يطالبون السلطات بتجنيسهم، فتارة يقدم أحدهم على حرق نفسه، وتارة أخرى يقدم آخر على شنق نفسه، وهكذا.

أما في مصر فيبقى الوضع مستتبًا حتى مع بعض المعاناة التي يلاقيها أبناء القبائل البدوية وأبناء النوبة، من نقص في الخدمات والحقوق، لكن لا يمكن بطبيعة الحال الارتكان إلى صبر وجلد هؤلاء لأن للصبر حدود.

الخلاصة أن هذا الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه يعيش حالة شتات يصعب معها الحلم بأي سيناريوهات للوحدة الهادفة والمثمرة، ولم يعد الشتات حليف الحكام فقط؛ بل تجاوزه إلى الشعوب في ما بينها، وبين الشعب الواحد بطوائفه المختلفة، بكل بساطة عالمنا العربي لا مستقبل له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد