إن أول تفكير في اللغة كان تفكيرًا بلاغيًا – بظهور الملاحظات الأسلوبية قبل ظهور النحو والعروض والمنطق – كما هو مروي من تاريخ تلقي الشعر العربي في الجاهلية وصدر الإسلام أي قبل ظهور المصطلح البلاغي كنسق لعلم، ومن مظاهر هذا التفكير (التفكير الأسلوبي قبل البلاغي) ربط الشعر بالعوالم غير العادية؛ بالجن والشياطين، والتنبيه للعيوب الإيقاعية والحجاجية فيه – من ذلك تنبيه أهل المدينة للنابغة الذبياني لعيب في أحد أبياته الشعرية، وتنبيهه هو نفسه لكثير من الشعراء – وكانت هذه الملاحظات هي المصدر الأول للبلاغة العربية حيث جمعت لاحقًا تحت مسمى البديع ومحاسن الكلام، وهو كتاب لابن المعتز، فتطور المسار من خلال الخصومات حول ما هو بديع وغير ذلك.

أما المسار الثاني فكان لاحقًا بالأول وارتبط بتقعيد اللغة من جهة وبيان الانسجام الخطابي للنص القرآني، وما أثير حول ذلك من إشكالات اقتضى معها الحال التحاور حولها ومن ثمة كانت الاستعانة بالمنطق اليوناني والبلاغة الأرسطية، ومفاتيح هذا الموضوع «غريب القرآن» و«مجازاته» والكلام حول الذات والصفات التي يتداخل عالم المطلق (الله) وعالم النسبي (الإنسان). وفي هذا السياق الفكري اللغوي المنطقي ظهر الطموح إلى صياغة نظرية عامة للفهم والإفهام، أو للبيان والتبين وهو المصدر الثاني للبلاغة بعد البديع، والذي اعتبر الجاحظ رائدًا فيه، وهو الذي انتبه إلى أن اللغوي لا يستطيع مهما أوتي من معرفة أن يحاجج في مجال الإقناع حول المسائل الدينية ما لم يستعن بعلم الكلام، وعلم الكلام هو علم الحجاج العقلي في المجال الديني، وهو مركز التأويل القادر على ردم الهوة بين مستويات الخطاب في الحقيقة والمجاز، وكان من ثمار هذا التوجه ظهور علم المناظرة والجدل.

إذن للبلاغة العربية مهدان أنتجا مسارين كبيرين:

-مسار البديع يغذيه الشعر.

-مسار البيان تغذيه الخطابة.

ونظرًا للتداخل الكبير بين الشعر والخطابة في التراث العربي فقد ظل المسارات متداخلين وملتبسين رغم الجهود الكبيرة النيرة التي ساهم بها الفلاسفة وهم يقرؤون بلاغة أرسطو وشعريته، ومن أبرز العوامل التي عقدت المهمة النظرية في هذا المجال: البحث عن بلاغة القرآن من خلال الشعر العربي، وذلك السراب الذي جرى خلفه الأشاعرة وتخلص منه بعض المعتزلة بالقول بالصرفة.

والنموذج الأمثل للاضطراب في هذا المضمار جهود عبد القاهر الجرجاني في البحث عن الخصيصة البلاغية من خلال الشعر والقرآن في آن واحد، وقد أدى به الأمر منذ المنطلق إلى اختزال البلاغة في التحويل الدلالي القائم على الإلحاق والإبدال عن طريق المشابهة والمجاز مستعينًا بالقراءة العربية لنظرية المحاكاة الأرسطية، غير أن استحضاره للنص القرآني قلص التخييل إلى درجة تفقده معناه المولد لكل الصور، خلاف ما عليه حال المحاكاة التي جاء منها، مما جعله ينطلق من النظم علم المعاني في كتابه الدلائل ويحيل كل ما اعتبره أسرار البلاغة إلى عنصر مساعد أو مشارك في أقصى الأحوال. لقد انتقل الجرجاني من الغرابة الشعرية أي من التخييل إلى المناسبة المقامية أو السياقية (أي إلى تداولية لسانية) لتصبح البلاغة العربية منحصرة بعد ذلك عند السكاكي في هذه العلوم الثلاثة «البديع / البيان / المعاني» مع العلم أن الفلاسفة العرب قد بذلوا جهودًا كبيرة في إطار قراءتهم لعمل أرسطو في الشعر والخطابة لبيان الخصوصية الشعرية «التخييل» والخصوصية الخطابية «التصديق» وما بينهما من التداخل والتخارج، غير أن تراجع الحضارة الإسلامية وهيمنة الخلفيات الدينية حالا دون استثمار هذا التراث في مجال البلاغة تنظيرًا وتطبيقًا – ولعل المحاولة الوحيدة هي محاولة حازم القرطاجني رغم أن محاولته كانت في حاجة إلى كثير من التهذيب والتكميل والتمثيل الشيء الذي لم يكن ممكنًا في ذلك السياق الحضاري المتردي.

ومن أهم ما جاء في كتاب حازم القرطاجني منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حين تحدث عن المنطقة التي يتقاطع فيها الشعر والخطابة باعتبارهما بعدين بلاغيين متداخلين تداخل التخييل والإقناع (منهاج البلغاء وسراج الأدباء ص 19-20) كما تحدث أيضًا عن وظائف المحاكاة، وعن واقع الشعر العربي الذي يبدو في أكثره جمهوريًا خطابيًا وكذا واقع الخطابة التي نشأت في حمى ذلك الشعر وتأثرت به، كما رأى أن مركز التقاطع بين الخطاب الشعري والخطاب الخطابي، هو التأثير في النفوس ودفعها نحو اعتقاد أو فعل. إنه بحق أرسطو العرب غير أنه لم يلق من الاهتمام ما لقيه أرسطو في الدرس البلاغي الغربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات