يعتبر علم الميكانيكا اليوم ركيزة أساسية لا غنى عنها في مواصلة التطور الحضاري الذي بلغ أوجه بعد جهود علمية بتدأت منذ القدم وساهمت فيها حضارات متعددة منذ 6 آلاف سنة تقريبًا كابتكارات متواصلة ونوايا حثيثة في منح حياة مترفة للإنسانية، ومنذ اختراع العجلة التي كانت الأداة الإنسانية الأكثر أصالة في الطبيعة.

مر هذا العلم بفترات عديدة أحيانًا يرى النور وأخرى مختبئا في الظلام بسرية شديدة محاربًا من أرباب الدولة أو ممجوجًا من مفكريها، وكانت اشد فتراته قتامة تلك التي شهدها في مراحل صعود العقل الفلسفي في الحضارة اليونانية، التي أعلت من العقل ومعارفه وجعلت علومه خصوصًا فلسفة العلم الأعلى، وأن فكرة انطباق العالم الذهني على العالم الفعلي أخذت حيزًا كبيرًا أقصى كل محاولات التجريب الممكنة لإثبات النظريات عمليًا، فما كان ممكنًا إثباته بالتأمل والتواصل العقلي من السخف بمكان إنزاله من عالمه العلوي لحقول التجارب، فاعتبر فلاسفة اليونان أن الميكانيك إساءة للهندسة أيما إساءة كما يقول أفلاطون (أفسدا الشيء الوحيد الطيب في الهندسة وأبعداه عن المسائل العقلية الخالصة وجنحا به إلى المحسوسات واستعانا بالمادة)، موجهًا بهذا كلامه لإيوديكسوس وأرخيتاس لأنهما قاما بتجارب في الميكانيك كالحمامة التي صنعها أرخيتاس التي طارت لمسافة 200 متر بفعل البخار، حتى أن الآلات العديدة التي صنعها أرشميدس كانت تواجه بتجاهل بغيض حيث اعتبرت غير ذات أهمية في علم الهندسة إنما صنعت لتسلية الملك هيرون في حين كان هم هؤلاء الثلاثة من التطبيق العلمي للهندسة هو تكوين معرفة تواصلية بين تاملات الفلاسفة واصطلاحاتهم ونظرياتهم والواقع العملي والعلمي البسيط للشعب بوجه عام ليصبح العلم في متناول الجميع.

وقد حرم فلاسفة اليونان البشرية وتقدمها العلمي بسبب كبحهم واحتقارهم للمنهج التجربيبي من تقدم هائل في مجال الآلات وإتقانها لو أنهم جعلوها في منزلة أعلى من علم ناقص اعتبر أداة عسكرية بحتة لا قيمة لها إزاء الهندسة آنذاك، ومع كل هذه المضايقات والحبس الفكري والتنمر في مواجهة الأيديولوجيا الجديدة رشح من تلك الحضارة العريقة بعض المؤلفات الفذة مثل (كتاب رفع الأثقال لإيران، الآلات المصوتة على بعد 60 ميلًا لمورتس، الآلات الحربية لهيرون الصغير، الآلات المفرغة للهواء والرافعة للرياح لقطيزينيوس وغيرها).

وحين منحت الدنيا خيراتها لبغداد لتصبح في عصرها الذهبي جامعة العلوم استغل الرشيد والمأمون إقبال الأيام عليهم فجادوا على العلماء أيما إجادة حتى أصبحت مدرسة الحكمة آنذاك كأعظم صرح علمي يخدم العلوم في كل مجالاتها تصل تكاليف إنشائه ومرتباته التشغيلية ما يقرب من الـ950 مليون دولار في وقتنا الحاضر ليشرك مترجمين وناقلين ونساخ من قوميات شتى والسن ملونة، اجتهد العرب في النقل والترجمة والمقابلة بشكل إيجابي جدًا، ولم يتنكروا كما فعل بعدهم لآثار الغابرين، بل اهتموا بأصول العلوم ناسبين إياها لأصحابها الأوائل، فهذا أرغانون أرسطو، وإيساغوجي فورفوريوس الصوري وعقاقير جالينوس وأصول إقليدس وغيرها الكثير من العلوم التي لا يداخلنا الشك فيها أنها كانت جديدة عند المسلمين بالية عند أصحابها حتى أن البعثات العلمية الإسلامية التي كانت تبحث عن كنوز العلوم كانت تلقى صدرًا رحبًا في كل المناطق لأنها تمثل ربحًا إضافيًا لهم أولًا وآخرًا أنها لا تمثل قيمة حقيقية آنذاك سوى أنها كأشياء ثمينة أو أعباء إضافية أو لقى في السراديب لا يعبأ بها أحد فيصبح بيعها أو إهداؤها قدم سعد لهم عند خلفاء المسلمين.

مضخة المياه التي اخترعها الجزري الصورة من.yenisafak.com

لكن العرب بعد أن ترجموها ومحصوها وعملوا فيها أذهانهم أخذوا ما يوافق مزاجهم الفكري والحضاري فطوروا الآلات القديمة وابتدعوا أكثر مما وجدوا ليساهموا في منتصف القرن التاسع الميلادي – الثالث الهجري في إعادة الروح في علم الميكانيك الذين أطلقوا عليه (علم الحيل، أو الآلات الروحانية) الذي يعرفه الدكتور عمر فروخ بأنه (عمل آلات متحركة بنفسها أو بالجهد اليسير كآلات الرفع والجر وعمل الساعات الصائتة أو الصامتة وعمل آلات النار وما شابهها) ويشير الفارابي إلى هذه العلوم بنبوءة متحققة حين قال (وهي مبادئ الصناعات المدنية العلمية التي تستعمل في الأجسام والأشكال والأوضاع والترتيب والتقدير) ويعلل طاشكبري زادة المؤرخ والعالم التركي سبب تسميته (علم الآلات الروحانية) لارتياح النفوس بغرائب هذه الالات وما تصنعه فيهم من بهجة وترقب وتأمل وتعجب[1] وصنع العرب العديد من الآلات الميكانيكية التي كانت قيد حاجتهم لها مثل طواحين وعجلات ومضخات سحب المياه التي كان من أشهرها مضخة ابن الرزاز الجزري التي يعدها البعض النموذج الأقرب للآلة البخارية الحديثة [2] إضافة إلى الساعات المائية التي كانت تسمى بالبنكام وآلات أخرى مثل (البرطيس، والخمل، والبرم، والخنزيرة، والسهم، والأسطام) [3] ويعتبر رقاص الساعة من بين الأدوات الأكثر شهرة التي ابتدعها العرب على يد العالم ابن يونس المصري المولود عام 950م كما يؤكد أ. برنارد الأكسفوردي حيث يقول: (إن العرب هم الذين طبقوا الرقاص على الساعة) لياتي بعده بقرون عديدة العالم الهولندي كريستيان هيوغنز وذلك في عام 1656م، حيث نسب له إجحافًا ابتكاره لهذه الأداة المهمة التي كانت للعرب تطبيقات عظيمة عليها.

                     ساعة الفيل التي اخترعها العالم العربي الجزري

ومع مرور الوقت أصبح لهذا العلم شعبية كبيرة في الأوساط والطبقات المختلفة في الحضارة الاسلامية لما أضافه لهم من تسهيل للحياة اليومية وإنجاز الأعمال الشاقة بجهود يسيرة كذلك ما تبعثه بعض الآلات الجديدة من الإنس والانبهار تواكب ووروح التطور والرقي والبهجة التي كانت تتسم فيها بغداد وأخواتها من تلك المدن، فأقبل عليه العلماء ورفدوه بالمؤلفات والرسائل العديدة التي حافظت على خطوات السابقين وحفظته من الضياع وأعانت القادمين على الابتكار والتجديد ومن هؤلاء العلماء يكون أولهم حسب ما ذكرته كتب تاريخ العلوم هو:

1- ابو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي 185 هـ/805م – 252هـ/873م:

خصص الكندي وقتًا كبيرًا لعلم الحيل رغم تعدد اهتماماته العلمية وكان اهتمامه جليًا بالساعة المائية (البنكام) لحل مشكلة الوقت التي كانت ضرورية للمسلمين حين غياب المزولة تحت تأثير الظلام أو الأجواء الممطرة ومن كتبه المصوتات الوترية ورسالة في الحيل.

2- أبناء موسى بن شاكر (800م – 873م)

 

طابع تكريمي لأبناء موسى بن شاكر بمناسبة أسبوع العلم عام 1996

هم: محمد وأحمد والحسن أبناء موسى بن شاكر أقرب الفلكيين المقربين من الخليفة المأمون في القرن التاسع للميلاد، لا أحد يضاهي شهرة الإخوة الثلاثة في هذا العلم بالتحديد، الذين أسهموا بشكل كبير في شراء نوادر المخطوطات من بقاع العالم وأشرفوا بشكل مباشر على أعمال الترجمة في بيت الحكمة، وألفوا العديد من الكتب أشهرها على الإطلاق كتاب الحيل الذي نشره الألماني هاوسر معتمدًا على مخطوطتي الفاتيكان وبرلين في بداية القرن التاسع عشر ثم نشره دونالد هيل كافضل ترجمة له باللغة الإنجليزية.

ويحتوي هذا الكتاب على 100 آلة ميكانيكية تعد 20 منها ذات قيمة علمية بحتة قدمت حلولًا نافعة للناس في حياتهم اليومية والأخرى أجهزة تبدو سحرية الطابع تعتمد على مبادئ علم سكون السوائل وعلم حركة الهواء والصمامات ذاتية التشغيل ومن هذه الأدوات الحوض السحري الذي يمتلئ بذاته دون أن يفيض، والسراج الذي يخرج فتيله بنفسه ويصب الزيت لنفسه دون أن ينتبه أحد لذلك، كذلك النافورة العجيبة التي يخرج الماء منها تارة كزهرة السوسن وأخرى على شكل قناة مستغلين طاقة نظيفة تمامًا وغيرها الكثير من الآلات المدهشة التي اعتبرت مداخل هندسية مهمة في أوربا لقرون طويلة.

3- بديع الزمان أبو العز بن إسماعيل الجزري توفي في 561هـ – 607هـ

 

صفحة من مخطوط الجامع بين العلم والعمل

يعد كتابه (الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل) من أوسع الكتب في مجاله، مستندًا إلى الإرث الرياضي الكبير الذي خلفه الأوائل، وقد قال فيه سارتون (هذا الكتاب أكثر الأعمال تفصيلًا من نوعه، ويمكن اعتباره الذروة في هذا المجال بين الإنجازات الإسلامية) كما عده دونالد هيل في مقدمة ترجمته الإنجليزية لهذا الكتاب بأنه من أنفس الوثائق العلمية، وما يميزه أنه كتاب نظري وعملي في الوقت ذاته، حيث أجاد في تأليفه متقنًا في وصف أدق تفاصيل الآلات مع براعة في الرسم الهندسي وحبه لابتكار أدوات جديدة كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه: (وكنت أكره أن أعمل شكلًا سبقت إليه بغير زيادة فرع أو تغيير أصل، وحيث وقع لي هذه الكفة ولم أعلم أنني سبقت إليه استعنت بها على أعمال كثيرة نافعة في هذه الصناعة) وكان من عجيب أدواته الصناديق الحية التي تقفل بقفل بحروف 12 من حروف المعجم، ومما صنعه لأحد الخلفاء آلة على هيئة غلام منتصب القامة، وفي يده إبريق ماء، وفي اليد الأخرى منشفة، وعلى عمامته يقف طائر فإذا حان وقت الصلاة يصفر الطائر، ثم يتقدم الخادم نحو سيده ويصب الماء من الأبريق بمقدار معين ثم يقدم له المنشفة ليعود إلى مكانه والعصفور يغرد.

وقد ترجم دونالد هيل كتابه عام 1974م للغة الإنجليزية كما أصدر الموسوعة الصغيرة ببغداد كتابًا بعنوان 0 الجزري رائد الميكانيك التطبيقي العربي.

واستمر هذا العلم بالتطور على يد علماء آخرين منهم تقي الدين بن أحمد الراصد الشامي 993هـ /1585م صاحب كتاب (الألطاف السنية في الآلات الروحانية) وقد عد هذا الكتاب تكلمة لحلقة مفقودة في تاريخ التكنولوجيا العربية، حيث وصف الكثير من الآلات التي لم تكن موجودة عند من سبقوه، ومن طريف آلاته (عمل السيخ الذي يوضع فيه اللحم على النار فيدور على نفسه من غير حركة أو تدخل من أحد).

ومن الكتب الأخرى في هذا المجال (كتاب الآلات والعمل) لأبي الريحان البيروني وميزان الحكمة للخازن وآلات الظل لإبراهيم بن سنان بن ثابت وغيرها من الرسائل المتفرقة التي تثبت أن العرب لم يكونوا أهل نقل لعلوم الآخرين وإنما شرحوها وطوروها وأسهموا في رفاهية عصرهم والعصور التي بعدهم كما أنه دليل آخر لأسبقيتهم في ريادة المنهج التجريبي بقرون طويلة عن أول إشعاعه على الغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد