الفيسبوك أحد أهم مواقع التواصل الاجتماعي في السنوات العشر الأخيرة. إنه ظاهرة اجتماعية شديدة التأثير. وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن تطبيقات التواصل الاجتماعي تعتبر تاريخًا جديدًا في حياة البشر له ما بعده. لقد أصبح «فيسبوك» – شئنا أم أبينا – عالمًا شديد التعقيد والتنوع، وأصبح من اللازم على الأكاديميين وعلماء الاجتماع تحديدًا دراسة هذه الظاهرة وتحليلها من أجل الوصول إلى فهم يساعد على الاستفادة منها والتعامل مع النتائج السلبية الناتجة عن استخدامها.

هذا المقال محاولة لالتقاط بعض الظواهر المشتركة التي تميز مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي، ولهذا أسميته «ظواهر فيسبوكية عربية». ليس من أهداف المقال التنظير أو تعديل سلوك أحد، لكنها مجرد ملاحظات، وفي النهاية كل شخص له مطلق الحرية في كتابة ما يريد أو في التعليق على ما يحب بالطريقة التي يفضلها.

صَدِّقْ أو لا تُصَدِّقْ، أنت لست نجمًا سينمائيًّا، ولا تلعب كرة القدم في (مانشستر). أنت شخص عادي جدًا مثلي ومثل كثير من الناس. هذا أيضًا أمر جيد جدًا. الأمر لا يدعو لليأس أو الخجل، لا تحتاج أن تحصد مزيدًا من الإعجابات «لايكس»، ولا تحتاج أن تكون مشهورًا من الأساس، إن كان لك 100 من الأصدقاء والمعارف يحبونك ويبدون اهتمامًا بما تكتب فهذا أمر جيد، لسنا في احتياج أن نكون مشهورين كنجوم سينما أو رؤساء أندية حتى نشعر بالسعادة. الحياة العادية البسيطة جميلة. لا تجهد نفسك بإحصاء الذين يتابعونك أو يعجبون بصورك وتدويناتك. أنت شخص جميل بدون كل هذا – صدِّقني – ولا تحتاج إليه.

مع مرور الوقت بدأت تظهر الشرطة «الفيسبوكية»، ولا أقصد بها الشرطة الحكومية التي تقبض على الناس بسبب آرائهم السياسية، فهذا أمر اعتاد عليه الناس في بلادنا وأصبح طبيعيًا كالماء والهواء، وإنما أقصد بشرًا عاديين من أهلنا وأصدقائنا يعتقدون أن مهمتهم في الحياة أن يعلقوا على ما يقوله الناس وأن يرشدوهم كما لو كانوا أطفالًا يحتاجون إلى تأديب. كل شخص يكتب أيَّ رأيي تنعقد له في الحال مشانق ومحاكمات لمجرد أنه أبدى رأيًا يخالف ما يعتقده الناس، وهذا أمر محبط جدًا. لا يجب أن نحاصر الناس بآرائنا أو نجبرهم على اعتناق أي فكرة لا يرغبون فيها. إن إضافة شرطة أخلاقية ودينية تعني مزيدًا من الرقابة على ما هو موجود ويحاصرنا في كل مكان.

إذا قرأت رأيًا لا يعجبك فلا تغضب، بإمكانك أن تكتب رأيك كما يكتب الآخرون آراءهم، يمكنك أن تتجاهل التدوينات التي لا تعجبك. يمكنك أن تلغي متابعة (unfollow) الأصدقاء والمعارف الذين يستفزُّونك بآرائهم، لكن لا تعقد محاكمات للناس، ولا تتشاجر معهم على أتفه السباب. تذكَّرْ دائمًا أن هذه مواقع للتواصل الاجتماعي، وليست للتنافر والتباغض الاجتماعي.

«فيسبوك» في الأساس شكل من أشكال التواصل الاجتماعي، لكن بعض الناس يأخذون الأمر بجدية بالغة لا تتناسب على الإطلاق واجتماعية الموقع. إنهم يتحدثون كأنهم في محاضرة، أو مؤسسة مهمتها التعليم والتربية، كل شخص من هؤلاء يبدو كأنه يدير حوارًا مع مجموعة من المفكرين والفلاسفة، لماذا تتحول مواقع تهدف في الأساس إلى تواصل الناس إلى مؤسسة أكاديمية؟ كأن المؤسسات الأكاديمية العربية لا يكفيها أنها معطلة وفاشلة ولا تقوم بوظيفتها فتحاول أن تمارس سخافاتها على تطبيقات التواصل الاجتماعي؟ نحن نعرف أن حياتنا الأكاديمية أصبحتْ خرابًا، لماذا ننقل فشلها إلى مواقع التواصل الاجتماعي؟ هذا لا يعني أنك ممنوع من الحديث الأكاديمي في «فيسبوك»، بالتأكيد بإمكانك أن تفعل، لكن تذكَّرْ أنك لست في قاعة المحاضرات.

من الطبيعي أن تكون الأخبار السلبية هي الأوسع انتشارًا لأن الناس تتسابق على قراءتها، لكن انتشارها الواسع يخلق صورة زائفة بأن الدنيا في بلادنا أصبحت خرابا في كل شيء. صحيح أن عندنا كثيرًا من المشكلات، لكنها في النهاية بلادنا التي نحمل جنسيتها، وهي بالرغم من صعوبة الحياة فيها أحب بلاد الله إلى قلوبنا. لماذا يبدو بعضنا كأنه في انتظار أن تنهار الدنيا من حوله، ثم يركب أول طائرة ويرحل.

لا تنخدع بالمظاهر التي تراها أمامك على «فيسبوك». هل شاهدت صورتي على حسابي الخاص؟ هل تعجبك؟ يبدو أن الملابس الرياضية التي أرتديها بلونها الأزرق غالية وأنيقة؟ ليس بالضرورة أن تكون الحقيقة كما تشاهدها. ربما – أقول ربما – أكون قد اشتريت هذه الملابس من متاجر للملابس المستعملة، وهذا يعني أن سعر هذه الملابس قد لا يتعدى 10 دولارات. بل ربما تكون ابتسامتي التي تغطي كامل وجهي مصطنعةً ولا تعبر عن الحقيقة. ما يدريك؟ ربما أكون حزينًا وعندي – لا قدر الله – مشكلات كثيرة. لا تنخدع بالمظاهر البراقة التي ربما تكون الحقيقة وراءها على النقيض مما تبدو.

كثير من الناس في بلادنا حياتهم خربة وفارغة بلا معنى، لكنهم بارعون تمامًا في رسم صورة مثالية وزائفة عنهم. إنهم حريصون على أن تبدو صورتهم على «فيسبوك» كأنهم أشخاص مهمون وناجحون. لا يهمهم في الحقيقة أن حياتهم خربة. المهم أن تبدو صورهم سعيدةً أمام الناس. وبمرور الوقت تصبح حياتهم تمثيلية فارغة وأداء مسرحيًّا باهتًا، ثم يكتشف الناس بالمصادفة كم هم وحيدون وتعساء. لا يجب أن نفعل بأنفسنا مثل هذا. ما جدوى أن يرانا الناس سعداء بينما نحن في الحقيقة نشعر بالحزن والوحدة. يجب أن نصلح حياتنا في الواقع أولًا، ثم نلتفت إلى مواقع التواصل لكي نهتم بصورتنا في أذهان الناس.

حياتنا الخاصة مهمة جدا. لماذا ننشر كل تفاصيل حياتنا على «فيسبوك» وإنستجرام، وكأننا أبطال في حلقات تليفزيون الواقع؟ لماذا نرضى أن تكون حياتنا على المشاع هكذا؟ لماذا يعرف صديقي المقيم في الولايات المتحدة أنني زرت مطعم «ماكدونالدز» اليوم في كوريا الجنوبية؟ ما قيمة أن أخبر الناس بهذه التفاصيل؟ يجب أن تكون لحياتنا الخاصة قداسة واحترام. لا يجب أن نتعامل مع حياتنا بهذا الاستخفاف. إذا كنت ذاهبًا الآن إلى «ستاربكس» فلا داعي أن يعرف كوكب الأرض بالكامل مكان وجودك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد