شهدت الساحة الفنية في السنوات الأخيرة، غزارة رهيبة في إنتاج المسلسلات التاريخية ذات الطابع الديني، وقد هيمنت كل من إيران وتركيا في هاته الصناعة الفنية بامتياز، وذلك في ظل شُح مؤسسات الإنتاج العربية في تقديم دراما تاريخية في المستوى رغم بعض الأعمال والتي تبدو غير كافية بالمقارنة بالأعمال غير العربية.

لقد أصبحت الدراما العربية تعالج فقط قضايا المشاكل العائلية والإجرام والمخدرات والجنس وغيرها من القيّم السلبية، الأمر الذي سهلّ على الإعلام الفارسي بإنتاجاته الضخمة من اختراق البيوت العربية دون استئذان، وبث مفاهيم وأيديولوجيات دينية تخدم التوجّه والتمدّد الشيعي في الشرق الأوسط.

فإضافة إلى التقنيات والمهنية العالية والاحترافية في الإخراج، نجد أن ما تتميّز به الدراما الفارسية هو ذلك السيناريو المحتشم، حيث يتعمّد القائمون على الأعمال الفنية هناك الابتعاد عن كل المشاهد والنصوص التي تثير الغرائز والشهوات، فمسلسلاتهم تخاطب العقول لا العاطفة، ويعتبر هذا عاملًا قويًّا في كسب ودّ الشعب العربي، وذلك بعد فشل السياسة في تحقيق ذلك، فرغم المشاكل الخارجية، استطاعت إيران بسط هيمنتها الفنية في السينما وفي الدراما، حيث حصدت أعمالها العديد من الجوائز.

غير أن هاته المسلسلات التاريخية لم تسلم من الانتقادات، فبالرغم من أنّها تحاكي فترة لحدث ما أو شخصية دينية بأدّق التفاصيل وبتوظيف صورة سهلة وعصرية تتناغم مع التكنولوجيات الحديثة المستخدمة في هوليود وبوليود، فإنّها يعيب عليها تجسيد شخصيات الأنبياء عليهم السلام والصحابة، والاستناد إلى الروايات الضعيفة والمرويات التوارتية والحقائق المزيفة، وهذا ما حرّمه الأزهر الشريف باعتباره أعلى هيئة سنية في العالم الإسلامي، كما دعت الهيئة العالمية للعلماء المسلمين إيران إلى التوقف عن إنتاج مثل هذا النوع من الأعمال، وقد اعتبر بعض المتتبعين للشان الإيراني، بأن إيران من خلال صناعتها للدراما فهي تعيد كتابة التاريخ الإسلامي وفق المذهب الشيعي.

بغض النظر عن مسلسلاتها الرومانسية والتي لاقت رواجًا كبيرًا في المنطقة العربية، استطاعت الدراما التركية أن تُبرز تاريخ الدولة العثمانية وتمجيدها، محاولةً بذلك التطبيع مع المشاهد العربي وتذكيره بمجد الخلافة والحنين إلى عهد حكم السلاطين وبطولاتهم وإنجازاتهم، وانتشرت موجة هاته المسلسلات في مختلف شاشات العالم، بدءًا من الجمهور المحلّي ودول البلقان حتى الوسط العربي وإلى دول أمريكا اللاتينية، فقد غيرّ هذا النوع من الدراما الصورة النمطية التي كانت سائدة في الفن التركي بسبب أعمال كانت خادشة للحياء.

ويبدو أنّ هناك إستراتيجة وأهداف وراء هذا النجاح المبهر لهاته الأعمال، فمن إعادة إحياء تاريخ الدولة والتأكيد على الأصول الإسلامية وإبراز مزايا الخلافة والارتباط الوثيق مع جيرانها العرب، إلى الدعاية السياحية لجذب المشاهد إلى زيارة تركيا واقتناء بضائعها وتعلّم لغتها.

ونظرًا لتدخّل الحكومة والمعارضة في تدعيم الأعمال بشكل مباشر أو غير مباشر، لم تكن هاته المسلسلات هي الأخرى في منأى عن الانتقادت، والاتهامات بتزوير الحقائق التاريخية أو تجاهل بعضها، كالتركيز على الحياة الشخصية والعاطفية للسلاطين دون الاهتمام بالأحداث التاريخية المهمة، وهو ما أثار حفيظة البعض معتبرينه تشويهًا لصورة السلاطين العثمانيين وتاريخهم البطولي في الفتوحات.

يعدّ الإنتاج الدرامي في مثل هاته المسلسلات قوّة ناعمة تغزو بها العقول ما تشاء وبأقل التكاليف، وهذا ما وظّفته حكومتي إيران وتركيا لبسط النفوذ فكريًا وعقائديًا،  ومن أجل التمدد والتوسع وإعادة أمجاد الماضي، وأمام هاته التجاذبات تغيب المسلسلات العربية التاريخية من هذا الصراع، تاركة المشاهد العربي وحيدًا في مواجهة أيديولوجيات وأفكار هو غنى عنها، وذلك نتيجة افتقار الحكومات العربية لاسترتيجيات واضحة من شأنها الحفاظ على التاريخ والهوية الثقافية والاجتماعية، وإعطاء الدروس والعبر للأجيال، فالتاريخ العربي حافل بالأحداث والقصص والبطولات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد