الجهل والتقهقر والتخلف ليست صفة لصيقة وملازمة لأمم معينة أو شعب معين أو عرق معين، بل هو نتيجة لعدة عوامل نفسية، اجتماعية، اقتصادية وسياسية خصوصًا. تلك العوامل ليست وليدة الصدفة، بل هي نفسها، برزت عبر الشريط الزمني للشعوب، نتيجة لأحداث وتقلبات وقعت عبر التاريخ. وما هو جدير بالذكر کون التخلف لا يصيب الأمم إلا خلال فترات معينة، فقد تكون الأمة متخلفة في ماضيها ومتطورة في حاضرها، أو العكس كما حصل للمسلمين.

فعند الرجوع للتاريخ نجد أن العرب والمسلمين كانوا متقدمين جدًا عن باقي الشعوب في شتى المجالات العلمية، فالتطور الحاصل في هذا الزمان يرجع الفضل فيه بشكل كبير – وبطبيعة الحال دور إغفال دور باقي الحضارات – للحضارة الإسلامية وإسهامها في بناء الصروح العلمية، وذلك بشهادة الدول الرائدة حاليًا، فخلال الحروب الصليبية اندهش الصليبيون مما وصل له المسلمون من تطور، سواء في الرياضيات، الطب، علم الفلك، البصريات، والعديد من المجالات. بل إن بعض الفواكه والخضروات والتوابل لم يعرفها الصليبيون إلا بعد اختلاطهم بالمسلمين إبان تلك الحروب. خلال تلك الفترة من التلاقح بين الحضارتين، قام الصليبيون بترجمة الكثير من المؤلفات العربية إلى لغاتهم، وقد حققوا بذلك قفزة نوعية نحو التقدم، ومما يثبت الدور الأساسي الذي لعبه «تقدم» العرب والمسلمين في ذلك الزمان، هو حضور الكثير من الكلمات العربية في اللغات الأجنبية حاليًا، بل حتى دون أن يدري العربي الذي محيت ذاكرته التاريخية العظيمة أو الأجنبي بذلك، فعلى سبيل المثال الكثير منا يغفل كون الأرقام التي يستعملها العالم «0123456789» هي أرقام عربية.

إن ما أريد الوصول إليه من خلال هذا المقال، يكمن في تلك الحقبة من التاريخ بالضبط، فخلال عملية التلاقح الفكري التي حدثت خلال تلك الفترة، بين الصليبيين المتخلفين عن ركب الحضارة الإسلامية المتقدمة، لم يقل الصليبيون أن اللغة العربية هي لغة العلم، ولم يتخذوها لغة للتدريس، بل قاموا بترجمة المراجع العربية إلى لغاتهم، لكن العرب في القرن الحادي والعشرين، خلقوا الاستثناء بخوضهم في نقاش عقيم حول لفة التدريس، فتارة يقولون إن الفرنسية هي لغة العلم كما هو سائد عند البلدان المغاربية، متناسيين أنها لغة المستعمر عندهم وتارة يقولون بأنها اللغة الإنجليزية، متأثرين بالتطور الذي وصل له الغرب. خلاصة الأمر، العلم لا لغة له، فكما يفهم اليابانيون الطب بشكل عميق بلغتهم. سنفهمه نحن العرب أيضًا بشكل عميق بلغتنا العربية، وكلما اتخذنا لغة غير لغتنا للتدريس تخلفنا عن ركب الأمم وكان فهمنا سطحيًا، إن العجز والكسل ربما الذي نتخذه ذريعة للسير نحو الترجمة، لم يصب الصليبيين في تلك الفترة، بل أيضًا لم يصب دولًا عظمى خلال هذا الزمن كألمانيا، روسيا، تركيا.. وغيرها، بل لم يصب حتى دولًا صغيرة أكثر تطورًا وتقدمًا منا، كمثال آيسلندا الدولة الجزيرة والتي لا يتعدى عدد سكانها 350 ألف نسمة، وأكثر من ذلك فالكيان الصهيوني يدرس بعبريته ولم يتبن لغة حليفته أمريكا بذريعة أن الإنجليزية هي لغة العلم.

كل هذا لسبب بسيط، نتخلى عنه نحن العرب بكل مهانة، وهي الحمولة الثقيلة التي تتضمنها اللغة، ففيها الهوية، الدين، التاريخ، الحاضر والمستقبل، هذه الأمور من المستحيل أن يتخلى عنها غيرنا من العرب، لمجرد سؤال تافه عن لغة التدريس، بل لا تقبل النقاش والمساومة أصلًا عندهم، إن لغة التدريس أو لغة العلم كما يحلو للبعض، لا ترتبط بالتخلف أو التقدم، بل هي ببساطة اللغة الأم فهي المفتاح الأساسي لتقدم ونهضة الأمم؛ لأنه بها يستقيم الفهم وبها تكون النظرة الثاقبة للأمور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد