تعتبر اللغة أساس جميع الاتصالات البشرية عبر الإنترنت، وركيزة على قدر كبير من الأهمية، من أجل البحث والتواصل، وتبادل المعلومات بين المستخدمين من مختلف أرجاء العالم على الشبكة الدولية.

إن اللغة هي الوجود ذاته، إنها قضية كيان وهوية، وقد أصبحت قيمة هذا الوجود وأهميته مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بثقل الوجود اللغوي على الشبكة العنكبوتية، التي تتم عبرها جميع اشكال التحاور وتبادل المعلومات والخبرات، والتي تتيح كذلك – وهو الأهم – عمليات البحث العلمي والأكاديمي عبر محركات البحث المختلفة.

وهنا تبرز الفجوة الرقمية التي ما فتئت تتسع يومًا بعد يوم، إن لم يكن ساعة بعد ساعة، حيث يلاحظ تفاوت كبير في المعلومات المتاحة بلغات مختلفة، وفراغ معلوماتي ضخم في بعض اللغات من بينها اللغة العربية، التي توجد في حالة من الاغتراب وسط هذه الهيمنة المعلوماتية اللغوية، والتدفق المعرفي الهائل في شتى المجالات. حيث ساعد انتشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الدول المتقدمة على زيادة إمكانية تخزين المعطيات ومعالجتها بكافة أنماطها وتسريع نقلها ونشرها على أوسع نطاق، عبر محركات البحث على الإنترنت.

وبفضل هذا التفوق، تمكنت الدول المتقدمة من السيطرة والهيمنة على مصادر المعلومات والمعارف باستخدام التقنيات الرقمية الحديثة، وعلى اللغات التي تتاح بها هذه المعلومات في نفس الآن؛ مما أدى إلى تسارع غير مسبوق وتدفق هائل للمعطيات على شبكة الإنترنت ووسائل الاتصالات الرقمية المختلفة على نحو من التجديد والإبداع الدائمين. وبذلك تمكنت الدول الغنية من إحكام سيطرتها على الدول النامية من خلال هذه العولمة الرقمية والمعرفية، فازدادت الهوة بينها على جميع الأصعدة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والعلمية والرقمية.

وفي هذا السياق أسفرت دراسات وأبحاث أنجزها خبراء في الميدان، من خلال مقارنة عمليات البحث التي يقوم بها محرك «جوجل» باللغتين العربية والإنجليزية، عن وجود اختلال واضح في التوازن بين المجموعتين اللغويتين، فعمليات البحث باللغة الإنجليزية تعطي نتائج تعادل من أربعة إلى خمسة أضعاف النتائج التي يحققها البحث باللغة العربية.

وعلى مستوى «ويكيبيديا» يوجد تفاوت هائل في حجم المحتوى والإصدارات بين اللغات المختلفة، حيث تهيمن اللغة الإنجليزية، تليها الألمانية، ثم الفرنسية. وهناك غياب كبير لأي محتوى في العديد من اللغات الأفريقية والآسيوية.

وعلى صعيد آخر أكدت دراسة أعدتها لجنة تابعة للأمم المتحددة الندرة الشديدة للمحتوى العربي الذي لا يتعدى 3% من إجمالي المحتوى العالمي. وهذا الأمر يشكل تناقضًا صارخًا مع حجم الإسهامات التي قدمتها الحضارة العربية على امتداد تاريخ الإنسانية.

ومما لا شك فيه أن هناك أيادي ظاهرة وأخرى خفية تعمل بكد ونشاط على الشبكة في محاولة لتكريس النموذج اللغوي الأحادي، اعتمادًا على التقدم التقني والمعرفي للغرب، وترسيخ أطروحة العولمة اللغوية التي تسعى لاقتحام مجتمعاتنا العربية على نحو يقتلع جذورنا ويجردنا من هويتنا اللغوية، والحضارية، والتاريخية، والثقافية.

إننا بصدد ظاهرة ابتلاع للهويات والثقافات، وتكريس التفوق الأزلي للغرب على ما عداه من بلدان العالم، بل تعزيز أنماط عصر الاستعمار في إنتاج المعلومات ونشرها.

منذ أمدٍ طويلٍ والمعارك تُشَنُّ الواحدة تلو الأخرى ضد اللغة العربية الفُصحى، هذه اللغة التي كانت ولا تزال مستهدفة وأعداؤها كثر، ولعل أخطرهم أبناء أمة الضاد ذاتهم، ذلك أن العدو الداخلي أخطر من العدو الخارجي بكثير، فالأول قادر على نسف البناء من الداخل.

وفي خضم هذه الفجوة الرقمية، يتضح أن الخطر الكامن على اللغة العربية يأتي من تهميشها تدريجيًا، حيث تقاس فجوة الاستخدام اللغوي بمدى كفاءة توظيف اللغة على المستوى الفردي والجماعي، وأبرز هذه الوظائف في الوقت الحالي هي الحوار عن بعد، والنشر الإلكتروني، والبث الإعلامي والإعلاني، ونشر مواد علمية واقتصادية راهنة وذات قيمة عالية تنافس نظيرتها في اللغات الأخرى. وهنا يتجلى مدى التباين بين اللغة السليمة المفترضة، واللغة الواقعية المستخدمة، فنلاحظ ازدواجية استخدام الفصحى والعامية في المجالات المختلفة، تحت مزاعم واهية ومبررات لا أساس لها من الصحة كصعوبة الفصحى مثلًا، وعدم تطورها، ومواءمتها للعصر.

ثم هناك أسباب سياسية خلفتها سنوات الاستعمار، تتمثل في الهجمة الشرسة على هوية الأمة وقيمها ولغتها؛ مما كرس ثنائية اللغة، فازدادت المشكلة تفاقمًا مع العولمة والتغريب، وعدم تعريب العلوم، مع ضعف في منظومات التعليم وفشل مشاريع الإصلاح، بالرغم من تعددها.

وهناك أسباب تعود للناطقين بها أنفسهم. فقد فشل الجميع في حمايتها وتطويرها، من ساسة كان عليهم إصدار تشريعات تلزم بتنفيذ قرارات المجامع اللغوية، ومن أكاديميين لم يستعملوها كتابة وتأليفًا، ومن لسانيين لم يجعلوا من حركة الإصلاح اللغوية نشطة ومستدامة.

إن ثورة المعلومات ثورة حقيقية، يعيشها كل شعوب العالم ولا مجال لتجاهلها على الإطلاق، ومن ثم يفترض فينا أن نتمسك بالعربية كلغتنا الأم وكشعار لهويتنا ووجودنا، وأن نتمكن من اللغات العالمية الأخرى باعتبارها تحمل العلم والمعلومات والمعارف والتكنولوجيا.

كما يجب على جميع الدول العربية أن تتبنى مقاربة شاملة، تجعل صناعة المحتوى الرقمي وتنميته قضية مجتمعية بامتياز، فالهوة الرقمية لا يمكن جسرها دون إعادة الاعتبار للغة، وتعزيز دورها المجتمعي، بالإرادة القوية، والعمل المدروس الممنهج، والتشارك الجاد، لكي نعيد للغة العربية وضعها الاعتباري وأهميتها في بناء العلاقات البشرية على شبكات الاتصال الدولية بقدر أهميتها خارج نطاقه، والعمل على تطويرها في العصر الرقمي من أجل التماسك الثقافي للأمة العربية، وتشجيع الإبداع الفكري المتميز، تأكيدًا للانتماء والهوية.

أمامنا اليوم بوابة واسعة من المحفزات المعلوماتية التي أتاحتها لنا الشبكة العنكبوتية، نحو المزيد من التفاعل المعرفي الذي يفتح الآفاق نحو الانتشار، ليس للغة فحسب؛ بل للدين والثقافة والحضارة العربية الإسلامية، ثم استكشاف الآليات التي تساعد على تدارك النقص الهائل في المحتوى العربي على الشبكة، لرسم الملامح الوطنية والحفاظ على الهوية العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد