ما زال الكاتب في الموضوع الذي ناقشه وعرض بعض الحلول المناسبة في نشر اللغة العربية في المنطقة من خلال العمل الدءوب، لا سيما الخريجون في جامعات الدّول العربيّة، إذ إنّ لكلّ جيل دعائمه في مجال الدّعوة ونشر الفضيلة، فالجيل الأوّل تعلّموا اللغة العربية خلال تعليمهم القرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة في الخلاوي، والمساجد، وفي بيوت الفقهاء، أمّا الجيل الثاني فدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية كانت في المدارس غير النظامية، بمعنى الحلقات القرآنية أو الدّراسات الإضافية أو المسائية بعد الدراسات الأكاديمية في الدول الأفريقية.

الجيل الثالث هو الرعيل الأوّل لبعض الخريجن في الدّول العربية الذين قاموا ببناء مدارس خاصة للغة العربية ذات مناهج بل مراحل دراسية ومقررات، كما فيه اختبارات وامتحانات وإجازات وعطل، كما في المدارس الرسمية للبلاد تمامًا، على الرّغم من أنها لا تعد ضمن المدارس النظاميّة لعدم اعتراف الحكومات العلمانية لها، إلا أنّها مدارس منظمة جدًا، تأخذ منها الحضور، وقبل التحاق تلميذ بها يفتتح له أو لها ملفًا يضع فيه بياناته ممّا يحدّد حسن الحال وقبحه، أو حسن السيرة والسلوك أم رداءته للتلميذ، من المرحلة الابتدائية، مرورًا بالإعدادية إلى الثانوية، ولا يتخرجون، وإنّما تعطيهم الإدارة شهادة تحدد مستواه الدّراسي ومدّتها بكل نظام.

أمّا الآن فنحن نعتبر الجيل الرّابع، أي الخريجين الكثر من الدّول العربيّة بتخصصات مختلفة، منهم من درسوا اللغة العربية، ومنهم من تخرجوا في الدّراسات الإسلامية، ومن تخرجوا في الشريعة الإسلامية، ومنهم حفاظ للقرآن الكريم، كما فيه حفاظ للأحاديث النبوية وبجانبها علوم القرآن والحديث، ومنهم من تخرّج في الدّعوة الإسلاميّة، ومنهم تعلّموا الإمامة، وكيفية إلقاء الخطاب الإسلامي على المجتمع، بل منهم من درس الفيزياء والكمياء والجغرافيا، والتاريخ وغيرها.

مما يدلّ على أنّ الخريجين في بلاد غرب أفريقيا بلغوا عددًا مناسبًا للعمل المستقل في مجال التعليم والإدارة لشؤونهم المكتبية الخاصة وباللغة العربيّة، والمجتمع الإسلامي يعني آباءنا وأمهاتنا لهم آمال صادقة في مستقبل اللغة العربية والإسلام في بلادنا، إذا ما وفّق الله هؤلاء الخريجين جامعات في بلادهم حتى يطوّرا مناهجهم للغة العربية والدّراسات الإسلامية من حيز الدراسات الثانوية إلى الدبلوم العالي، فالجامعية، هذا لا يعني عدم وجود الجامعات العربية في بلادنا حاليًا، بالتأكيد إن كثيرًا من الجامعات يوجد في بلادنا، وهذه الجهود من ضمن مميّزات الجيل الراهن، لا ضير لذكرها في هذه المنصة، إلا أنّ فعالية هذه الجامعات ضعيفة وضيّقة، لأنّها حتى الآن تواجه تحديات ضخمة من قبل الحكومات المحليّة، ولا تفتح لها حرية كاملة لممارسة أعمالها التربوية على ما يرام أهمّها الأساتذة الأكفاء وقادة المستقبل ناهيك عن توظيفهم تحت رئاستها وتوجيهاها الاستراتيجية نحو الغرض المقصود، وهو – نشر التربية الإسلامية في المجتمع – لأنّهم على دراية تامّة أنّ هذا النوع من التربية تخالف أنماط التربية العلمانية، ومن هنا تتجلّى الهدف الأساسي في محاولة قمع اللغة العربية قالبًا ومضمونًا في المنطقة، بما في ذلك ما وراءها الطابع العقدي يعني الجانب الدّيني، الذي لا يختلف فيه الاثنان أن العلمانية مضادة لأيّ رمز من الرّموز الدّينيّة، سواء كانت مسيحية أم يهودية أم غيرها من الأديان مع أنّهم ملّة ومتحالفة ضدّ الإسلام منذ فجره إلى يومنا هذا – والله غالب على أمره – ما دامت المعركة الثقافية الأيديولجية قائمة بين الإسلام والعلمانية في بلادنا والعالم كلّه حتى قيام الساعة.

على أي حال، لقد عرض الكاتب نبذة عن حالة اللغة العربية وأبناء المسلمين الخريجين في الجامعات العربية، وذكر أنّ عددهم كثير جدًا، وقد تخصّصوا في مجالات مختلفة، وأصبحوا أكفاء ومؤهلين للقيام بحركات التجديد في المنطقة إلا أنّ آليات القيام بها معدومة، وهذه الظاهرة تؤثّر سلبًا على مستقبل اللغة العربيّة، لأنّه في المثل يقال: (عند المنافسة أو السباق إذا توقّف جانب، فهو يتأخّر عن طريقة غير مباشرة) بمعنى أنّ الخريجين إذا لم يجدوا آليات تنشيط جهودكم، كفارس إلى هيجا دون سلاح) وبالتأكيد أن هذا الضعف أتوماتيكيا يعكس سلبًا على ولاة والأمور والتلاميذ في المراحل الدراسية الابتدائيّة، على غرار تساءلات: هؤلاء تخرّجوا، وليس لدهم عمل، بل حالاتهم سيئة كيف نسلك هذا الطريق؟ أليس أحسن لنا أن ننظمّ العلمانيين، وإن تكن ظاهرة البطالة موجودة أيضًا في هذا الجانب، إلا أنّ الكثير من خريهم ولو لم يواصلوا دراساتهم في الخارج، على الأقل يجدون ما يفعلون تحسينًا لأضوائهم الإنسانية، حتّى وإن كان فاقد عمل يجد الاحترام وتقدير من قبل الحكومة، لكونه درس اللغة الفرنسية أو الإنجليزية فقط، أمّا العالم باللغة العربية والدّراسات الإسلاميّة وإن أحرز مستوى الدكتوراه، لا يلقون إليه نظرة التوقير لا سيما عندما يرجع إليهم طلبًا للعمل فيظهرون له روح العداوة والبغضاء، بل والاستفزاز والتهميش بغية تضعيفه، ثمّ إلقائه إلى اليأس أنّ منهجه لن يكن لديه فعالية في هذا المجتمع، والله المستعان.

وهنالك جوانب أخرى يمكن ذكرها ولو بالتلميح ليعرف من لم يكن يعرفها، ويثبت العارف بها بياناته، كما أنّ ممثّلين لتلك الظاهرة مدعوين إلى المواصلة في مجهوداتهم القيّمة التي تساعد على مستقبل اللغة العربية والإسلام في بوركينا فاسو خاصة وفي غرب أفريقيا عامة، وهي كالتالية.

1- المنح الدّراسيّة

نعم هذه المنح تساعد أبناء المسلمين في نيل التربيّة الإسلامية لحد مستوى رفيع وجزى الله خيرًا على موفّري هذه المنح الدراسية لأبناء المسلمين، ويمكن الوقوف مهلة في هذه النّاحية، من البلاد العربية التي تقدّم المنح الدّراسيّة لأبناء المسلمين مباشرة عبر وكالاتها أو منظّماتها اللاحكوميّة في البلاد الأفريقية المنوطة، مثل: السّودان الحبيب، والجمهورية المصرية العالمة والمجاهد في سبيل نشر لغة الضّاد، والتي لا تكتفي بتقديم المنح الدّراسيّة إلى زيادة المعرفة في مصر، وإنّما ترسل بعثات عربيّة للتناوب في أفريقيا بغرض تدريس اللغة العربية والدراسات الإسلاميّة في الأرض الواقع، أعانها الله بالمواصلة في هذه المجهودات القيّمة، وكذلك السعودية خصوصًا جامعة الإسلامية بمدينة المنوّرة، تستقبل عددًا كبيرًا من أبناء المسلمين في أراضيها المباركة الطاهرة بغرض تزويدهم بالعلوم الدينية، كما أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة الليبيّة لعبت دورًا محمودًا والتي لم تختصر على تقديم المنح الدّراسيّة لأبناء المسلمين فقط، وإنّما انحاز إلى محاولة توظيف الخريجين في المدارس العربيّة في بوركينافاسو الذي شاهده الكاتب بعمق أعينيه، وفي أفريقيا، بل حاولت ليبيا أن تبني أكبر مؤسسة علميّة في القارة الأفريقية في مدينة كانو ـ نيجيريا ـ  في عام 2008 حتى تمّ تحديد المكان الواسع جدّا لهذا الأمر وبناء صور عظيم حوله ومكتب ليبي في داخله تمهيدًا لاستئناف العمل، لكن وللأسف أنّ العلمانيين أدخلوا ملابسات قمعية ومنعيّة في رأي الحكومة النيجيرية؛ ممّا أدى إلى فشل الخطة، وإلا لتخرّج أبناء المسلمين في هذه المؤسّسة بتخصصات مختلفة حتى الهندسة، والإلكترونيات بالحرف الضاد، والخطة التي استطاعت ليبيا تنفيذها في الغرب، لاسيما توظيف المعلمّ الدّارس بالعربية كانت مبادرة التي أعطت للغة العربية قيمة، وأدخلت الثقة في نفوس المسلمين في مستقبل اللغة العربية في بلادنا، وللأسف، أنّ هذه المجهودات كادت أن تنقرض بغياب الزعيم الأفريقي معمر القذافي، لا يهمّني ما يقوله معارض لهذا الرّأي، سواء كان ليبيّ أم عربيّ آخر، لأنّي أقول ما عشت في الأرض الواقع، والكاتب لا يكتب إلا إحساسه وشعوره بعيدًا عن الجانب العاطفي في عرض ظاهرة واقعيّة، هذا يعني أنّ المعارض للزعيم الأفريقي أو لليبيا كلّها، إذا ساعد أبناء المسلمين في أفريقيا، سيضع الكاتب أعماله على ورق يقرؤها القارئ ليعرف، وليس نذكّي أحد، ولا نطمس المعروف.

ومن النّوادر من البلدان العرب وهم – مشكورون – في شأن المنح الدّراسية، الكويت، والقطر، كما السعودية: إن كانت كبرياء للعالم الإسلامي في تقديم الدعم، لاسيما بناء المساجد، وحفر الآبار، وتطوير المجتمعات ببرامج مختلفة، إلا أنّ العلم أهمّ شيء وبدون العلم سوف يرث العلمانيون هذه الخيرات أويضعونها تحت مصالحهم بعيدًا عن الدين، بمعنى أنّ هذه البلاد لم يفكّروا في توظيف الخريج العربي عاملًا في بلاده! فيه طرق مختلفة لتوظيف الدارس العربي في بلده دون أن تتدخّل الحكومة المحليّة فيه، أو إرادة شيء من رواتب العمّال العربيين أو قمعها، وهي إنشاء مكاتب محليّة واقعيّة لتحقيق العمّال سيرتهم وأخلاقهم، بل وشهاداتهم، ثمّ بعد ذلك ربطهم بالجهات الخيرية عن طريق الإنترنيت لاستقبال شهريتهم، ولو كانت 100 دولار في كلّ شهر، حسب الاتفاقية في الاستمارة الإلكترونية والمستوى العلمي والمسؤولية التي يقوم بها الخريج الفاقد العمل في بلده، في البداية يقوم بتدريس اللغة العربية أو القرآن أو الحديث في أيّة مدرسة فيها هذه المواد، وتقوم المكتبة المحليّة بالإشراف على هذه الأعمال وجمع التقارير، بل وزيارة تلك المدارس وتقديم نصائح للمعلّمين، ثمّ بعد ذلك، لا أمنع بناء المساجد، لكن لتكون جنب كلّ مسجد جديد مدرسة عربيّة وإسلاميّة، وإذا كان الإمام لهذا المسجد خريج فالحمد لله فهو يتولّى عن إدارة المدرسة ويلّي بالنّاس، هذا رأيي في مستقبل اللغة العربية والإسلام في أفريقيا. ومن النّوادر: الأردن، وسوريا ، وتونس، أعاننا الله جميعًا.

وللأسف أنّي لم أسمع شيئًا من العراق في هذا الشأن وإن وُجد، فلاشكّ فيه أنّه أقلّ من القليل، وسوف تكون على الطريق بالمشاركة في جهود نشر اللغة العربيّة والإسلام في غرب أفريقيا.

الصنف الآخر من الدول العربيّة التي توفّر مجهودات مشكورة في تقديم المنح الدّراسية لأبناء المسلمين في أفريقيا، الجزائر، وضمنيًّا المغرب هي تلك الدّول التي غالبًا لا تتعامل مع الشعب المسلم مباشرة وإنّما عن طريق الحكومة، باسم تبادل الطلاب، ولربّما لا يستفيد الطالب العربي بهذه المنح إذا كانت تأتي عن طريقة الحكومة العلمانية في المنطقة والتي لا تريد تقدم اللغة العربية، بل والإسلام في المنطقة، لأساب يعرفها الصغير والكبير، إلا أنّ زخرفة الأشياء باسم الحضارة والقانون والنّظام أحيانًا تؤدّي إلى العمل الدّؤوب في ميزان أو مصلحة العدوّ، على ايّ حال يمكن أنّ يفهم الجميع أنّ الخريجين في الجامعات العربية والآن في بلادهم قادرون على القيام بالاتصال مع المجتمع العربي والإسلامي في جميع مجالات الحياة، ونحن كمواطن دولنا كانت من المفترض أن تتعامل الحكومة معنا لا سيما في مجالنا العربية والإسلامية لكونها مجالاتنا رسميّا، ومجالاتهم ضمنيًّا، وإن كانوا على زمام الدّولة، فالحكومة ليست دائمة وإنّما فترة مرحلية معقّتة، ننتخبهم على هذا الكرسي، وإن يروننا ضعفاء ومساكين بعد توليتهم على الحكم، فالضعفاء هم الذين أغناهم بالمال والعساكر، وكلّ أسباب الراحة بأموالنا نحن، أمّا العمل العربي الإسلامي فمستمرّ إلى قيام الدّهر، ولا أحد يمنعنا فيه إلا من أراد أن يقف أمام تطوّر المجتمع، ونهضة البلاد من خلال المنظمات والمؤسسات العربية والإسلاميّة في بلادنا، أهدافها واضحة نشر الفضلية والثقافة العربية والإسلامية في المنطقة، وإن روّجوا المعركة على أنّ من قام بشيء لا يعرفونه هم، أصبح هذا الشخص إرهابيًا، وانفجاريًا، قوّتنا في المعركة البراءة من الاتصال بأيّ جهّة مجرمة، انتهى يا إخواننا، أمّا بناء المدارس العربية والمساجد، بل الجامعات العربية في بلادنا، فليس إلا نوعًا من التقدّم لبلادنا وأمّتنا الإسلاميّة والعربيّة.

وأرحب بآرائكم عبر بريدي الإلكتروني في ملفي الشخصي بالموقع.

سوف نواصل التبادل في الجزء السادس لهذا المقال، والله المستعان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد