حب العربية ليس قومية بغيضة ولا عنصرية مريضة، وذلك لكون العربية لسانًا يستطيع أن يتقنه كل أحد، وليست العربية عرقًا وأبوة وشجرة نسب، إذ لو كانت العربية شجرة نسب لخرج من العربية أصلها وروحها وحماتها وهم قريش العدنانية العاربة؛ الذين لم يدخلوا في العربية إلا لإتقانهم لغة جرهم التي هي من العرب البائدة.

كان لا بد من هذه اللمحة الافتتاحية للتأكيد على الفصل بين النسب واللسان في الانتساب للعربية، فأنت مجبور على نسبك، مخير في لسانك، وبذلك لا يفوتك فخر أن تكون عربيًا.

لكن لماذا كل هذا الحب للغة العربية، ولغات ربي في البلاد كثير؟؛ لو كان الحب يتعلق بعدد الناطقين باللغة، لما وجدت بديلا عن حب لغة الماندرين الصينية التي يتكلم بها ما يقارب مليار  إنسان باعتبارها لغة أم، بينما تقارب نسبة المتحدثين بالعربية نسبة المتحدثين باللغة الإسبانية، ولو كان حب اللغة يتعلق بعصريتها واستخدامها في التكنولوجيا الحديثة وفي الأبحاث ودخول الجامعات، لما أعطينا حبنا إلا للغة العصر وهي اللغة الإنجليزية.

هناك بعض الأسباب التي تتداول لكنها غير كافية لتبرير ذلك العشق للغة العربية، يقولون إن العربية هي لغة أهل الجنة، لكن هذا غير ثابت بنص صحيح، ولو ثبت فماذا أفعل بعشاق اللغة العربية من الملحدين الذين لا يؤمنون بالجنة ولا بلغتها، هداهم الله.

ولو قلنا إن حبنا للعربية ينبع من كونها لغة القرآن الكريم، وهذا صحيح وهو السبب الأول لحبنا نحن المحبين للقرآن الكريم، لكن لماذا يحب اللغة العربية أشخاص يؤمنون بكتب أخرى لغتها العبرية أو السريانية؟ ماذا أفعل بجبران خليل جبران وإلياس الخوري وإيليا أبي ماضي وخليل مطران وبطرس البستاني؟

إن اللغة العربية لغة لها قدسية، ولولا ذلك ما رفع بها الأذان حول العالم ولا ارتبطت هذا الارتباط الوثيق بالإسلام وعباداته.

إن العرب قبل نزول القرآن كانوا قد أتقنوا اللغة،كما أتقن السويسريون صناعة الساعات والفرنسيون صناعة العطور والصينيون صناعة الحرير والهند صناعة التوابل، وكما أتقن قوم موسى السحر وقوم عيسى الطب، فلما شاء الله أن يتحدى العرب تحداهم بما يتقنونه وهم أبرع الناس بالبيان والبلاغة فأعجزهم وأعجز من بعدهم.

لكن دعونا نفكر بموضوعية بعيدًا عن هذا السبب الذي لا خلاف فيه بين المسلمين على الأقل، لماذا نحب العربية ونحن نتقن غيرها من اللغات العالمية أو اللهجات المحكية؟ لماذا تطربنا تلك الأحرف والكلمات حتى ولو لم تكن قصيدة أو أغنية؟ لماذا لا يستمتع كل سكان الأرض بلغاتهم؟ ولماذا ارتقت العربية من كونها لغة لقضاء مآرب الحياة اليومية إلى لغة تسيطر على القلب والعقل وتسحرهما.

إن أجمل ما في اللغة العربية وهي ما أراه الزينة الفارهة التي تغرينا، هو الوزن فلكل كلمة وزن متناسق من السكنات والحركات، وهذا الوزن غير موجود في اللغات التي تنحت كلماتها نحتًا، بينما العربية فتشتق كلماتها وتتوالد بكل انسيابية ورقي، ناهيك عن تفوق العربية في عدد الجذور اللغوية وبالتالي كثرة مشتقاتها ومسمياتها، إن هذا الوزن الراقي هو ما يجعل الكلام العربي متناسقًا سواء كان شعرًا أم نثرًا، إن القصيدة العربية مطربة ولو لم تكت مغناة أو ملحنة على عكس كثير من اللغات الأخرى التي ابتكر الناطقون بها المقامات لتجميل لغاتهم أو ربطوا بين الشعر وخطوات الرقص، بل إنني أدعي أن اللغة العربية التي تتكلمها عجوز في سريرها الصغير موزعة موسيقيا، وهي تنافس أوركيسترا فيها مئة عازف في مسرح كبير . حتى إن ناطقي العربية من العوام إذا اقتحمت لغتهم كلمة أجنبية، شذبوها وصقلوها ووزنوها بميزان فطرتهم، ثم اشتقوها، ألم تسمع من الصبية مثلا قولهم عن خدمة الوتس آب (وتَّس – يوتَّس – موتَّس – توتيسا) فأي لغة تلك التي يأبى أطفالها إلا أن يحافظوا على صرف الكلمات كما يصرف الذهب والفضة.

ومما يجمل لغتنا العربية أيضًا، البلاغة والإيجاز، فأي لغة تلك التي تستطيع أن تعبر بكلمات قليلة جميلة عن قصص طويلة، وإنك لو تتبعت ما يكتبه السائقون على مؤخرة سياراتهم لوجدت من هذه العبارات الكثير، من قبيل: يسخر من الجروح من لا يعرف الألم، أو الحب أعمى، وهي كلمات نمر بها أحيانًا دون أن ندرك بلاغتها، ولو ترفعنا قليلا نمر بمثل قول جبران (الحقّ يحتاج رجلين؛ ناطق به وفاهم له) وأما كلام المصوم صلى الله عليه وسلم فتكثر فيه جوامع الكلم، ونوابغ الحكم، أما القرآن الكريم فلا يقارن بكلام البشر ولا يمكن الوصول إلى تلك الغاية من البلاغة.

وفي لغتنا الجميلة ذلك الرقي في الخطاب مع المذكر والمؤنث بالضمائر واختلاف صياغة الفعل، فيحافظ لكل إنسان على خصوصيته المحترمة، وزد عليه التنثية والجمع والإفراد، فأي لغة من لغات الإنس تفعل ذلك، حتى أنك تظن أن هناك اهتمامًا خاصًا بجنسك وشخصك وجماعتك، بعكس لغات أخرى قد لا تميز بين الإنسان والحيوان والجماد، والمفرد والجمع.

ومن مرونة اللغة العربية تنوع مخارج حروفها، بحيث يكون شراع الحنك وعضلات الفم في رياضة مريحة مستمرة، فالناطق بالعربية لا يعجزه مخرج للغة أخرى من أقصى الحلق والجوف إلى طرف السان والشفتين، فلا يعجز العربي حرف ثقيل روسي ولا حرف خفيف تركي، بل فمه مدرب مروض لكل ذلك، ثم إن العربية تراعي غالبًا في حروف كلماتها تباعد المخارج مما يعطيها رونقًا وسهولة في النطق وتناسبًا بين خروج الحرف والنَفَس.

ولن أحدثكم عن جمال الإعراب والحركات، فلربما كان لأحدكم قصة مع امتحانات اللغة العربية، إلا أن فضل الإعراب والحركات لا يغفل ذكره في هذا المقام. ولن أحدثكم عن جمال الخط العربي الذي يكمل الصورة لتصبح اللغة العربية جميلة للعين والفم والأذن لدى جميع الناس.

أما أنا فإني أحب اللغة العربية بحواسي الخمس فأنا أشمها وألمسها أيضًا،

هل أنت كذلك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد