حين يعجز العقل عن التفكير، وحين تموت الإنسانية في ذاك المجسم البيولوجي العفن، وأنت تشاهد الغرب يمضي قدمًا نحو مستقبل المعجزات وخرق كل التوقعات، تضيع أحلامنا وتذوب أمام أعيينا، ضيعونا وضيعوا ذاكرتنا ومستقبلنا، قبل أن يحرقوا آخر آمالنا في هذا العالم الموبوء، هذا العالم الذي أصبح فيه لاعق الأحذية ذا منصب وجاه، وأصبح صاحب المبدأ خائنًا وعميلًا.

ثم يأتي أمي لا يحسن حتى فك الحروف وتهجئتها، يفتي لك ويحاول إقناعك بأنها معزة ولو باضت، لذلك ستجد وأنت تبحث في ذاكرة شيوخنا وأجدادنا ومجتمعاتنا، أننا نكرر نفس الأخطاء بكل سذاجة وبكل حمق، ثم نتساءل كالأغبياء لماذا لا يتغير شيء في واقعنا سوى التاريخ.

وأنت تبحث عن إجابات لكل ما يجول بخاطرك وتستجدي حلولًا ما وصلنا إليها لحد اليوم ستجد أننا افتقدنا أهم شيء يملكونه هم، العدالة، ليس بمفهومها الضيق، القانوني أو السياسي أو الاجتماعي، بل بمفهومها الشامل الذي يتجذر ليلامس كل نواحي الوجود الإنساني، فنحن الذين نتباكى منذ الزمن الماضي، لظلم السلطنة والحكام، نجد أننا أول من أجحف في حق نفسه، لأسباب عدة أولها أننا لم نوسع من مداركنا ومعارفنا، لنعبد بها طريقا، غير الذي سدوه في وجوهنا؛ لأن بلداننا وما تشهده من إعاقات دائمًا ما تسعى للحد من أفق الأحلام والأمنيات لدى شعوبها، وهاذا ما يجعل التحدي مضاعفًا، فالديمقراطيات العريقة هي التي تمنح الأفراد فرصهم، كل حسب إمكانياته وكل حسب تكوينه وزاده، أما الديكتاتوريات العريقة فهي التي تحرم الأفراد فرصهم وتمنحها لآخرين لا يملكون لا الإمكانات ولا التكوين، لهذا قلت التحدي مضاعف، خلق الفرصة ثم استغلالها كما يجب، دون أن ننسى مرضى العقول والنفوس الذين سيسعون لوضع المطبات في وجهك، أحيانا قد تكون تافهة وسهلة، لكن الأثر النفسي الذي تتركه بداخلك كفيل بأن يسبب لك كثيرًا من المتاعب.

عجز اقتصادي وفكري وثقافي، نعيشه مذ أن وعينا على هذا الوجود، محسوبية بيروقراطية، هي شعار كل مجال دون استثناء، إجهاض واضح وجلي لكل عقل يفكر ويبدع، أن تبدع أو حتى تسرح بخيالك متجاوزا واقعك العفن، هذا جرم يعاقب عليه القانون، إذًا فمحكوم علينا أن نعيش في زمن الرداءة، إما أن نشارك في صنعها، أو نصبح من المنسيين؛ لأنه من الصعب جدًا، بل من المستحيل أن تسبح ضد التيار في واقع أصبته الغرغرينة السياسية والاقتصادية والأصعب الفكرية والعلمية، كلنا نعرف أنه لا دواء للغرغرينة إلا استئصال العضو المصاب، وإلا ستغزو كل الجسم، فكم عضوًا علينا استئصاله في بلداننا، إذا كان الفساد قد غطانا من رأسنا حتى أخمص قدمينا، إذا كان العنف سيؤدي ببلداننا إلى ما آلت له سوريا وليبيا واليمن.. وإذا كان صمتنا لن يزيدنا إلا اختناقًا في أوطان أضحت كالسجون الكبيرة والمحتشدات، إلى أين سينتهي بنا كل هذا، أين سترسو سفينتنا التي خرقتها الديكتاتوريات منذ النصف الثاني من القرن العشرين؟ هل سترسو في شاطئ رملي؟ ويمكننا ساعتها أن ننقذ ما يمكن إنقاذه أم أن الشاطئ سيكون صخريًا ويدمر السفينة ومن عليها؟ سيقول الكثير كفانا سوداوية كفانا تشاؤما، ألهذا الحد من اللا أمل بغلنا وبلغ تفكيرنا نعم يا سيدي.

حين يجحد العبد بنعمة ربه، ويفضل أبيض الدنس على ابيض الوقار والعفة، تقرأ في جرائدنا عن عميد أئمة مورطة في قضية كوكايين، تدرك أن المنصب منصب في بلادنا حتى لو كان ذا قداسة دينية، في بلاد ثرواتها كديك الكولونيل الذي لم يجد من يكاتبه، ثمينة وغالية لكن لا تساوي شيئًا في نفس الوقت، وحتى تصلنا رسالتنا المخلصة كرسالة الكولونيل، ما نزال ليومنا نسبح في بركة من القذارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد