يعيش الوطن العربي حالة من التخلف في عالم سادت فيه الدول المُبتكرة والمتقدمة تكنولوجيًا، وقد سبق للعرب أن تخلف أيضًا في العصور قبل الإسلام، ومع ظهور الإسلام بدأت النهضة العربية التي ستغير البشرية، وتُطور من إمكاناتها؛ فالدين الإسلامي يحث على العلم، وعلى طلبه، ومن الإسلام انشقت جميع العلوم التي اهتم بها المسلمون، فقد اهتموا بعلم الفلك لمعرفة أوقات الصلاة والرياضيات لما جاء في دينهم من زكاة وميراث، والطب لما فيه من إنقاذ لحياة البشر التي حث عليها القرآن الكريم، فكانت تلك الفترة أولى فترات التطور البشري، والنواة الأولى له، لتستمر النهضة العربية قرونًا مليئة بالعطاء في شتى العلوم التي كتبت باللغة العربية الفصحى، فكانت هي اللغة السائدة لكونها لغة العلم في تلك الفترة.

بعد ذلك بدأت النهضة العربية تتلاشى شيئًا فشيئًا حتى الحرب العالمية الأولى التي غيرت موازين القوى العالمية، وأصبحت البلدان العربية والإسلامية تحت وطأة الاستعمار الأجنبي بشكل أشد عنفًا، فقد حاول المستعمر جاهدًا فرض ثقافته ومحو ثقافات الشعوب المُستعمرة، وسبق ذلك أن زرعت دول في المنطقة العربية ككيان الاحتلال الإسرائيلي الذي تم بعد وعد بلفور، ويمكن القول إن التخلف العربي بدأ تمامًا مع وعد بلفور، وكأن النهضة العربية محيت؛ ليحل وعد بلفور مكانها في فترة كان فيها الوطن العربي والإسلامي مشتتًا غائبًا عن الرُكب، وقد حاولت القوى العظمى المستعمرة فرض لغتها كلغة لكل الشعوب التي تحتلها، معززت بذلك حضورها في موازين القوى العالمية، ومع أنه ﻭﻓﻲ ﺃﻭﺍﺧﺮ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ ﺍﻧﺘﻌﺸﺖ اللغة العربية ﻗﻠﻴلًا ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺑﻼﺩ ﺍﻟﺸﺎﻡ، ﻓﺄﺻﺒﺢ ﻋﺪﺩ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻤﻴﻦ ﻭﺍﻟﻤﺜﻘﻔﻴﻦ ﻓﻲ ﺗﺰﺍﻳﺪ، ﻓﺎﻧﺘﺸﺮﺕ ﺍﻟﺼﺤﻒ ﻭﺍﻟﻤﺠﻼﺕ، ﻭﺗﺄﺳس ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻤﻌﻴﺎﺕ ﻟﻸﺩﺑﺎﺀ، ﺍأﻣﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻋﺎﺩ ﺇﺣﻴﺎﺀ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻔﺼﺤﻰ، ﻭﻣﻦ ﺍﻟﺸﻌﺮﺍﺀ ﻭﺍﻷﺩﺑﺎﺀ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺼﺮ: ﺃﺣﻤﺪ ﺷﻮﻗﻲ، ﻭﺟﺒﺮﺍﻥ ﺧﻠﻴﻞ ﺟﺒﺮﺍﻥ، ﻭﻧﺎﺻﻴﻒ ﺍﻟﺒﺎﺯﺟﻲ.

وقد قسمت قوى الاستعمار المنطقة العربية تمامًا ككعكة عيد الميلاد، إلا أن الشعوب العربية ظلت تقاوم الاستعمار بشتى الطرق، فشهدت المنطقة العربية معارك ضد الاستعمار، ﻭﻗﺪ ﺣﺼﻠﺖ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﺳﺘﻘﻼﻟﻬﺎ ﺩﻭﻥ ﺿﻐﻂ ﻣﺴﻠﺢ، ﻛﻤﺼﺮ ﻭﻟﻴﺒﻴﺎ ﻣﺜلًا. ﻭﻗﺪ ﺗﻢ ﺍﻟﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻀﻐﻂ ﺍﻟﻤﺴﻠﺢ ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﻤﻐﺮﺏ ﻭﺍﻟﻌﺮﺍﻕ ﻣﺜلًا ﻓﻔﻲﺍﻟﻤﻐﺮﺏ ﺍﻧﺪﻟﻊ ﻋﻨﻒ ﻣﺴﻠﺢ ﺑﻌﺪ ﻧﻔﻲ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﻣﺤﻤﺪ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﻧﺤﻮ ﻣﺪﻏﺸﻘﺮ، ﻭﺷﻜﻞ ﺣﺰﺏ ﺍﻻﺳﺘﻘﻼﻝ ﺗﻨﻈﻴﻤًﺎ ﻋﺴﻜﺮﻳًﺎ ﻋﺮﻑ ﺑﺎﺳﻢ «ﺟﻴﺶ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ» ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺎﺩ ﻣﻌﺎﺭﻙ ﺿﺪ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﻴﻦ، وﺍﻧﺘﻬﺖ ﺑﺎﻟﺤﺼﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﺳﺘﻘﻼﻝ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻓﻴﺒﺮﺯ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﺘﺪﺧﻞ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻌﻤﻞﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ، ﺇﻻ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﻟﺤﻈﺔ ﺑﻌﺪ ﺣﺮﺏ ﺗﺤﺮﻳﺮﻳﺔ ﻋﻨﻴﻔﺔ ﺻﺎﺭﺕ ﻣﻦ ﺃﺑﺮﺯ ﺣﺮﻭﺏ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ. وفي موريتانيا كانت هنالك مقاومة مسلحة، لكن المقاومة الثقافية كانت هي الأبرز، وذلك لأن الشعر العربي كان في نهضته في تلك الفترة في موريتانيا، وذلك راجعٌ إلى «المحضرة» أو الجامعة البدوية المتنقلة غير أن لغة المستعمر الفرنسي سيطرت على المراكز الإدارية في الدولة.

وبعد حصول الدول العربية على الاستقلال ظلت لغة المستعمر مسيطرة على غالبية الأعمال والخدمات، بالرغم من تمسك الشعوب العربية بها ففُرض الفرنسية مثلًا في التعليم في بلدان المغرب العربي والإنجليزية في الخليج والدول العربية الأخرى، فأصبحت الدول العربية في ذيل قائمة الدول من حيث جودة التعليم، وفي المُقابل ظلت الدول المتمسكة بلغتها في التدريس في تطورٍ دائم وملحوظ لتصالحها مع ذاتها وتمسكها بلغتها الوطنية لاعتبار اللغة جزء لا يتجزؤ من أي تطور يُطمح إليه.

«ﻻ ﺍﻧﺘﺼﺎﺭَ ﻟﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﻌﻮﺩﺓ ﺇﻟﻰ ﺛﻘﺎﻓﺘﻨﺎ ﺍﻟﻘﻮﻣﻴﺔ ﻭﻟﻐﺘِﻨﺎ ﺍﻷﻡِّ.. ﺣﺎﻓﻈﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﺻَﻔﺎﺀِ ﻟﻐﺘﻜﻢ ﺣﻔﺎﻇَﻜﻢ ﻋﻠﻰ ﻋﻴﻮﻧﻜﻢ، ﺣَﺬﺍﺭِ ﻣِﻦْ ﺃﻥ ﺗﻀﻌﻮﺍ ﻛﻠﻤﺔً ﺃﺟﻨﺒﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻥٍ ﺑﺈﻣﻜﺎﻧﻜﻢ ﺃﻥ ﺗﻀﻌﻮﺍ ﻓﻴﻪ ﻛﻠﻤﺔً ﻓﻴﺘﻨﺎﻣﻴﺔً».
ﻫﻜﺬﺍ ﺃﻛﺪ ﻗﺎﺋﺪ ﺍﻟﻤﻘﺎﻭﻣﺔ ﺍﻟﻔﻴﺘﻨﺎﻣﻴﺔ (ﻫﻮﺷﻲ ﻣﻴﻨﻪ) ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﺿﺪ ﻓﻴﺘﻨﺎﻡ ﻭﻫﻮ ﻣﺜﺎﻝ ﻳُﺮﺳﺦ ﺳﻌﻲ ﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﺍﻷﺟﻨﺒﻲ ﻟﻔﺮﺽ ﻟﻐﺘﻪ ﻭﻣﻘﺎﻭﻣﺔ ﺍﻟﺸﻌﻮﺏ ﺍﻟﻤﺤﺘﻠﺔ ﻟﺬﻟﻚ، ﻭﺩﺍﺋﻤًﺎ ﻣﺎ ﻳﺘﻢ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻓﺮﺽ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻷﺟﻨﺒﻴﺔ ﻛﻠﻐﺔ ﺃﺳﺎﺳﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ.
ﻭﻓﻲ ﻣﺜﺎﻝ ﺁﺧﺮ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﺼﺪﺩ ﻓﺒﻌﺪﻣﺎ ﻗﺼﻔﺖ ﺃﻣﺮﻳﻜﺎ ﺍﻟﻘﻨﺒﻠﺘﻴﻦ ﺍﻟﻨﻮﻭﻳﺘﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﻣﺪﻳﻨﺘﻲ ﻫﻴﺮﻭﺷﻴﻤﺎ ﻭﻧﺎﺟﺎﺯﺍﻛﻲ؛ ﻣﻤﺎ ﺃﺩﻯ ﻟﻤﻘﺘﻞ ﻗﺮﺍﺑﺔ 200 ﺃﻟﻒ ﻣﻮﺍﻃﻦ ﻭﻫﺰﻳﻤﺔ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺮﺏ، ﻓﺮﺿﺖ ﺃﻣﺮﻳﻜﺎ ﺷﺮﻭﻃًﺎ ﻣﺘﺸﺪﺩﺓ ﺿﺪ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﺑﺤﻞ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻧﻲ ﻭﺗﻐﻴﻴﺮ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭ ﺗﻤﺴﻜﺖ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﺑﻠﻐﺘﻬﺎ ﺍﻟﻘﻮﻣﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﻭﻟﻢ ﺗﺮﺿﺦ ﻟﻠﻀﻐﻮﻁ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺼﺪﺩ، وهو الأمر الذي جعلها اليوم من البلدان الأكثر نموًا وتطورًا في العالم من الناحية العلمية والتكنولوجية.

أما في الوطن العربي فقد فرضت لغة المستعمر في التعليم وتركت اللغة الأم وهي اللغة العربية التي ﺃﺛﺒﺘﺖ ﺃﻧﻬﺎ ﻟﻐﺔ ﻣﻄﻮﺍﻋﺔ ﻭﺛﺮﻳﺔ ﺑﺤﻴﺚ ﺗﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻤﺎﻫﻲ ﻣﻊ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﻭﻣﺘﻐﻴﺮﺍﺗﻪ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺃﺩﻭﺍﺗﻬﺎ ﺍﻟﻘﺼﻴﺪﺓ ﻓﻲ ﻣﺨﺎﻃﺒﺔ ﺍﻟﺮﺃﻱ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻣﻦ ﻋﻠﻰ ﻣﻨﺒﺮ ﺳﻮﻕ ﻋﻜﺎﻅ، ﻭﻓﻲ ﻣﻮﺳﻢ ﺍﻟﺤﺞ ﺑﻤﻜﺔ ﻫﻲ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺧﺎﻃﺒﻨﺎ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ – ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ – ﻭﻧﺰﻝ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ، ﻭﻫﻲ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺳﺘﻌﻤﻠﺘﻬﺎ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻟﻘﺮﻭﻥ ﻋﺪﺓ ﺇﺑﺎﻥ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ ﻟﻠﺤﺎﺿﺮﺓ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻛﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺑﻼ ﻣﻨﺎﺯﻉ ﻓﻲ ﺷﺘﻰ ﺍﻟﻔﻨﻮﻥ ﻣﻦ ﺭﻳﺎﺿﻴﺎﺕ، ﻭﻓﻴﺰﻳﺎﺀ، ﻭﻛﻴﻤﻴﺎﺀ، ﻭﺍﻟﻬﻨﺪﺳﺔ، ﻭﻓﻠﺴﻔﺔ… إلخ، ﻭﻫﻲ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺘﻮﺍﺻﻞ ﺑﻬﺎ ﻓﻲ ﺷﺒﻜﺎﺕ ﺍﻟﺘﻮﺍﺻﻞ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﻛﺎﺋﻦ ﺣﻲ ﻳﺘﻄﻮﺭ ﻭﻳﺘﺄﻗﻠﻢ ﻭﻳﺘﻔﺎﻋﻞ ﻣﻊ ﻇﺮﻭﻓﻪ.

إذا لا نهضة للأمة العربية إلى عند تمام الاستقلال لتحل اللغة العربية لغةً للتعليم والابتكار لنتدارك الركب من جديد، وليعود التألق العربي إلى الواجهة، وإلى كل المتمسكين بلغة المستعمر فالتسمعوا كلام نجيب محفوظ عندما قال: «تحدثك باللغة الإنجليزية مع شخص عربي مثلك لا يدل إطلاقًا على أنك إنسان مثقف، بل يدل أنك إنسان جاهل بلغتك، ومحروم أيضًا من جمالها».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد