مُنذ بضعة أيّام وبينما كُنت أتجوّل بين ثنايا الفيسبوك لفت نظري حوار دار على أحد الصفحات الرياضية بين شابّين عربيّين من جنسيتين مُختلفتين، بدأ الحوار كالمُعتاد رياضيًّا -كما يُفترض به أن يكون- لكنّه سُرعان ما بدأ يفقد رُوحه الرياضيّة شيئًا فشيئًا واتخذ مسارًا تصاعديًا في حِدّته، تنازليًا مُنحدِرًا في أخلاقه بشكل يفوق الوصف.

بدأ الحديث عن لاعب مُعيّن ورأي كُلّ طرف منهما في أدائه، ثم تدرّج الحِوار تدريجيًا لينتقل إلى عدّة مواضيع أخرى، فمن كرة القدم انحرف المسار ليُربط الموقف بالدين دون أي رابط مُباشر، ومن ثم رُبط تشجيع فريق آخر بالقومية والعرقية، ومنها انتقل الحوار ليتخذ شكلًا شخصيًا عن طريق القليل من الاتهامات ذات القصف العشوائي، بعض الاتهامات المعلبة كالخيانة والتطرف والجهل، تلاها وابل من الشتائم والصفات الغريبة كالداعشي واللاجئ والبلحة وغيرها من الأوصاف التي لم يكن ينبغي أن تُذكر في سياقٍ كهذا، ووقفت حائرًا هنا أريد أن أرى نهاية الحوار ستؤول إلى أين.

ولأن حوارًا بهذا الجمال لا يجب أن يكون حِكرًا على الشابّين فقط دخلت أطراف أخرى من جنسيات مُتشابهة ومُختلفة، بعضهم حاول تخفيف حِدّة النزاع وآخرون من عُبّاد العنصرية أصحاب الأفواه القذرة كانوا يضعون الملح على الجُرح ويستفرغون كلامًا يليق به وصف الاستفراغ فقط، وانتهى الحوار بعدها بشتائم ختامية مُتسفزة تليق بالمشهد طالت عِرض شعوب بأكملها، وانتهت متابعتي لهذا الانحدار الحضاري لأجد نفسي عائدًا أدراجي أبحث عن النقطة التي بدأ الخلاف فيها، وإذا عُرف السبب بطُل العجب.

«المُنتخب المِصري يجب عليه أن يمتنع عن المشاركة في مونديال روسيا لأن روسيا تُحارب في سوريا وتقتل السوريين، والمشاركة في المونديال «خيانة» وينطبق ذلك على المنتخبات العربية الأخرى، وهذا واجب ديني قومي عربي».

هُنا تحديدًا لمع في ذهني برنامج «الرابط العجيب» الذي كُنا نُشاهده على قناة سبيستون في طُفولتنا، وبدأتُ بعدها ألحظ تكرار حوارات مماثلة بذات التدرج العشوائي الغريب والأسلوب الهمجي البذيء الذي يفتقر لأدنى أساسيات الحوار التي يعتبرها بعضهم كماليات لا ضرورة لها، ويؤمنون بنظرية الرأي الواحد الذي لا شريك له، فإمّا أن تقتنع برأيهم وإما أن تقتنع، لا خيار ثالث أو سيبدأ الحوار بالتحول تدريجيًا ليأخذ مُنحنى مماثلًا للمنحنى السابق. ولهذا وبكُلّ جدارة، فنحن نستحق لقب «شعب الكوكتيل العربي».

استطراد سريع

التعميم على إطلاقه حُكم خاطئ وهذا لا شكّ فيه، ولكن عندما يتحول الأمر إلى ظاهرة مجتمعية متفشية فيجب الوقوف مليّا وإعادة ضبط أوتار الحناجر لتُخرِج لحنًا سويًّا، بعيدًا عن أي احتقان مجتمعي أو تطرف فكري وهو آخر ما نريده هُنا في هذا المقام، لذلك وجب التنبيه.

وبالعودة إلى موضوعنا، وليُعد كُلّ منكم في ذاكرته قليلًا ليجد ذلك الكوكتيل الموصوف أعلاه يتجلى في موقف واحد على الأقل في الفترة الماضية، ولمن خانته الذاكرة فليتذكر بعضًا من ما يلي:

تُغادر مسافرًا إلى بلد معين، وتُساء مُعاملتك على الحدود لموقف دولتك من حرب مُعينة -ليست طرفًا فيها- والذي أزعج بدوره دولة أخرى -ليست طرفًا أيضًا- تقف حليفًا لدولة ثالثة -تُصفي حساباتها على أرض الدولة التي تشتعل نار الحرب فيها- وعليك أنت باعتبارك مواطنًا بسيطًا أن تدفع الثمن، بهذه السذاجة والعشوائية المُطلقة.

تُدير التلفاز بعيدًا عن القنوات الإخبارية التي تقطر دمًا وتُكرر ذات الأخبار يوميًا فقط بارتفاع ملحوظ في عدد القتلى هنا وهناك، تتجه بجهاز التحكم إلى أحد القنوات المرموقة ذات الطابع المجتمعي الترفيهي الذي لا شأن له بالسياسة -كما هو مفترض- لتجدها توقفت عن عرض مُسلسلك المُفضل بسبب خلاف مع دولة أخرى تم تصوير المسلسل وإنتاجه فيها.

يُغادر أحد عُلماء الفيزياء كُرسيه المتحرك ليواريه التُراب فتُضرب كل أبحاثه في العالم العربي بعرض الحائط ويصبح مصيره في الآخرة ما بين الجنة والنار هو الشغل الشاغل لنا، وقد ينتهي بك الأمر في الدرك الأسفل من النار مجاورًا له إن خالفتهم الرأي.

يزور فنان لم يصف نفسه بالملتزم يومًا لبلد ما، ليُقدم فنًّا لم يصفه يومًا بالمُلتزم وإنّما بالهادف، ليُصنفه البعض بالمتسلق على جدار الدين، ويكون مُجبرًا على تحمّل بعض التصرفات السلبية التي قام بها نسبة ضئيلة من الجمهور، ويقف مكتوف اليدين مُبتسمًا دون أن «يداري» مُنتقديه تاركًا إياهم لربّ العباد ليُحاسبهم على نواياهم.

ناهيك عن تحوّل منصات التواصل الاجتماعي لدوائر إفتاء مُتنقلة وحلبات مصارعة ضخمة في فترات أعياد غير المسلمين ليحكموا بتحليل وتحريم التهنئة، ويختلفون فيما بينهم إلى حد النزاع والاختلاف.

أليس كوكتيلًا؟

بلى، لكنه كوكتيل مُرّ المذاق، سيء الصورة، نتن الرائحة، يهدم لا يبني، يقتل ولا يُحيي، ويُجبرنا على طرح السؤال.

كم هو صَعب أن نُناقش الأفكار بعيدًا عن الأشخاص، كم هو صعب أن نُحافظ على نظافة اللسان وسلامة القلب تجاه من نحاور، كم هو صعب أن ننبذ العنصرية المُقرفة ونُحاور الإنسان لأنه إنسان فقط بعيدًا عن الدين والعرق والقومية، هل هو مستحيل أن نُحاور ولا نُجادل؟

أخشى ذلك، وأخشى من هذا الكوكتيل السامّ جدًا أن يفتك بنا أكثر ويُمزق ما تبقى من وحدتنا، ومن عُروبتنا، فاحذروا منه لُطفًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد