يعتبر المحتوى لب العمل في مجالات الإعلام، كما أنه الشرط الرئيس للحصول على منتج إعلامي جيد ومؤثر، وحتى نتمكن من رفع مستوى الأداء الإعلامي الناطق بالعربية لابد أن نطرح أولًا موضوع المحتوى في العصر الجديد ونوعيته ومدى تأثيره للنقاش والتثاقف العام، مع ضرورة إنتاج عناصر أخرى للنقاش حول المحتوى الإعلامي غير تلك التقليدية التي تدور حول تركيب الجمل وترقيمها، وللأسف تحيل بناء القطعة الإعلامية إلى مادة مملة لطلبة كليات الإعلام.

في زمن الإعلام الجديد والوصول السهل للمضامين الإعلامية كان المهم أن يتغير المحتوى الإعلامي الناطق بالعربية ليلبي حاجات الجمهور، غير أن الحاصل هو تكرار ذات القصة الخبرية أو الدرامية بذات البناء المستمد من المناهج الإعلامية القديمة، ومع التطور الحاصل في عمليات المونتاج وتقنيات الوصول السريع، إلا أن الجديد في المضمون الإعلامي العربي بقي ضئيلًا إلى درجة كبيرة، وهو ما يدفع الجمهور العربي ليحقق حاجاته من المضامين الإعلامية من خلال المنتجات الإعلامية بلغات أخرى، مع الوضع في الاعتبار أن المنتج الإعلامي الأجنبي عن العربية بالتأكيد سيشوبه الضعف الناتج عن القصور بواقع الجمهور العربي وتطلعاته المعرفية، غير ذلك من الوارد جدًا أن تحدث تلك المضامين الواردة تشوهات اجتماعية تظهر في السلوك والتصرفات وتبني وجهات نظر قد لا تتفق مع الذوق أو المقدس العام.

حتى تتمكن المؤسسات الإعلامية العربية من إنتاج المحتوى المثالي، تحتاج أولًا إلى معرفة مثالية بالجمهور المستهدف بهذا المحتوى، وهذه المعرفة لا تتم عبر الاستبيانات الروتينية، التي كثيرًا ما تكون نتائجها لا تعبر عن الواقع بشكل جيد، وإنما تتم عبر الدراسة الفاحصة للجمهور من خلال الالتحام بالجمهور ومحاولة التعمق في حاجاته النفسية والترفيهية والمادية، وعلى وجه الخصوص تلك الحاجات الرئيسة التي تبدو ظاهرة في انفعالات المجتمع ونشاطاته المنتظمة، وبذلك لا يجب أن تكتفي المؤسسة الإعلامية – أيًا كان موضوع المضمون الذي تنتجه – باستقطاب الكُتاب الهواة لإنتاج مضامينها الإعلامية، بل عليها أولًا استحداث دوائر دراسة الجمهور لتصبح كتابة المحتوى الإعلامي مرحلة تالية تتم بعد وضع الخطوط الرئيسة عن الجمهور المستهدف والصدى والأهداف المتوقع تحقيقها بعد نشر المادة الإعلامية.

مع الأسف تولي المؤسسات الإعلامية البارزة على مستوى العالم العربي اهتمامًا مبالغًا في تجهيز البنية التحتية للمؤسسة الإعلامية وتحرص على اقتناء التقنيات الأحدث في مجالات التصوير والصوت وتجهيزات الأستديوهات، ثم تخرج عن هذه المؤسسات مضامين إعلامية دون مستوى تلك التجهيزات، وهو أمرٌ يعود لثقافة سلبية في منطقتنا تهتم بالمظهر دونما اعتبار مسؤول للجوهر، فكثيرًا ما نرى خلف المكاتب الفارهة أفعالًا ونشاطات صغيرة، هذا السلب مسحوب على العمل الإعلامي بأشكاله وفنونه المختلفة، فالدراما العربية مثلًا تدور حول قصتين في الغالب، قصة عاطفية وأخرى ساسية، وللأسف حتى هاتين القصتين تطرحهما الدراما العربية بشكل مشوه لا يعبر عن الحقيقة، ولا عن الجمهور الذي يفترض أنه وحي كُتَّاب السيناريو.

وبالنظر للمؤسسات الإعلامية العربية التي تحاول إحداث استثناء من خلال تنويع المضامين الإعلامية وصياغتها انطلاقًا من حاجات الجمهور، هناك أمور تحدث تقوم بشد تلك الاستثناءات باتجاه النوع الإعلامي الموحد والتقليدي في الصياغة والشكل والعرض والنتائج، مشكلات سياسية وأخرى متعلقة بالتمويل وثالثة بسبب ضعف الحماس في أفراد المؤسسة، كل ذلك يتسبب بهبوط أداء المؤسسات الإعلامية الاستثنائية في العالم العربي، ويؤدي كثيرًا إلى إنهاء أنشطتها الإعلامية وبالطبع خسارة الجمهور العربي لمحاولات الإقلاع نحو المثالية والعالمية بمضامين إعلامية ناطقة بالعربية.

صناعة المحتوى الإعلامي المميز مهمة جديرة بأن تُحاط بالعناية والإهتمام واستحداث الأسباب المؤدية لصناعة المحتوى الإيجابي المتماسك والمؤثر، وذلك يتأتى أولًا من خلال التدريب المنتظم لطلاب الإعلام في الجامعات طيلة فترة الدراسة، وتميكنهم من صناعة محتوى إعلامي مرئي بشكل خاص ضمن مختلف الموضوعات الإعلامية ونشرها وتنظيم المسابقات لتحقيق ذات الهدف، وقبل ذلك تطوير الجانب النظري العلمي لصناعة المحتوى الإعلامي انطلاقًا من مختلف عناصر صناعة المادة الإعلامية، والتأليف الجماعي في موضوعات صناعة المحتوى لتتكامل جوانب الكتابة في الموضوعات الإعلامية، وذلك يأتي من كون جغرافيا علم الإعلام تتألف من عدة علوم اندمجت موضوعاتها لتشكل علمًا يعنى بالاتصال والإعلام، وصناعة وتشكيل الوعي من خلال المنصات الإعلامية التقليدية والجديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

.
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد