في كل مرة وعلى إثر كل عملية “إرهابية” غادرة، تكون الصدمة والذهول رد فعلي الأول من متابعتي لما يُكتب في مواقع التواصل الاجتماعي والصحف العربية. الصدمة من حجم الإهانة التي نعيشها كعرب ومسلمين وأصبحت أمرًا واقعًا نفرضه على أنفسنا قبل أن يُفرَض علينا، والذهول من درجة الانحطاط التي بلغناها.

 

في البداية، وجب التأكيد أننا نشجب ونندد بالأعمال الوحشية واللاإنسانية التي جدت مؤخرًا، ونعرب عن ألمنا وأسفنا على العشرات من الضحايا الذين سُرقت حياتهم، كما نعبر عن تعاطفنا مع عائلات القتلى والجرحى من فرنسا إلى لبنان ومن سوريا إلى ليبيا وتونس مرورًا بالعراق.

 

في هذا المقال لن نتحدث عن تفاصيل العمل الإجرامي الذي طال مناطق مختلفة من باريس، أوعن تداعياته، ولن نتناول بالدرس مستقبل الجاليات المسلمة المقيمة في أوروبا أو أزمة اللاجئين السوريين في العواصم الأوروبية، وإنما سنحاول معالجة الموضوع من زاوية أخرى، فنلقي الضوء على “جزئية” طالما كانت ولازالت وستبقى حاضرة بعد كل عمل “إرهابي”، ألا وهي ردة فعل وموقف جزء كبير من العرب والمسلمين.

 

في ثمانينيات القرن الماضي أيام الحرب الأهلية في لبنان، وعلى إثر هجوم لمقاتلي حزب الله الذي أسفر عن مقتل العشرات من الجنود الأمريكيين والفرنسيين، وأدى إلى انسحاب قوات المشاة البحرية الأمريكية من بيروت؛ كانت ردة الفعل الفرنسية جالبة للأنظار. عندما سئل الرئيس الفرنسي الأسبق “فرانسوا ميتران” عن تحريك الأسطول البحري والسبب الذي جعل البارجة الحربية الفرنسية “جان دارك” تقترب من الشاطئ اللبناني حتى تكاد تلامسه، ثم تستدير عائدة ويتكرر المشهد مرات ومرات بطريقة غير مفهومة وغير منطقية، أجاب “ميتران” أن ما حدث كان طبيعيًّا واعتبر المشهد نوعًا من الحركة العصبية وشبهه بالتشويح  بأحد أطراف الجسم. هو “تشويح سياسي” (Gesticulation politique) إزاء موقف اقتدى منهم أن يتحركوا، وعند الإحساس بالعجز وعدم القدرة على اتخاذ موقف معقول “شوحوا”…

 

وفي الواقع هذا بالضبط ما يفعله الملايين من العرب والمسلمين على إثر كل هجوم إرهابي، “تشويح سياسي” وتخبط كامل مع حالة من الهلع والعجز التام عن اتخاذ موقف عقلاني إزاء الفاجعة. فترى البعض يسب العرب، أي يسب نفسه، والآخر يلعن بلدانًا عربية كاملة، أي يلعن نفسه، وثالث يهاجم الإسلام، أي يهاجم دينه، ورابع يدعى محمود ولكنه “متفرنس” أكثر من الضحايا الفرنسيين و”متأمرك” أكثر من الأمريكيين، وخامس ينتقد الموروث الفقهي والتاريخ الإسلامي في عمليات لا متناهية من جلد الذات والتلذذ بذم بلدانهم وعروبتهم وإسلامهم وتاريخهم، وكأن مرتكب الجريمة الشنيعة كان قد انتخب بالإجماع من عموم العرب المسلمين لينوبهم أو يكون ممثلا عنهم!

 

بل والأدهى، أن منهم من ينتحب ويشجب ويستنكر ما وقع في باريس، من دون أدنى تعاطف معلن أو إشارة إلى ضحايا “الإرهاب” ونفس الجماعات الإجرامية الذين قتلوا في لبنان وسوريا والعراق في نفس اليوم. وهنا تجدر الإشارة أن نفس الموقف المخزي كان قد صدر عن عصبة الأمم المجتمعة في فيينا لتباحث الأزمة السورية، نددوا في بيانهم بالعمليات الإرهابية في فرنسا تقريبًا من دون الإشارة إلى ضحايا سوريا، وهي سبب اجتماعهم أو على الأقل هذا ما يدعونه.

 

وقد لا يستغرب المرء مثل هذه المواقف من مجتمع دولي منافق مزدوج المعايير، ومن شعوب مضطهدة ونخب عميلة مرتهنة إلى الخارج، أما أن يصدر نفس الموقف عن حكومات عربية فذلك وجه آخر للمأساة. ولعل ما صدر عن الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي خير دليل، إذ سارع الأخير إلى لقاء نظيره الفرنسي “فرانسوا هولاند” وأداء واجب العزاء ونددت الخارجية التونسية بالحادث الأليم منذ الساعات الأولى. المفارقة أن تونس شهدت في نفس اليوم عملية إرهابية راح ضحيتها السيد مبروك السلطاني، شاب تونسي في السادسة عشرة من عمره وراعي أغنام في جبل مغيلة من محافظة سيدي بوزيد، مكان انطلاق الشرارة الأولى للثورة التونسية والثورات العربية. ومرَّ خبر قطع رأس الشاب التونسي مرور الكرام؛ فالحكومة التونسية كانت مشغولة بتعزية الفرنسيين ومن سوء حظ الضحية، رحمه الله؛ أنه لا يدعى “فيليب” أو “جون”.

 

في مثل هذه المواقف العصيبة نتذكر ونراجع كتابات المفكر المغربي وباحث المستقبليات المهدي المنجرة رحمه الله، الذي أشار في أكثر من موضع أننا كعرب ومسلمين نعيش “الذلقراطية”، إلا أنه أخطأ عندما زعم قبل حوالي ١٥ سنة أن السيل قد بلغ الزبى وأننا تجرعنا ما فيه الكفاية من الإهانة، ولم يعد من الممكن أن يتقبل الشارع العربي مزيدًا من المهانة، فها نحن نُصر على تجرع المزيد من الذل ونُصر على الإساءة إلى أنفسنا في حركات بهلوانية تعيسة تصور واقع الهزيمة التي استمرأناها.

 

أما عن الدعاوى التي يلوح بها البعض من أبناء جلدتنا الزاعمين أن العرب والمسلمين لا يصلحون للحضارة وتليق بهم الدكتاتورية، وعن تهمهم الجائرة التي تنتقص من إنسانية أبناء أوطناهم وتتجنى على تاريخ أممهم، وتسب مقدسات شعوبهم في ربط سطحي ساذج بين الإسلام و”الإرهاب”، فوجب إنعاش ذاكرتهم؛ فلا ستالين ولا باقي قادة الدول الغربية الذين قتل بسببهم العشرات من ملايين البشر في الحربين العالميتين كانوا مسلمين! وعلى ما أعلم لم يكن أحد من قادة الدول الاستعمارية من معتنقي الدين الإسلامي عندما قتلوا وشردوا الملايين من مناضلي حركات التحرر الوطني في عشرات الدول، من إفريقيا إلى آسيا وصولا إلى أمريكا اللاتينية! وحتى هذه “النظم العربية الرجعية التي أفرزت الجهل والتطرف” فكانت ولا تزال مدعومة من الدول الغربية الكبرى التي تحمي عروشها مقابل ثروات شعوبها المنهوبة!

 

من جهة أخرى، وبالنسبة لما يرتكبه “الدواعش” من أعمال إجرامية، فهي عمليات جبانة مدانة يدينها الإسلام وإن اُرتُكبت باسمه. ثم إن موضوع “الإرهاب” معقد ومركب ويتطلب تفكيكه والغور في أسبابه والبحث في مرجعياته، بل وإعادة تعريفه؛ عشرات الصحف بعيدًا عن التهم الجاهزة والكليشيهات البالية، أما محاولة إلقاء اللوم على مليار مسلم ووضع دينهم موضع اتهام فهو مرفوض كليًّا!

 

أما عن مراجعة الموروث التاريخي والمدونة الفقهية، وإن كان مطلوبًا؛ فهو حق يراد به باطل. وفي نفس الإطار تجدر الإشارة إلى ضرورة الدعوة إلى مراجعة كاملة وشاملة للتاريخ الاستعماري القديم والمتواصل، وثقافة الهيمنة المتجذرة عند العديد من القوى الغربية، ولعل فرنسا إحداها… بالإضافة إلى وجوب إعادة النظر في تاريخ العديد من الزعماء والقادة ممن صنفتهم الذاكرة الغربية عظماء، وقد يصنفهم القانون الدولي والتاريخ، لو لم يكتبه المنتصرون؛ مجرمي حرب وإرهابيين دمويين. قد نذكر منهم العنصري البريطاني “ونستون تشرشل”، والمجرم الفرنسي “شارل ديجول”، وغيرهم من رؤساء أمريكا، إذ يؤكد المفكر العالمي “نعوم تشومسكي” أنه و”في صورة تطبيق “مبادئ نورمبرغ”  فسيتوجب شنق كل الذين تولوا رئاسة أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية”.

 

وفي سياق متصل بالحديث عن “الإرهاب” وبعيدًا عن تبريره، وجب التذكير أن “داعش” ومشتقاتها نتيجة مباشرة، إلى جانب أسباب أخرى؛ للاستعمار والثقافة الكولونيالية وسياسات الإذلال الغربية في المنطقة العربية، وهو ما يشير إليه “تشومسكي” في أغلب محاضراته وكتبه، وهو ما أكده الكاتب الأمريكي والمحلل السابق في وكالة المخابرات الأمريكية، “جراهام فولر”، الذي يقول أن داعش ولدت من رحم السياسات الاستعمارية الغربية في منطقة الشرق الأوسط. بل يؤكد “فولر” في كتابه “عالم من دون إسلام” أنه حتى في صورة عدم وجود مسلمين وعدم وجود الإسلام كدين في هذا العالم، وفي ظل تواصل نفس هذا التوجه الإمبريالي الغربي تواصل نفس السياسات الاستعمارية؛ فإن ظهور تنظيمات من طينة “داعش”، وإن لم يكن دينها الإسلام؛ أمر حتمي.. أما عن الخطاب الديني لمجاهدي أبي بكر البغدادي، فهو أداة ووسيلة بروبغندا تعتمدها هذه التنظيمات لتبرير أفعالها وإضفاء شرعية على عملياتها.

 

أخيرًا وليس آخرًا، نبدي تعاطفنا ومساندتنا للشعب الفرنسي وكل الشعوب المضطهدة، ونندد بكل العمليات الإجرامية أيا كانت أسبابها والمرجعية الفكرية لأصحابها، أما شعوبنا المستضعفة ونخبنا العميلة، ممن نخر الوهن والضعف والمهانة والاستعمار الثقافي والسياسي والاقتصادي والنفسي عروبتهم وإسلامهم، فكفاكم نحيبًا وتخبطًا و”تشويحًا سياسيا” ولا تكونوا ملكيين أكثر من الملك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد