ما انفكّ الأغرار يطالعوننا على صفحاتِ التواصل الاجتماعي بمنشوراتٍ تتبرأ من أصلهم العروبيّ، وتؤكد مفتخرةً -دون دليل جيني- أنّ أصول أهل المنطقة المتحدثة الآن بالعربية تنحدر من الآراميين والفينيقيين والفراعنة والآشوريين والأمازيغ وغيرهم، وأنّ العرب استوطنوا الجزيرة ثمّ جاءوا الشامَ ومصر والعراق والمغربَ محتلين، ثم نجد تلك المنشورات الساذجة تقارن ما تيسّر من أسباب الحضارة لهذه الأقوام العريقة -والتي انتهى آخرها قبل أكثر من ألفٍ وخمسمئةِ عام- مع العرب المصدَّرين كبَدْوٍ همج، وقتلة، وأهل ثارات وغزوات، فهل كان العرب بَدوًا حقًا في تلك العصور القديمة من التاريخ؟

تجيب الاكتشافات الأثرية عن أجزاء من هذا السؤال إذ تنبئنا بوجود تجمعات مستقرة لعربٍ عاشوا في منطقة الجزيرة العربية منذ عصور غابرة، وقد أظهرت جهود علماء الأنثروبولوجيا أنّ هذه التجمعات ليست بسيطة ولا بدائية، بل حضاراتٍ مهمة انتشرت في جنوب وشمال الجزيرة العربية، وصل نتاجها العلمي والعمراني مرحلة مذهلة، نذكرُ أهمَّها بشيءٍ من الإيجاز لعلّ المتحذلقين يعون جانبًا آخر من تاريخ الجزيرة.

تجمعات الجنوب

أقدمُ تجمع معروف للعرب الجنوبيين هو «مملكة معين»، وهي مملكة ذكرها مؤرخون قدماء، مثل الإغريقيّين «ديودورس الصقلي»، و«بطليموس»، والروماني «بلينيوس»، كما ذكرها بعض المستشرقين، مثل الفرنسي «جوزيف هاليفي»، والنمساوي «إدوارد غلازر»، ولم يوردها أيّ من مؤرخي المسلمين القدماء.

حكم معين ملوك أقوياء أطلقوا على أنفسهم لقب «مزود» -والذي يعني المقدس- واتخذوا «قرنا» -شرق مدينة صنعاء اليمنية- عاصمةً لهم، وكانت التجارة أهم مورد اقتصادي لديهم، إذ سيطروا على التجارة في أغلب المناطق الجنوبية والشمالية من الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، مع العلم أن نشأة المملكة أقدم من ذلك بكثير، إلّا أنّ أغلب تاريخها ما زال مجهولًا على الرغم من ظهور الكثير من النقوش التي تعود لهذه المملكة، كما تمّ اكتشاف أعداد كبيرة من المعابد والمدافن والقصور في مناطق «ديدان» و»الحِجر» و«الجوف» -وهي الآن مدن يمنية- ممّا دعا «هاليفي» للقول عن الجوف أنّه أكثر مكان في بلاد العرب يحتوي على الآثار.

ومن الممالك الجنوبية المهمة «مملكة سبأ»، التي تعاظم نفوذها وسيطرت على الجزيرة العربية وتحكمت في تجارتها في القرن السابع قبل الميلاد، حيث صدّرت اللبان والطيب والأحجار الكريمة والذهب، وكانت حضارةً مهمة، بل ربما أكثر الحضارات العربية القديمة تطورًا، فقد أظهرت مرحلة متقدمة في العمارة والفنون، فكان أهلها أول من أنشأ السدود في العالم، وما زالت بقايا «سدّ مأرب» الذي أنشأوه قائمةً إلى اليوم، وعُثِر في معابد سبأ على العديد من التماثيل والرسومات والنقوش التي تعتبر تحف فنية حقيقية، ومن أشهر ملوك سبأ الملكة «بلقيس» المذكورة قصتها مع نبي الله سليمان عليه السلام في القرآن الكريم والتوراة، واستمرت سبأ حتى جاءت «مملكة حِمْيَر» -وعاصمتها «ظفار» جنوب سلطنة عمان- في بداية القرن الثاني قبل الميلاد، وغلبت عليها في النفوذ، وحمير مملكة تذبذت أحوالها بين سيطرة الرومان والأحباش وغزوات عرب الشمال، إلى أن انتهت تمامًا عام 525 للميلاد، وكانت آخر الممالك العربية في جنوب الجزيرة العربية.

ومن الممالك الجنوبية المعروفة الواردة في كتابات المؤرخين القدماء «مملكة حَضْرَمَوْت»، التي ذكرها «إراتوستينس»، و«بطليموس»، و«بلينيوس»، و«ابن الكلبي»، وأشاروا إلى مظاهر تحضّرها، مثل وجود السدود والموانئ والحصون والمعابد – وأهمها معبد الإله «سين»- وتحدثوا عن مدنها القوية، وأبرزها العاصمة «شبوة» ومدينة «ميفعت»، إلا أنّ المعلومات عنها ما تزال قليلة، وغير كافية للتعرف على أغلب تاريخها، سوى أنّها ظهرت قبل الميلاد بفترة غير معلومة، والأرجح أنّها عاصرت مملكة معين.

ومن الممالك المعاصرة لمعين وحضرموت -كما تشير النقوش- «مملكة قَتَبان»، والتي ذكرها المؤرخون والعلماء الإغريق والرومان في كتبهم، مثل؛ «ثيوفراستس»، و«سترابو»، و«بطليموس»، و«بلينيوس»، كما عثر المستشرقون، مثل «إدوارد غلازر» على عدد من التماثيل والنقوش التي تدل على تعاظم نفوذ هذه المملكة، مثل تماثيل الأسود البرونزية، وتعتبر «تمنع» العاصمة -يُرجَّح وجودها اليوم في مدينة «حجة» اليمنية- أهم مدنهم وشاهدًا على براعتهم بالعمارة، وتتفق آراء الباحثين على أنّ حريقًا كبيرًا قضى على تمنع.

تجمعات الشمال

حياة عرب الشمال كانت أقل تحضرًا من عرب الجنوب، وذلك لعدّة أسباب؛ منها الطبيعة الصحراوية للمناطق التي سكنها عرب الشمال، والتي منعت الاستقرارَ لفترات طويلة، والبناءَ الحضاري الذي يترتب عليه، فكوّنوا تجمعات أقصر عمرًا وأقل تأثيرًا، إلّا أنّ ذلك لم يمنعهم تمامًا عن بناء الدول، فظهرت ممالك في الشمال تركت إرثًا حضاريًا لا يمكن التقليل من شأنه.

ربما تُعد حضارة «النبَط» أهم الحضارات التي أقامها عرب الشمال، والأنباط جاءوا من بادية الشام، واستقروا في شمال الجزيرة العربية وجنوب الأردن وغرب سيناء في القرن الثالث قبل الميلاد، واستغلوا موقعهم الجغرافي استغلالًا اقتصاديًا عاد عليهم بالنفع الكبير، إذ فرضوا ضرائب على القوافل التجارية بين الجزيرة وبلاد الشام ومصر، وهذا الاكتفاء الاقتصادي كان له دور مهم في استقرارهم، وإقامة حضارتهم العظيمة، وكان لاشتغالهم بالحرف اليدوية والزراعة دور مهم في تحضرهم، في الوقت الذي كانت ترفض العرب العمل بهذه المهن، وتراها نقصًا يُعيَّر صاحبها بها.

وعاصمة الأنباط «البتراء»، وهي مدينة عُدّت من عجائب الدنيا السبعة الجديدة، منحوتة في الصخر الوردي، وموجودة اليوم في محافظة «معان» جنوب الأردن، ومن آثارهم المشهورة أيضًا مدينة «الحِجر»، وهي مقابر منحوتة في الجبال لأثرياء النبط، وقد اختلط الأنباط بالآراميين لمدة طويلة وأخذوا عنهم حروفهم في الكتابة، وأخذوا لكنتهم حتى عاب العرب عليهم لهجتهم، بل إنّ بعض المؤرخين العرب أوردوا أنّهم آراميون، ومنهم؛ «المسعودي» و»مرتضى الزبيدي»، ولكن المؤرخين الإغريق والرومان، مثل «هيرونيموس»، و»يوسيفوس فلافيوس» ذكروا أنهم عرب، كما أسفرت جهود المستشرقين -مثل؛ الألماني «مارك ليدزبارسكي»، والباحث في أوكسفورد «جورج كوك»- عن الاستنتاج نفسه، وهو الرأي الأرجح، فلا يكفي استخدامهم للحرف الآرامي واشتغالهم بالزراعة والصناعة للقول أنّهم آراميون، فقد كانت الآرامية لغة الكتابة في المنطقة كلها في ذلك الوقت، ومظاهر عروبة الأنباط أقوى من ادعاء أنّهم آراميون؛ ومنها أنّ أسماءهم عربية، وأنّهم عبدوا الأصنام نفسها التي عبدها العرب، وأنّ المؤرخين القدماء قرنوا عرقهم ومدنهم بالصفات العربية، فكانوا يقولون عنهم «العرب الأنباط»، وعن أرضهم «العربية الحجرية».

انتهت مملكة النبط عام 106 للميلاد بقضاء الامبراطور الروماني «تراجان» عليهم وضمهم لمملكته، ولم يُبد الأنباط بهذا الغزو، إذ أنشأت قبائلهم إمارات مختلفة سيطر عليها الرومان، ومن أهم تلك القبائل «تنوخ» التي انحدر منها «اللخميون»، ويفترض بعض المستشرقين أنّ قبائل «الحويطات» المنتشرة في الحجاز والأردن وفلسطين وسيناء تنحدر من الأنباط.

وفي القرن الثاني للميلاد حكم العرب «مملكة تدمر» في شمال بادية الشام، ويُعتَقَد أنّ عمر المملكة أقدم من ذلك بثلاثمائة عام على الأقل، وقد وكان أكثر سكانها آراميين وإغريق ورومان، حتّى أنّ حكامها تأثّروا بالأساليب الرومانية في حُكم وإدارة البلاد تأثُرَ الأنباط بالآراميين، فبلغت تدمر من عظمتها أنْ اعتقد الناس وحتى بعض المؤرخين أن الجن هم من بناها بأمرٍ من سليمان عليه السلام، قال النابغة الذبياني في معلقته:

ولا أرى فاعلًا في النّاسِ يشبههُ

ولا أُحاشي من الأقوامِ مِن أحَدِ

إلّا سليمانَ إذ قالَ الإلهُ لهُ

قم في البريةِ فاحدُدْها عنِ الفندِ

وخيّسِ الجِنّ إنّي قد أَذِنْتُ لهمْ

يَبْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفّاحِ والعَمَدِ

فمن أطاعكَ فانفعهُ بطاعتهِ

كما أطاعكَ وادلُلْـهُ على الرشدِ

قضى الرومان على حكم العرب لتدمر عام 273 للميلاد في عهد الملكة «الزبّاء» أو «زنوبيا» زوجة الملك أذينة، والوصية على الملك «وهبلت» ابن أذينة لصغر سنه.

وظهرت أيضًا كتابات تعود للقرن الأول قبل الميلاد، وتدل على قوم شأنهم عجيب يُدعون بـ«الصفويين»، والغريب في أمرهم أنّهم عرب من البدو الرحل، ولم يظهر ما يدل أنّهم كوِّنوا دولة بالمعنى الحقيقي، أو أنّهم استقروا في مكان، ومع ذلك فقد انتشرت الكتابة بينهم، فكانوا يدونون خواطرهم على الصخور، والكتابة مؤشر أساسي من مؤشرات الحضارة، وخصوصًا في ذلك الزمان السحيق، وربما سيكشف لنا المستقبل ما هو أعجب بشأنهم.

لم يكن العرب -فقط- رُحّلًا يقتتلون، ويملأون شعرهم بالحماسة، بل هناكَ جانبٌ آخرٌ مغيّب عن الناس، يُعنى بالعلم والفن والحضارة، ومن حسن الإنصاف وعدم الوقوع في فخّ التحيّز ذكرُ الجانبين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد