انفجرت براكينُ الغضب التي ظلّت تلتهب عقودًا في الوطن العربي احتجاجًا على تدهور أحوال البلاد، وأوقدت تونسُ الخضراء الشعلةَ الأولى، التي كانت إنذارًا للحكام، وتحفيزًا للمحكومين، وتحول الأمر من مجرد احتجاجات لتغيير قانون، أو تبديل مسؤول إلى انتزاع رؤوس أنظمة، وانتخاب غيرها.

   واستنشق الناسُ شذا الحرية، واستشعروا الأمان، وظنوا أن الكون تغير لونُه، وصار ورديًا يفوح منه عبير الأزهار، وأن بلادهم أصبحت حقلًا خصبًا لزراعة النهضة، وتشييد الأمجاد؛ فشمروا أيديهم للبناء، واتخذوا من الثورة سبيلًا للتغيير، وظنوا أن الحرية مطلقة لا سقف لها، واتهم كل فريق الآخر بالخيانة والعمالة؛ فصارت الحرية حرب كلام، ومناظرات تبريرية ليُظهر كلّ منهم وطنيته، ويهدم الآخر؛ فلم يستمروا قليلًا، وسُلِبت حريتهم المزعومة.

  وكان لأبناء التيار الإسلامي (كما يُطلق عليهم) النصيبُ الأكبر في استغلال تلك الحرية، واغتنام الفرصة بوسائلهم الجاذبة للشباب؛ فطافوا البلاد لنشر دعوتهم، وتلقين أفكارهم – السيئة منها والحسنة – وتوجيه المسلمين وتنبيهِهم لما يأمر به الدين، وما ينهى عنه؛ فوجد الشباب من يرعى المواهب ويهذِّبها، ويزرع الأخلاق ويحسِّنها، وتحولت منصات التواصل الاجتماعي – باعتبارها عقول الشباب المفتوحة على العالم – إلى منابرَ ممزوجةٍ بالدين والثورة معًا، يُدَوِّن كلُّ واحدٍ خُطَّة مستقبله القادم، وسُبُل الثأر لحقه المسلوب من جهة، ونشر ما تعلم من دينه، وما كان غافلًا عنه من جهة أخرى.

  وفي نهاية المطاف سقط أولئك الشباب بين انتصار الثورات، وبقاء الأمر كما هو عليه، وأُصِيبوا بمِحنة العشق؛ فتحولت منصات الاحتجاج إلى مسارح لعرض حكايات الحب تارةً، والتغزل في جمال المحبوبة (المُتَخَيَّلة) تارةً، والسخرية من مشاهير الفن والسياسة تارةً ثالثة.

  أما عن أولئك الدعاة المنبهين الناهين عن الأخطاء، والناصحين الـمُوجًِهين فقد خرست ألسنتُهم خشيةَ الفتنة، ولم تصمت عن الاحتجاج فحسب، بل توقفت عن التربية وتوجيه الشباب التائه؛ فخرج جيل جديد لا يعرف عن دينه سوى بعض العادات والعبادات المشهورة، التي لا يقربها من الأساس، وكيف يُطَبِّقها مادام غافلًا عن ثواب مؤديها، وعقاب تاركها، وما دام المنوطون بالتذكرة أنفسهم غافلين، أو بمعنًى أدق مُتغافلين عنه!

  وأما الشباب الذين نالوا نصيبًا من توجيه الأقدمين فرغت عقولُهم من الالتزام، وامتلأت قلوبُهم بفتاة الأحلام، يُريدها عفيفةَ اللسان والملبس، وطاهرة الفكر والسمعة، وتُريده حنونًا متدينًا، يكون لها المعين على الطاعة، والآمِرُ بالمعروف، والناهي عن المنكر (يُريدها مُنتقبة، وتُريده مُلتحيًّا)، وشاعت الصور الشاعرية بين مُلتحٍ ومحجبة أو منتقبة – وهي في ذاتها فتنة –  ورويدًا رويدًا صار  – دون أن ينتبه – يقعُ فيما كان ينهى عنه أمس؛ يجهر بذنبه، ويستبيح الحرام! وينغمس في الواقع؛ فسار مع التيار، وأصبح الغزل الصريح الذي كان يؤمن بحرمته – سابقًا – وسيطًا بين الصريح والعفيف، أو يتحايل ويُحلل لما يوافق هواه: ما دام لا يُثير فهو حلال! إلى أن وصلنا لدرجة أنك لا تستطيع أن تفرق بين الملتزم والمراهق الطائش من أسلوب كلامهم وألفاظهم الخارجة أحيانًا.

  وتبخرت أحلام البناء والتغيير، وحل محلَّها البؤسُ والقنوطُ، والهروب من المشاكل لا حلها، وأضحى ذاك الثائر مكبّلَ الأيدي، ومقيدَ اللسان، تتوالى المِحَنُ فوق رأسه، ولا يملك غير الصبر والأمل الزائد عن حده، يسعى وراء الهجرة إلى عالم هادئ، وحياة مستقرة، أو يختصر الطرق وينتحر! وأصبحنا مذبذي الحس، نسخر من الحقيقة المرة، ونُظهر السكينة والثبات، وبداخلنا عبء مرير، وحمل ثقيل كالصخرة التي لا تنكسر، شباب شاب من مرارة الحياة التي لا تَبْني في طريقه إلا السدود المُثَبِّطة، وتهدم كل جسر إلى طريق الأحلام.

  فيا حاملي هَمّ الدين، هلا عُدتم من جديد لتصلحوا ما أفسده السابقون؟ أم كانت شعارات خادعة، وأوهمتمونا بكلام كطعم العسل في الفم؛ يفتت المعدة كالسُّم إذا وصلها؟

  وهل العيب في المربين، أم في حال البلاد، أم في ثائر الأمس الذي هُدم حُلمُه في لحظة بعد تضحيات عظيمة لا تُعوض، أم أن نوايانا لم تكن خالصة لله من البداية؛ فعوقبنا بالحرمان؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد