ليس الإعلام من اليوم هو الأداة الفاعلة في المجتمعات، بل منذ خُلق آدم عليه السلام، فحينما أقدم قابيل على قتل أخيه هابيل، أرسل الله غرابين ليصورا مشهدًا تمثيليًا، الهدف منه تغيير الواقع، وتنمية فكر المشاهد، وترك أثر إيجابي في نفسه يتردد فيه دائمًا.

ولم يعد يخفى على أحد أن الإعلام بكل أنواعه في عصرنا هذا هو السلطان على كل الأدوات الفاعلة فيه كالتعليم والأسرة، لأننا نتلقى من التلفاز والهاتف أكثر مما نتلقاه من المدرسة، وبسبب انشغال الآباء بوسائل الإعلام صار الأولاد يتلقون منها أكثر مما يتلقونه من آبائهم.

في الحقيقة لم أشأ أن أكتب في هذا الموضوع، لكن السيل الجارف من عدد المسلسلات والبرامج وخاصة ما تسمى بالرمضانية استوقفني قبل أن يجرفني، لأسأل ما مدى تأثير هذا الكم من الإنتاج الدرامي العربي؟

إذا أردنا الحديث عن التأثير فلا بد أن نتحدث عن مضمون هذا الإنتاج وعلى ماذا يرتكز، ففي جملة ما شاهدت من إنتاجنا العربي وما شاهدته من الإنتاج الغربي، فغالبية إنتاجنا إما أن يرتكز على محتوى هش وفكرة لم تعد تقدم في قنوات (كارتون) الأطفال ثم يقدم من خلال شخصيات قدمت أكثر من مائة فيلم وعشرين مسلسلا، فينجح المحتوى ضمنيًا لأن الناس تحب الممثل وبالتالي ستعتاد رؤية عمله هذا، ويسوق بفضل شهرة الممثل لا جودة المحتوى، فأين قيمة العمل؟ وأين التأثير؟ إذا اتفقنا أن الإعلام للتأثير بالناس.

أو أن يقدم المسلسل بأجزاء كثيرة يصعب عليك كمشاهد إيجاد فوارق كبيرة بينها، وكلها تشترك في نفس القضايا التي صارت أزلية في هذا النوع من الدراما، السرقة والعملاء (الداسوس) ومواجهة المحتل بطريقة مبالغ فيها وكأنك تشاهد فيلم خيال يُظهر لك الضعيف على أنه كان مستعمرًا للعدو، لا العكس، وتشاهد من هذا النوع ما يزيد عن خمسة أعمال كل عام، وهنا أين القيمة التاريخية التي ستقدم للناس؟ وهل أفكار كتابنا باتت محدودة إلى الحد الذي لا نرى فيه التجديد؟ ولا أظن ذلك لأننا نطوف بكتاب في عالمنا العربي لا يسعنا إلا أن نعتبرهم كعبة في الأدب والخيال.

أما البرامج التي من المفترض أن تصنع لك ابتسامة تظهر أسنانك البيضاء، بعد عطش شديد، ما زلت أسأل نفسي ما الهدف منها وهي طوال ثلاثين يوم تكرر نفس المشهد المُرعب مع تغير الشخصيات، في حين أنك إذا نظرت إلى غير إنتاجنا تجد أن فيه أفكارًا تجبرك أن تضحك وتبدي أسنانك البيضاء حتى وهي مشاهد صامتة، لأن الهدف فيها هو الإتقان، وأسر عين المشاهد مترقبة كل حركة وكل تفصيل، ومعها تتحرر الابتسامة من قيد الجمود الاعتيادي، وهنا نستطيع أن نسمي هذا فنًا، لأنه لم يجعل المتلقي في حالة مراوغة في الإعجاب، وإنما أسيرًا معجبًا بالعمل، على أنني لا أتجاهل اختلاف أذواق الناس الذين قد يُعجَبُ بعضهم بما لا يعجبنا.

وإذا أردت الحديث بواقعية أكثر، فحالة أكثر الإنتاج العربي من المسلسلات والبرامج هي استنساخ من المسلسلات والبرامج الغربية في طريقة التصوير والسيناريو والديكور وحتى الإثارة، والأمثلة في أشهر البرامج والمسلسلات التي تقدم في أشهر القنوات التي يتابعها الناس، وكأننا لا نستطيع الابتكار وفقًا لثقافتنا ومواهبنا!

دفعني ذلك لتذكر مسلسل شاهدته قبل سنة تتوفر فيه كل عوامل المقارنة وهو مسلسل اختلال ضال (Breaking Bad)، هذا المسلسل من خمسة أجزاء، أذهلني بكل ما فيه، بل أذهل الجميع ليكون أفضل مسلسل في تاريخ الدراما الأمريكية وينال أكثر الجوائز والتقييمات، مع أن أبطال هذا المسلسل ليسوا بتلك الشهرة وبعضهم كان هذا المسلسل بدايته ومع ذلك حصد كل هذا، لماذا؟

لأن هذا الإنتاج يعتمد على الفكرة وليس شهرة الممثلين، فلا يسعك إذا شاهدته إلا أن تقول كيف استطاع الكاتب أن يأتي بالفكرة ويستطيع صياغتها ومزج كل التفاصيل بلا تقليدية في قالب درامي مؤثر بداية من اسمه وانتهاء بآخر مشهد فيه. أما القضية التي عالجها المسلسل فهي قضية المخدرات، فكانت قضية بصورة غير باهتة غير نمطية كما يصور دائمًا برجل يفرك جسمه ويضرب أولاده، فحتمًا إذا ما شاهدته سيتردد في نفسك (إياك أن تنحرف عن المسار الصحيح، إياك أن يختل سيرك).

إن أكثر ما يضيف قيمة للأعمال الدرامية وللفن بشكل عام، القضايا التي تحاول أن تعالجها، فإذا وضعت الإنتاج العربي أمام عينيك، في غالبيته هو يضيف للمجتمع قضايا أكثر من أن يعالج القضايا، فتجده حتى إذا أراد أن يعالج قضايا حساسة كالتطرف مثلًا يقدمها بطريقة ساخرة لأبعد درجة تستثير المتطرف ليزيد في تطرفه والمؤيد ليلتحق به ولا تزيد المسالم إلا قناعة بابتسامته.

أجل نحن نملك طاقات تمثيلية بمستوى عالٍ، لكن المشكلة فيمن يملك صناعة المشاهد التمثيلية، فبعضهم هذه الصناعة بالنسبة له صناعة صماء كصناعة الفخار، همه أن يُباع إنتاجه للناس وفي قرارة نفسه يردد مثلًا عاميًا مشهورًا (فخار يكسر بعضه).

الفن يكون علامة بارزة في المجتمع إذا قدم بتفنن وإتقان مراعيًا ثقافته وحضارته ودينه، يحاول أن يضيف للمجتمع الأهداف التي قدمها الغرابان لقابيل، فيستقر في نفوس الناس فلا يكون سريع الذوبان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد