متى تصبح الفرنسية لغة كغيرها من اللغات في الجزائر ؟

لا يمكنني أن أجد تعبيرًا مناسبا لأخبركم عن مدى سعادتي عندما أسمع سياسيًا جزائريًا يتحدث باللغة العربية، ليس لأني متعصبة لهذه اللغة كونها لغة القرآن الكريم، بل لأني أشعر بداخلي أننا استرجعنا هويتنا للحظة، لكن للأسف هذا الأمر لا يحدث كثيرًا.

وكم يؤلمني عندما أدخل مطعمًا أو مكانًا ما لأبتاع غرضًا من الأغراض؛ ليحدثني الموظف باللغة الفرنسية، وينتظر مني أن أبادله الكلمات بنفس اللغة، وإذا ما حدث عكس ذلك تغير لون وجهه واجتاحته الحيرة، واعتبرني فتاة رجعية ومتخلفة، هذا الموظف وغيره الكثير لم يستوعب بعد أننا لسنا مجرد دولة، بل الجزائر قارة تحوي الكثير من اللهجات، إلى جانب اللغتين الرسميتين: العربية والأمازيغية، هل أنا ملزمة بالتعامل بها في حياتي اليومية! بالإضافة إلى أن من يجب أن تجتاحه الحيرة؟ أنا أم الموظف؟

أعتقد أن الأمور أصبحت تسير بشكل عكسي، وهذا ما لم يفهمه معظم الجزائريون بعد، فاللغة الأجنبية نتحدث بها مع أجنبي فقط، ادأو أي نوع من التعاملات التي اضطر من خلالها التحدث باللغة الأجنبية، لكن أن تجلس أنت الجزائري مع جزائريين من أبناء بلدك وتتحدث معهم بلغة غير لغتهم فهو أمر غير منطقي.

لغتنا هجينة تختلط فيها الكثير من الكلمات، وتتغلب عليها لغة موليير بشكل كبير، فلا تتفاجىء أبدًا أيها السائح إن قدمت إلينا وسألت عن مكان ما؛ فأنا متأكدة بأن أول ماقد يتبادر في ذهنك هو:

هل أنا في باريس أم الجزائر!

في الجزائر اللهجة متداخلة بشكل رهيب؛ فتحولت إلى لهجة مرممة، كلمات بالعربية تتخللها كلمات باللغة الفرنسية والأمازيغية، فالهدف الأول الذي ركز عليه الاستعمار الفرنسي هو تدمير اللغة، واستبدال لغة جديدة بها ليؤكد أحقية وجوده، وليضع لنفسه مكانة الصديق المتحضر، فألغى الآخر ليثبت وجوده.

هل اللغة جزء من الهوية؟

لايمكننا بأي شكل من الأشكال أن نفصل اللغة عن الهوية، إن اللسان الواحد منذ الوجود هو الذي صنع لنا جماعات مختلفة كل جماعة لها مبادئ وقيم تخصها دون غيرها وتميزها عن باقي الجماعات، ونجد نحن الباحثين عن العمل والمتخرجين الجدد مأزقًا كبيرًا فلا يمكن أن تحصل على الوظيفة، وأنت تتحدث العربية فقط، فكل المؤسسات الرسمية والهيئات تشترط إتقان اللغة الفرنسية.

والكارثة المرة أن المثقف لدينا هو من يتقن اللغة الفرنسية، ويتحدث بها بطلاقة في أي مكان، أما إذا كان يجيد اللغة العربية أو أية لهجة من لهجاتنا المميزة فهو أميّ!

لكن هذا لا يعني أن الجزائر كلها تتحدث باللغة الفرنسية، هذه الفكرة النمطية خاطئة، فالمناطق الصحراوية وكل ولايات الجنوب الجزائري تنتشر فيها اللغة العربية، وقد حافظوا على لسان حالهم، واستخدام الفرنسية لديهم منعدم تمامًا، وإلى جانب صحرائنا، الذين حافظوا على ماء الوجه، نجد أيضًا بعض ولايات الغرب الجزائري، كالجلفة، وتيارت.

اليوم تحتل اللغة الفرنسية المراتب الأخيرة عالميًا في التحدث، بينما تحتل اللغة العربية المركز الرابع عالميًا، ويجدر بنا القول هنا إن الناطقين باللغة الفرنسية في العالم نصفهم في أفريقيا؛ بسبب المستعمرات الفرنسية، واحتلالها لكثير من هذه الدول، ويمكننا أيضًا ربط التخلف الاقتصادي والتكنولوجي بهذا الوجود، والأمر ليس مبالغًا فيه، في حين نشهد تقدمًا تكنولوجيًا رهيبًا في المناطق الناطقة بالإنجليزية، هذه الأخيرة التي تسمى بلغة الفضاء والعصر، وصعود قوى أكبر فرضت نفسها على الساحة، كأمريكا، والصين، والهند.

لكن لا يجدر بي أن أكون مجحفة، وأنكر إتقان الشباپ الجزائري للغة العربية، لكن الإشكالية تكمن في التعامل بها، فقد انحصرت على المستوى الأكاديمي فقط، أما في حياته اليومية فيتحدث باللغة الفرنسية، أو لغة هجينة تتداخل فيها العربية والفرنسية.

أيها الجزائري أنت لست فرنسيًا! فاللغة الفرنسية للفرنسيين، فلا تلغِ ذاتك لتثبت ذاتًا لا تشبهك، ولا تمت لك بأية صلة، تحدث بالعربية، بالأمازيغية، بالشاوية، بأي لهجة تشاء، ولا تخجل؛ فأنت هنا تثبت وجودك، وتثبت ذاتك، أنت لست متخلفًا، التخلف هو أن تلبس ثوبًا ليس ثوبك، التخلف هو أن تنكر لغتك، وأصلك؛ فقط لأنك منبهر بغيرك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد