بعد مرور أكثر من ثمان سنوات على انطلاق الربيع العربي وعلى وقع ما تعيشه المنطقة مجددًا من تحركات شعبية في الجزائر والسودان، فإن سير الأحداث يبعث في الأذهان عدة أسئلة ومحاولات تقييم، ومن أبرز الأسئلة التي رافقت الاحتجاجات في منطقتنا هي مدى واقعية المطالب التي تنادي بها أصوات المحتجين، وهل ما يجري هو صحوة حقيقية نابعة من وعي ونضج وطني، أم هي عاطفة وانفعالات مدفوعة بالغضب من الأوضاع المعيشية الرديئة؟

وقع استعمال صفة العاطفية في سياق الربيع العربي للدلالة على الاندفاع والشحنة الثورية العفوية وسقف الطموحات المرتفع والمطالب التي تفوق إمكانيات الشعوب الاقتصادية والبشرية والسعي للتغيير الحيني والقطع الفوري مع أنظمة أحكمت سيطرتها على مؤسسات الدول ومقدراتها وصنعت شبكات من المصالح المالية والسياسية المعقدة والعصية على التفكيك، مما تسبب في خيبات جماعية وخلف توترًا بين فئات المجتمع ومؤسساته وبعث الشك في جدوى المطالبة بالحقوق وعجل في انقسام الشارع وأتاح للأنظمة القديمة إعادة التشكل والعودة في أثواب أخرى وبمسميات جديدة.

في الحالة التونسية ذات الأسبقية الزمنية في الاحتجاج فإن ما تحقق حتى الآن يعتبر هزيلًا مقارنة بشعارات الثورة، بل إن بعض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية شهدت تدهورًا مقارنة بالفترة السابقة للاحتجاجات، بالإضافة إلى مردود سياسي وحزبي دون المأمول أتاح العودة القوية لرموز النظام القديم بعد إفلاتهم من المحاسبة، وهو ما يتناقض تمامًا مع الطموحات والآمال المرجوة من الثورة فصار التشكيك في جدواها خطابًا يسهل تمريره، وسمح ذلك بإمكانية إعادة النظر في الأحكام التي أصدرها الشعب ضد وجوه النظام القديم، وما آلت إليه الأوضاع في تونس بعد الثورة يعتبر هينًا مقارنة بالسيناريوهات الدموية والانقلابية التي انزلقت فيها التحركات الشعبية في دول عربية أخرى، وهو ما يبعث على التفكير في أن الشعوب كانت طفولية ومندفعة ومطالبها غير واقعية وأن شعاراتها قد صاغها الغضب والمزاجية، وأنها لم تراع حقيقة إمكانياتها وخصوصيات بلدانها وأن الأنظمة التي حكمتها هي الأكثر قابلية لتسيير شؤونها.

فلماذا نعيش اليوم إذن موجة ثورية جديدة رغم النتائج العكسية في بلدان الانطلاقة أليس الأحرى بالعاطفة أن تحرك في الشعب الجزائري والسوداني مشاعر الخوف من المجهول والرضوخ؟ أليس من الأجدر بهم الاتعاظ من التجارب السابقة؟

في عدة محطات مرت بها الشعوب في سعيها للانعتاق نجد أن العاطفة كانت حاضرة بقوة في تحريك الجماهير، فاستثمار مشاعر الغضب والاحتقان وتفجير طاقاتها ضد من تسبب بها هو سلوك إنساني ورد فعل طبيعي تجاه القمع وسياسات التفقير التي انتهجتها الأنظمة، فلا يمكن إنكار أحقية ملايين المقهورين في التعبير عن غضبهم، لكن التحركات الشعبية في المنطقة العربية لم تقف عند مستوى العاطفة، بل هناك مؤشرات كثيرة تدل على أشكال من الذكاء والاستعداد الجماعي للتغيير على أسس حضارية مما يخرج الاحتجاجات من منطق العفوية المحضة ويدعم فرضية أنها نتاج تراكمات وتجارب مرت بها شعوب المنطقة وساهمت في نضج وعيها.

إن ما صنعته عصور من الانحدار الحضاري بالمنطقة العربية يليها الاستبداد السياسي الذي عاشته شعوبها غداة الاستقلال ليس بالأمر الهين، فقد أسست أنظمة الحكم فيها للتخاذل في نفوس الناس عبر إقصائهم من حق المشاركة في تقرير مصيرها وتحييدها من الشأن العام والمساهمة في بناء مستقبلها، وعملت على إسكات كل نفس عقلاني ورفض كل أشكال التقويم، والذي واجهته الأنظمة العربية بعنف شديد وأعداد هائلة من السجناء السياسيين وسجناء الرأي ناهيك عن الاغتيالات والاختطاف لكن الشعوب نجحت في الإفلات وكسر طوق التخويف وعقلية الغصب التي عملت الأنظمة على بنائها في عقول الناس، وانطلقت تنادي بإسقاطها بسلمية على عكس منطق السلطة التي كانت عنيفة في تعاطيها مع الاحتجاجات مما سحب منها بقية الشرعية وعجل في رحيلها، وأسقطت بذلك عدة مشاريع حكم كانت تعد لتوريث السلطة لأجيال معولة على ارتباطاتها في الداخل والخارج وكسرت أسلوب حكم دام لعقود.

اعتمدت الجماهير الثائرة كثيرًا في عملية الالتفاف حول قبضة السلطة على أدوات الاتصال العصرية المتمثلة أساسًا في وسائل التواصل الاجتماعي، إذ طوعت سرعة انتشار المعلومة وسهولة مشاركتها في تعرية جرائم الأنظمة والتشهير بها، ما باغتها وأربك أدواتها التقليدية مثل الإعلام الرسمي والرقابة المسبقة على الإنترنت والصحافة والقبضة الأمنية وأفقدها فاعليتها، ففقدت الأنظمة توازنها بسرعة وهو دليل على ذكاء جماعي بدأ يتعلم توظيف أدوات عصره في خدمة أحلامه.

قفز حركة الاحتجاج من بلد عربي إلى آخر دون مراعاة الترتيب الجغرافي للدول والفوارق الزمنية التي تفصل بينها، يؤكد أن الشعوب كانت تحدد التوقيت الزمني واللحظة الملائمة حتى تنزل إلى الشارع وأنها تكيف مطالبها وشعاراتها مع طبيعة كل نظام وحسب سياقها المحلي، فتقوم بتنزيل أفكار الربيع العربي مع مراعاة واقعها الخاص مما يجعل مطالبها أكثر واقعية وملائمة لبيئتها.

ما نعيشه اليوم من انبعاث للروح الثورية في المنطقة رغم حملات التشكيك والانتقاص من جدوى التحركات، يدل على توغل فكرة التغيير في ذهن الإنسان العربي وأنه بدأ يدرك كونية القيم الإنسانية مثل الكرامة والحقوق الأساسية والعدالة وقد بدأ في تحصين نفسه من دعاية السلطة التي شوهت التحركات منذ لحظة انطلاقها وما زالت آلتها الإعلامية تعمل على إحباطها.

فتحت شعوب المنطقة لنفسها آفاقًا واسعة وعددًا كبيرًا من الاحتمالات، فيما تزال الاحتجاجات متواصلة ومؤثرة بدرجة أولى في صياغة الأحداث وما زالت الجماهير تبرع في تنوع وإبداع أشكال احتجاجية جديدة، ومن المبكر الحسم ما إذا كانت ستسلم هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية لجلاديها، وتصنيف التحركات ضمن العاطفة هو استباق لمرحلة تاريخية ما زالت في قمة حيويتها ولم تنته جولاتها بعد، وقد شهد التاريخ ثورات وحركات تحرر تتحول إلى تجارب ملهمة ومصدر لصياغة معايير وخيارات إنسانية جديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد