للظروف الخارجية دورًا رئيسيًا في رسم سلوك المجتمعات حول العالم وتحديد طريقة تفكيرها وتعاملها وبناء علاقاتها، فنوعية الظروف المحيطة هي من تحدد مسار سلوكيات المجتمعات العامة والخاصة، إذ تنعكس الظروف الصعبة والقاسية سلبًا على المجتمع وتؤثر بهِ طبقا لحدتِها ونوعِها، لذلك نرى أن المجتمعات أو الدول التي تسودها ظروف حياتية قاسية تشيع فيها السرقة والقتل والجهل والخرافات وعدم الاستقرار، أما في المجتمعات التي تعيش ظروف طبيعية مستقرة فنرى أنها تتصرف بشكل طبيعي ويسودها الأمن والسلام والعلم والتطور، أي عكس المجتمعات التي تعيش ظروف مغايرة.
الظروف التي مرت على الشعوب العربية، وخصوصًا في ظل الحكم العثماني الذي دام عليها أكثر من ستةِ قرون، هي ظروف أستثنائية وقاسية،على سبيل المثال في أمور الحكُم والسياسة كان الوالي العثماني التركي المُعين من الخليفة هو من يحكم لا العرب أنفسهم، وكان على العرب أيضًا أن يقبلوا بالقرارات الصادرة من الأستانة وتنفيذها دون أن يكون هناك حق للاعتراض أو المناقشة وهذا ما لم تعتد عليه العرب قبل ذلك، ونتيجةً لِذلك عانى العرب لِقرون من التسلط والاستبداد والعنصرية والتمييز، فالنزعة القومية والعنصرية كانت سائِدة في تصرفات الولاة العثمانيون مع العرب مما قاد إلى سخط ونقمة الشعوب العربية على الحكم العثماني، وبالتالي مهدت تلك التصرفات بالأخير إلى تعاون العرب مع الإنجليز ضد العثمانيين حتى سقوط حكم الأستانة عام 1922.
 

الدول العربية من احتلال الى احتلال آخر

وقعت الشعوب العربية مرة أخرى في شبك الاستعمار والاحتلال على يد الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين فخضعت كل من، الجزائر سنة 1830 للاستعمار الفرنسي حتى استقلت عام 1960. السودان سنة 1898 للإنجليز وبقيت خاضعة للاحتلال حتى استقلالها عام 1955. ليبيا خضعت للاستعمار الإيطالي سنة 1911، واستقلت عام 1947 سوريا عن الاستعمار الفرنسي سنة 1920، حتى استقلت عام 1946. مصر خضعت لاستعمارين متتاليين الأول على يد فرنسا وامتد من سنة 1798م، الى 1801م، والثاني على يد بريطانيا من سنة 1802 حتى عام 1922.
أما العراق فخضع للإنجليز من سنة 1919، إلى عام 1932. اليمن خضعت للاحتلال البريطاني من سنة 1839، وبقيت تحت الاحتلال حتى عام التحرير 1967. تونس للاستعمار الفرنسي من سنة 1881 حتى عام 1956م، العام الذي استقلت فيه. بالإضافة إلى وقوع كل دول شبه الجزيرة العربية تحت الاحتلال الإنجليزي بعد أن تمكنت بريطانيا من القضاء على النفوذ البرتغالي والهولندي في تلك المنطقة وتوقيع أول معاهدة ذات طابع سياسي مع سلطان أحمد (سلطان مسقط) سنة 1798.
عانت الشعوب العربية كثيرًا في ظل فترات الاحتلال والاستعمار المتعاقبة وخصوصًا تلك التي نشأت من الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي، إذ أستغلت هذه الدول الاستعمارية موارد وثروات الشعوب العربية وسخرتها في خدمة مصالحها الخاصة وحروبها الخارجية فيما حُرِمَ العرب منها تمامًا، وكان من الطبيعي أن يترك الاحتلال والاستعمار آثار كبيرة على المنطقة العربية ويفرز سلبياتهُ على حاضرها ومستقبلها، حيث عُطلت فيها التنمية والبناء الحضاري والعلمي والثقافي والسياسي إلى جانب نشوء الأفكار الرجعية في أنظمة الحكم العربية التي أفرزها الاحتلال، بعد اتفاقيات استقلال شكلية سُلمت بموجبِها المنطقة العربية الى وكلاء الاستعمار من العرب.
بدأت الدول العربية في رحلة عدم الاستقرار السياسي في أنظمتها الناشئة عن الاستقلال من حكم الانتداب، من خلال الانقلابات العسكرية والبيضاء، فكان أول أنقلاب ناجح حدث في سوريا في آذار(مارس) 1949م، الذي قاده العقيد حسني الزعيم وأطاح بحكومة شكري القوتلي، ثم تبعهُ انقلاب آخر في السنة ذاتها وأطاح بحكومة حسني الزعيم، وعلى الرغم من قصر الفترة الزمنية التي تولى فيها الزعيم السلطة، إلا أنها تركت علامة فارقة في تاريخ سوريا الحديث، خصوصًا من ناحية كونها فاتحة لعشرين انقلابًا.
فيما يخص مصر فيرجع أول انقلاب عسكري ضد الملكية إلى يوليو (تموز) 1952، قادته مجموعة من الضباط العسكريين بقيادة اللواء محمد نجيب والذي أُجبر فيه الملك الملك فاروق على التنازل عن العرش لاِبنه الامير احمد فؤاد الذي أطيح بهِ أيضا في يونيو (حزيران) 1953، وعلى أثره أُلغيت الملكية وأُقيمت الجمهورية، لِتُحكم مصر فيما بعد بقبضة حديدية من قبل العسكر أبتدءًا من حكم محمد نجيب إلى جمال عبد الناصر ثم أنور السادات وحسني مبارك الذي أمتد حكمهُ لثلاثةِ عقود حتى أُسقط بثورة شعبية في فبراير (شباط) 2011.
بالنسبة للسودان فحصل أول أنقلاب ناجح في تشرين الثاني(تشرين الثاني) 1958، قاده الفريق إبراهيم عبود ضد حكومة الائتلاف المكونة بين الزعيم الأزهري ورئيس وزرائهِ الأميرلاي عبد الله خليل، وشكل الانقلابيون حكومة عسكرية برئاسة عبود الذي حكم البلاد بأسلوب شمولي دكتاتوري استمر لمدة سبعط سنوات. حكم العسكر في السودان منذ الاستقلال 45 عامًا ممتدة على ثلاث فترات انقلابية، مقابل 11 عامًا فقط لحكومات مدنية ديمقراطية لثلاث فترات.
ليبيا فقد سجل التاريخ عدة انقلابات عسكرية كان أبرزها الانقلاب الذي قاده الملازم أول معمر القذافي في سبتمبر (أيلول) 1969، بصحبة عدد من ضباط الجيش ليؤسس فيما بعد نظام شمولي حكم ليبيا طيلة 42 عامًا.
اليمن جرى فيها أول انقلاب في نوفمبر سنة 1967، بقيادة الجمهوريين ضد المملكة المتوكلية اليمنية في شمال اليمن وانتهى بحكومة عبد الله السلال، ثم أعقبه انقلاب أكتوبر 1977، قاده أحمد الغشمي على إبراهيم الحمدي والذي اغتال فيه الغشمي الحمدي ليتولى السلطة من بعده، واستمرت عمليات الانقلابات في اليمن حتى وقعت اليمن في يوليو 1978، بيد علي عبد الله صالح، واستمر حكمه الشمولي حتى سنة 2012 عندما أطيح به في ثورة شعبية.
العراق فتاريخ حافل بالانقلابات، أبتدأ من انقلاب أكتوبر 1936، بقيادة بكر صدقي (أول انقلاب عسكري في تاريخ المنطقة العربية)، إلى انقلاب يوليو سنة 1958، الذي قاده الضابط عبدالكريم قاسم ضد الملكية وتم خلال الانقلاب قتل الملك فيصل الثاني وعائلته وتغيير النظام الملكي إلى نظام جمهوري برئاسة عبد الكريم الذي انتهى هو أيضًا بانقلاب آخر قاده صديقه عبد السلام عارف بمساعدة البعثيين في فبراير 1963، أما في يوليو سنة 1968. تمت الإطاحة أيضًا بحكم الرئيس عبد الرحمن عارف في العراق، وتولى حزب البعث الاشتراكي السلطة بما يعرف بالثورة البيضاء بقيادة أحمد حسن البكر، أُقِصيَ الأخير أيضًا من قبل نائبه صدام حسين في انقلاب آخر أبيض في يوليو 1979، لِيُحكم العراق بعدها بِنظام شمولي ديكتاتوري بقيادة صدام حسين الذي أدخل بسياياته الطائشة العراق في حروب عبثية  وحصار خانق عاش فيه العراقيون أقسى مرارات العذاب والحرمان والموت، حتى سقوط نظام حكم البعث في أبريل 2003، على يد الجيوش الغازية بقيادة أمريكا.
مراحل عدم الاستقرار السياسي في الدول العربية وما شهدتها من انقلابات على أنظمة الحكم، خلق حالة معقدة داخل المجتمعات العربية تمثلت بانعدام التنمية أو التقدم، وترسيخ الأفكار الرجعية في عقول فئات واسعة من المجتمعات العربية، لأن هذه الانقلابات لم يكن الهدف منها البناء أو قيادة نهظة حضارية تنتشل الشعوب من الواقع المزري الذي عاشتهُ سابقًا، بل كان لغرض التسلط والاستئثار بالسلطة وعمل كل ما يمكن لإدامة القبضة الحديدة الناشئة من الانقلابيين وحكم العائلات، حيث عملت هذه الأنظمة طوال عقود على تغييب الحقائق عن الشعوب وحجب أي شي يتعلق بالحرية والديمقراطية و التنوع السياسي أوالتناول السلمي للسلطة، بالإضافة الى تسخير ثروات الشعوب في خدمة مصالحها الشخصية والعائلية.
إن عدم استقلالية مؤسسات الدولة الحيوية من قضاء وجيش وإعلام كان سمة بارزة في أنظمة الحكم العربية الشمولية التي عملت على حصر كل هذه السلطات بيد القائد أو الحاكم والتصرف بها كما يشاء، الامر الذي أدى إلى شل هذه الدول وتأخرها قرونًا رغم ثرائها ومواردها الطبيعية الهائلة حتى صار واقع الشعوب العربية اليوم محزنًا جدًا، البطالة تنتشر بشكل صادم، تهالك البنى التحتية، سوء الخدمات العامة من ماء وكهرباء وصحة، الشوارع متهالكة، عدم الاستقرار الأمني والسياسي، إضاقةً الى أنتشار الجهل والارهاب والتخلف والفساد المالي والاداري، غياب حقوق الانسان والحرية وانعدام الديمقراطية، وغيرها الكثير من المعاناة والأزمات التي توجهها معظم الشعوب العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد