«في الربيع تظهر ألوان الأرض على الأرض، وتظهر ألوان النفس على النفس، ويصنع الماء صنعه في الطبيعة فتخرِج تهاويلَ النبات، ويصنع الدم صنعه فيخرج تهاويل الأحلام».

ـ الأستاذ الأديب مصطفى صادق الرافعيّ ـ

ماذا كنت ستقول أيها الأديب لو شهدت ربيع اليوم؟! وبأيِّ عنوان كنتَ وضعتَ هذا المشهد في منزل الجمال «وحي القلم»؟! الربيع في يومنا صار قِفارًا تحدو بالجباب عتبات البيوت، غدا فصلَ القتال والسفك والحروب، فصل الخيانات والانقلابات، فصل الجور في أشد الازدهار يجر ماشيته. حمدًا لله على سلامة كتابِك من مرارة اليوم، حمدًا لله على هذا الربيع الذي سطرته بقلبك ليكون عزاءً لنا. رحمك الله أيها الحبيب.

الأجسام المفتولة ضعيفة، ضعيفة لكونها ظاهرية القوى، ضعيفة بقدر قوة الكمون والاستتار. القلبُ قوي، قوي للدرجة التي تجلعك موقنًا أنْ ليس هناك بقوة، قوي حد الضعف الظاهري. قِف قليلًا. ربما لستُ على حق. الواقع مُغاير لقولي أو لبهتاني الذي أفتريه عليك الآن. أقول لك: إن المسألةَ شائكةٌ سيدي، شائكةٌ حد البساطة؛ المعطيات ماثلة، المطلوب مفقود، البرهان سآتيك به، لذا … ربما لن تصدقه؛ لما سَبَق من خَرف. أرجوكَ تَنبَّه. الصدمات في تناسبٍ طرديّ مع قوة القلب، الصدمات تتوالى، والقوةُ تتعالى، أراكَ مُقنَع العين! ليس لصِدق قولي، ربما لسياسة الفيزياء. انتظِر قليلًا سيدي، دعني أضيف بعض الفلسفة هُنا، الضربات الموجَّهة للجسم على الأكثر تحمل صفة المادية، الضربُ مُهين، والجسد مهما بلغ من الفتوة يصدع بعدد من الضربات. العدد مجهول، والنتيجة مشهورة. النكسات تأتي في صورة المعنى، النكسةُ سهم، القلب مزخرَفٌ بها في مقام التضحية، لا تَشغله الأعداد؛ هي الأخرى في كينونة المعنى، ولا يُغريه التباين؛ هو ذائق سائر الألوان على اعتياد. المعنى أقوى من المادة؛ لأنه لا يُدرَك، لا تستطيع أن تتحاشاه، مثلما الحب. المهم.. البدن يَنهض بعد الركوض بنَعش الفؤاد. قد تم الإثبات. أعلم، ما زلتَ لم تصدق، شكرًا لك.

يا أيها الربيع لقد استعملوك بلغة المجاز في وطني بمصطلح يسمونه «الربيع العربيّ»، ما أدركنا منه إلا منافاة المعجم في حَمل معانيك وتناسي العُرف في أنك فصل الجمال ونُضج الثمار والأزاهر. لقد رأينا في هذا الربيع مطرَ الحروب والقنابل؛ الأرض رِيُّها الدماء، والوردُ علی هيئة الأشلاء، الحصاد متباين كما تشاء؛ شابٌ، وطفلٌ، وشيخٌ مُسِنٌ ونساء. زعموا حسن التبديل فكان الأسوأ. حسِبوه عامًا ربما، فزادَهم سنينًا. في هذا الربيع الوطن لم يعد وطنًا؛ صاحب الانتماء مأفون، أو ربما مسجون. الرأي واحد والمخالف في أجندة الإرهاب؛ لجريمة التحالف. لا تَسلْني أي تحالف! هو جريمة٬ مِن فضلك لا تعترض. بالمناسبة، السؤال جريمةٌ أخری، هكذا هو، لا تُجادِل.

العربيّ قويّ. قويٌّ إلى الثمالة، إلى التبلُّد. قويٌّ بظاهرةِ الضعف العام، أو نظرية القوة لِظاهرية الضعف. العربيّ ذئب، متملِّقٌ لأسودٍ مجازية، هو ذئب على الحقيقة، ما سبق ليس بسبيل التشبيه. بالمناسبة، العربيّ من ذوي القلوب؛ لذا هو قويّ. القوى كامنة؛ لهيمنة الضعف الظاهريّ، ربما لبعض التغيرات المختَلة الحاصلة في سجية العربيّ. انظُر في تاريخ العرب الأوائل ترَ، البركان له ثورة ذات ميعاد لا تخلف عنه، لكنِ الخمودُ مميت، قاتلُ القلوب. الخطرُ محدِق، ما الفعل؟! لا تخف؛ العربيّ قويّ. ألَا تُصدق؟ ألستَ بعربيّ؟! ويلكَ تنفر من عروبيتِك! اسجنوه.

في عُصبةٍ من المُهلِكات وثُلةٍ من الصادعات تتأرجَحُ قلوبنا، تُساقُ فتَنساق دون تعقيبٍ أو انغلاق، فاتحةً أبوابَ الجحيم تُرحِّب بكل زائرٍ متطفل، بكل نازلةٍ اجتذبناها، أغرتنا آثارُها علی كل مُنتَحبٍ بها، ثُم إذا القلوبُ معلِّقة لائحةَ الترويج الشهيرة «مرحبًا بكل السيئين هلّا أوجعتمونا قليلًا؟!» لكنها قوية، لا تنسَ.

فَلْتَبْكِ الأفئدة على أرصفة الطريق، ولْتَعتَصِر فجعًا و ألمًا، ولْتَعلُ صَرخاتُها في الأرجاء؛ كي يَتجاهلها العالَم ولا يَعبأ بها المارَّة. فَلْتُبلِغ نعي الوطن والنشيد؛ لِتقفَ الأجيالُ في جنازة العلَم، ولْتُسمِعِ النفسَ سكراتِها؛ لتَشهدَ بعضًا من الاحتضار في جانب الروح، أمَا فقد قالوا: إن هنا ربيعًا عربيًّا.

هُنا، في جفاف الأحاسيس والمعاني؛ حيث وأد الآمال، وانقطاع الآجال. هنا يموت المعنی بمادية الإنسان. هنا! حيثُ لا تُدرِكُ آفاقَ هُنا فتَحسبها «هناك»، وما أنت ببالغٍ الأولی لتَری الأخری. أهلاً بك في ساحات القتال. هلّا تُشمِّر كي تَشهدَ البعض؟ أراك مُنهمِكًا في هَيجائك! سَلَّمَك الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد