مقال على هامش رواية (ميّت حيّ) للكاتب محمّد معلّى

السرد والموت وآلية التكييف

حين دخل عليّ صديق، ذات صباح، وجد على مكتبي رواية «ميّت حيّ» للكاتب محمّد معلّى وكُنت أيّامها أسترق منها صفحات كلّما استطعت إلى ذلك سبيلًا، فنظر إليها ثمّ قال مازحًا: «ع الصباح يا فتّاح»، أسوق هذه القصّة الحقيقيّة مدخلًا لفلسفة الحياة والموت التي حكمت الرواية من أولها إلى آخرها، ولعلّ محمد معلى وهو ينشئ نصّه هذا كان يستحضر ردّة فعل صديقي هذا وغيره ممن وقعت أعينهم على هذا الكتاب قصدًا، أو على غير ما يشتهون، فَإن تُدخلك لغة العنوان رأسًا في حقول الموت والحياة، من شأنه أن يُحفّز فينا كيمياء الخوف، فتأخذنا النفرة من هذا الحديث وتكون ردة فعل النظام الحسيّ التكيّفيّ للدماغ على شاكلة ما كان من خوف الصديق.

ورغم أنّ الشعور بالخوف ليس أمرًا سلبيًا على الدوام، فلطالما شكّل آليةً لبقاء البشر على قيد الحياة طوال ملايين السنين، إلاّ أنّ الكاتب محمّد معلى وهو يجعل وقائع روايته بأكملها تجري داخل المقبرة، لا أراه إلاّ واعيًا بتوجس النفس البشرية من قصص الموت وحساسية وعينا الجمعي في التعاطي مع هذه الحتمية الكونية منذ الأزل، فاختار تقنية تعريض النفس إلى الخوف الدائم من الموت وهذا من شأنه أن يخلق لديها فرصًا للتعوّد، ويُنَمّي عندها حالة من التسامح والتآلف مع تلك المخاوف، ويغدو الموت بالنسبة لشخصيات محمد معلّى أو القارئ، فعلًا مألوفًا قابلًا للتكييف النفسي اليسير.

المحليّة ومخاطر الموت داخل الشرنقة

قبل الخوض في مسألة التلهيج على اعتبار أنّها مدار الحديث في هذا المقال، أردت أن أسوق على هامش قراءتي لرواية ميّت حيّ للكاتب محمد معلّى، رأيًا يتعلّق باحتفاء الرواية بالمحليّة الصفاقسيّة على نحو لافت، ففضلًا عن اللهجة التي نخوض فيها لاحقًا، فإنّ الرواية تكاد لا تغفل في سطر من سطورها أو حدث من أحداثها، عن ذكر تفصيل من تفصيلات الحياة بهذه المدينة سواء ما تعلّق بالزيجات أو الأختان أو المآدب أو حتّى فساطيط المآتم وطقوس الدفن، وكأن الرواية في بعض مناحيها خوض في أنتروبولوجيا المدينة على طرائق أهل الأدب ومساربهم.

وكأنّي بمحمّد معلى تأخذه نشوة الانتماء والدراية بالخرائط النفسية والاجتماعية للمدينة، فتغدو سرديته تلقطًا لتفاصيل الحياة والموت وسط خطّ قصصي ناظم بطله المختار حفّار القبور يتقلّب في أوضاع اختارها له الكاتب بعناية ليرسم من خلالها مشهديّة محليّة فلكلورية في بعض تجلّياتها، هو يوم المدينة يسلّط عليه الكاتب بؤرة من الضوء الساطع ويركّب مشاهده بانتظام تتدفق فيه الأحداث بين الذكرى وحاضر القصّ تدفقًا يصور حفّار القبور وهو يعيش أمسَهُ في يومه، وحُزنَه في فرحه وحياته في موته، فهذه طقوس الزواج يحتفي بها محمّد معلّى باعتباره حدثًا له رمزيته الدقيقة وتُبذل لأجله المُهج والأرواح وتتجنّد له العائلات بالمال والرجال.

يقول «حفل الزواج كان ككل الأعراس أياما وليالي في بيت أبيها. يوم الحنة ذهبت وأترابها من الأهل والجيران إلى حمام المدينة للاستحمام ولإزالة أدران عزوبية دامت سبع عشرة سنة». (الرواية ص 20) ولا يَغفل محمد معلّى عن الصَنّاعات والحناء والرجينة والنقوش ونسوية الزوايا الخبيئة في أنفس الصبايا وذكرى الآلام المدفونة في رائحة السكر والليمون، وهنّ يتهيأن للزواج يقول: «فخالتها هذه سلختها يوم أمس لمّا انفردت بها في الغرفة أغلقت الباب وطلبت منها أن تنزع ملابسها واخذت عجينة مصنوعة من عصير الليمون والسكر طبختها على نار هادئة». ( الرواية ص21).

ويتوقف محمّد معلى فى روايته «ميت حيّ» أيضًا عند عادة أخرى تبقى لصيقة بعوائد الفرح وهي «السْبوع»، يقول: «بعد أسبوع امتلأ البيت بالنسوة جئن يهنين العروسين، طربن بالغناء والرقص ثمّ أحضرت أخت المختار سمكة كبيرة ملأت طبقًا كبيرًا زينته بأنواع الزهور وطلبت من العروس الرقص والقفز على الحوت». (الرواية ص23) وهذه الوثائقية أو التسجيلية في الرواية لا أراها إلا اختيارًا واعيًا ليس لها من مقصد الأوسم النصّ بالمحليّة اللازمة على اعتقاد بعض النقاد في كون المحليّة هي بوابة الأدب الحقيقي إلى الكونية.

ويتواصل تحشيد المواقف الفولكلورية في النص عبر تركيز عدسة السرد على طقوس المدينة في ختان الأطفال، فتختلط الألوان ويسوق معلّى معرفته بأصول العادات وكيف توارثها الناس كابر عن كابر، يقول منتقلًا من سلطة الوصف إلى سلطة التعليل: «توجّهت الأنظار إلى الطفل الصغير وهو يجري مزهوًّا بما يرتديه من ملابس تقليدية جميلة جبة بيضاء تحتها سروال عربي وصدرية ويضع على رأسه طربوشا أحمر تتدلّى منه خيوط سوداء يضعه عادة البايات والأمراء افتخارًا بانتمائهم العثماني وصار الأعيان يقلدونهم في ذلك». ( الرواية ص 90)

ولا يزال محمّد معلّى محتفيًا بتفاصيل حياة المدينة حتى في جنائزها، فيُنزل المختار إلى القبر ويستعرض معه مشهدًا سرديًا احتفل فيه الكاتب باستيتيقا الدفن وأصوله في ما يشبه الدرس المثال يقول: «نزل المختار إلى القبر حافيًا وطلب من أحد المرافقين خلع حذائه قبل النزول معه ليساعده في تلحيد الميت، احتضن المختار الميت في رفق إذ جعل يده اليمنى تحت الرأس والرقبة والكتفين ويده اليسرى على الصدر بينما أخذه المرافق بكلتا يديه فوضع اليد اليمنى تحت حزامه واليد اليسرى تحت رجليه ووضعاه في حنو في القبر». ( الرواية ص49)

ولا يزال الكاتب يجتهد في إتاحة المناخات القصصية اللازمة لشخصياته ليمرّر من خلال أقوالها وأفعالها إرثًا محليًّا تحضر معه عادة الأسمار في رمضان (ص32)، وتَحَوُّط أهل المدينة من غوائل الزمان واجتهادهم في مغالبة الظروف عبر عادة «العولة»(ص34)، ويتحدّث أيضًا معلّى عن مشاكل الأرث وتشتت الملكيات وما قد يقع بين الأخوة من فتنة تقسيم ما يخلفه الآباء والأجداد. (ص54)

ويزجّ الكاتب بشخصياته في صخب الأسواق والملاعب، لنتعرف على عادة الحوت المالح التي لم يفت معلّى أن يعرّج عليها باعتبارها أيقونة المدينة المقدّسة يقول: «فيدفع الزبون الثمن ويأخذ سمكته، كانت هذه الطريقة من عادات أهل المدينة في شراء الحوت المالح يأكلونه يوم عيد الفطر». (الرواية ص105)

فيخفت صوت الكاتب ليفسح المجال للأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع لرصد صور الحياة في المدينة، وما دمنا نخوض في حديث الأيقونات، فلا بد أن ننبّه إلى سمتين تطبعان المدينة لم يهملهما محمد معلّى وهما الدراجة النارية التي تحضر باعتبارها وسيلة تنقّل المختار ورمز خصاصته، ولكنها تصبح رمزًا من رموز المدينة حين يركّز الكاتب على لونها، يقول: «أخذ المختار دراجته فاستوقفه عادل وطلب إليه أن يوصله صهره على الشاحنة هو وزوجته لكن المختار قال له: «تو نمشيو عالزرقة». (الرواية ص96) أما الأيقونة الثانية المميّزة للمدينة فهي الجمعية يقول: «ملاّ امبيلانس البارح في الاستاد غناء وشماريخ والجمعية ربحت».( الرواية ص45)

ذلك هو عالم رواية «ميّت حيّ»، عالم من الصور المتراكبة على نحو أراده محمّد معلى أن يكون إخبارًا عن نبض المدينة المفعم بالحنين المعتق، رغم أن حاضر القصّ هو حاضر ما بعد ثورة 2011 بلا جدال، والأدلة كثيرة من النصّ، جاثمة في تفاصيل الحوار والسرد، يقول: «دار بينهم حديث طويل في السياسة فقد كان كل واحد منهم يسرد مغامراته يوم 12 جانفى وكيف واجه البوليس وكيف شارك في المظاهرة التي يعتقدون أنّها دقت المسمار الأخير في نعش رأس النظام». (الرواية ص 84)

لكن رغم هذا الانشداد إلى الراهن السياسي والاجتماعي والحضاري، إلاّ أنّ الرواية ظلّت تميل بشقّها الأعظم روحًا ومناخًا ونفسًا قصصيًا إلى دهاليز الذاكرة الحيّة للمدينة تؤثّث بها الجوّ العام للأحداث، وهو ما أسميته بالإغراق في الذاكرة المحليّة، ويبقى السؤال النقدي المهم إلى أيّ مدى يمكن أن يكون الأدب تصويرًا للواقع بعين فلكلورية موغلة في تفصيلات المشهد المحلي بفساطيطه وأعراسه ومآدبه وأسماره؟ أليس هذا هو دور الفوتوغرافيا وعدسات الكاميرا وأقلام والمختصين ودراساتهم؟ هل أنّ الخوض في حديث «الرجينة» و«العولة» والطربوش العثمانى والشماريخ والجمعية من شأنه أن يضعف نخوة الأدب وكبرياءه؟ وهل أنّ النصوص الموغلة في رحم محلّيتها تستطيع أن تنجو من خطر التفاف هذا الحبل السُرّي حول أعناقها حدّ الاختناق؟ الإجابة ليست باليسر الذي طرحنا به هذه الأسئلة، فالأمر موقوف جميعُه على صنعة الكاتب ومهارته في حياكة خيوط هذا المنسج الدقيق، فذيوع رواية أمريكا اللاتينية وانتشارها لم يكن بسبب احتمائها برداء محليّتها، بل لأنها صهرت هذا المعطى بإتقان داخل أدب يحمل فعلًا جينات عالميّته واستطاع أن يكسر هذه الشرنقة للانطلاق نحو كونية المجال الرحب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد