عندما تكتب مقالك لشخص تحبّه فتخاطبه بكاف الخطاب أحبك ورأيتك وكلمتك، فإن غاب أبدلت كاف الخطاب بهاء الغائب فتقول: أحبه ورأيته وكلمته.. ما أسهل هذه العملية نحويًا! فقط نحويًا.

اعذروني يا علماء النحو، فإن الغائب ليس له ضمير، هي هاء بلا ضمير، ولا إحساس ولا مسؤولية، الضمير الذي نعرفه نحن هو ذلك الإحساس الداخلي الذي يمنعك من الأذى، ويحثّك دومًا على نفع من حولك، ويمنعك من مغادرة مكان فيه من يحتاجك، فالضمير يحتاج إلى شخص نلمس وجوده أمامنا، نخاطبه ونتحدث إليه.

فكيف تريدون مني أن أقتنع أنّ للغائب ضمير؟ أين أنت أيها الغائب؟ وأين ضميرك عندما غبت وغادرت وكل من حولك يحتاجك؟

الغياب حالة قاسية جدًا وتصرف شديد الأذى، بغض النظر عن ظرف الشخص الغائب فقد يكون مجبرًا أو مغيّبًا، ولكن شعور الغياب والفقدان بحدّ ذاته شعور بشع، فعندما يغيب من نحبّ أو من تعلّقنا به أيًّا كانت صفته أبًا أو أمًا أو أخًا أو أختًا أو قريبًا أو صديقًا أو حبيبًا، ودون التطرق لسبب الغياب إن كان مبررًا أو غير مبرر ، إن كان سفر أو سجن أو موت أو أي سبب آخر، فإن أثر الغياب في النفس أثر بالغ الأذية.

الغياب جريمة وجناية تحاسب عليها محاكم القلوب الفارغة من أحبابها، والجريمة تكبر عقوبتها إن كانت بلا سبب مقنع أو كانت لهوىً أو لمصلحة، والغياب كالقتل فعمده جريمه وغير العمد أيضًا جريمة ويستلزم ديّة من الغائب، ديّة عمادها الأعذار الصادقة والوعود القطعية بالتوبة من الغياب وعدم الرجوع إليه.

الغائب عمدًا لا عذر له، ولا ضمير يملكه ، ويستحق القصاص وفقًا لأحكام دساتير الشوق.

إنّ من يغلق هاتفه في وجهك ويتجاهل اتصالاتك ويحاول جاهدًا ألا يلتقي بك، هذا الذي باع العشرة بأبخس الأثمان ورمى خلفه أواصر المحبة والمودة هو الغائب العمد، هذا الغائب لا يمكن أن تغفر له بسهولة، فيجب أن تستشير قلبك الذي انفطر ألمًا وتقطّع شوقًا ، وتسأل عقلك الذي أضناه تعب التفكير وأرهقته الخواطر المتنقلة كلّ حين، فإن عفا القلب والعقل فاعفُ وإن لم يغفرا فإياك أن تغامر وتغفر، فللحب قوانين وضعت لتحفظ للحب مكانته، وتضمن للقلب راحته وتأخذ حقه، وتعيد ترميم العقل وصقله.

من أشكال الغياب المؤلمة الموجعة هي الموت، فالموت يعني ذهاب من نحبّ ذهابًا قطعيًا لا مجال لعودته، عندما تمدّ يدك لتودّعه إلى قبره تدرك يقينًا أنها اللمسات الأخيرة التي لن تتكرّر، بل ومن مساوئ الموت أنّه يجعلك تحدّق في الأحياء مليًا ثم تتذكّر أنهم سيركبون قطار الغياب من إحدى محطات المغادرة.

من ناحية أخرى قد يظن البعض أنّ الموت هو أبشع صور الغياب لأنه لا مجال للعودة ولا أمل باللقاء ، بينما المُلاحظ أنّ أشدّ أنواعه هو السفر والهجرة، فلا يموت هذا البعيد فتبكي عليه وليس بقربك فتنعم بالحياة بجواره، هي حالة الموت واللاموت المتلازمتين معًا فلا أنت القادر على الموت ولا أنت المتمسك بالحياة.

من مات له حبيب قد ينساه أو يتأقلم مع غيابه، لكن من يسافر كلّ مساء إلى ديار حبيبه سارحًا بخياله كيف سينسى؟

من أشكال الغياب التي يفرضها واقعنا وعادات المجتمع هو غياب العمل، فترى الواحد غارقٌ في أعمال ومهمات ومشاغل تنسيه عواطفع وتمسح بقايا الحبّ من قلبه، فيكون غائبًا وإن حضر ويبقى بعيدًا مهما اقترب أو حاول أن يثبت قربه.

وليس بأقل أهمية غياب المرض والعجز الذي يحبسك عن لقاء رفاقك وزملائك وأحبابك اللقاءات المعتادة، ويحول بينك وبين ملذات كانت بالأمس في متناول اليد، فتبقى النفس تشتاق بعجز لكل ما فقدته، ولا تجد سلوى للقلب إلا أنها تريد الحفاظ على مابقي من صحة في الجسد كي لا تغادر هي الأخرى.

ما أقساك أيها الغياب!

لا أعلم كيف غاب عن النحاة العرب هذه الصفة المقيتة للغائب التي لا تتماشى مع الضمير، ومؤسف جدًا أنّ كاف المخاطب المقابل لك الجالس بجواره تعامل معاملة هاء الغائب الذي أدار ظهره لك وذهب بعيدًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد