قبل الحديث عن مستقبل شيء لا بد من معرفة ماضيه؛ لأن الماضي هو الصانع للحاضر، والحاضر يستهدف المستقبل، وعليه يمكن عرض نبذة ميسرة عن دخول اللغة العربية والدين الإسلامي إلى القارة الأفريقية، ذلك لإعطاء القارئ مساحة لمتابعة الأحداث؛ بل قياسها لمعرفة مدى تدهور الظاهرة وتقدمها.

دخلت اللغة العربية في القارة الأفريقية قبل الإسلام عن طريق تجار العرب، أو القوافل التي كانت تعبر شبه الجزيرة العربية إلى شمالها ثم شرقها مرورًا بغربها، وقد كانت اللغات الأفريقية – وخاصة لغة هوسا في نيجيريا ولغة جيرما في النيجر- تستخدم الحرف العربي في الكتابة في دواوينهم، ولما ظهر الإسلام كان ذلك سببًا رئيسيًّا في انتشار اللغة العربية في أفريقيا، إذ إن الإسلام وصل إلى شرق أفريقيا، وخاصة إلى ملك الحبشة في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم-.

والعوامل الثقافية ساعدت على انتشار هذه اللغة؛ إذ توجد مواطن للتقارب والتداخل بين الثقافة العربية والأفريقية منذ قديم الزمان، كما أن الحركة التي قام بها شيخ الإسلام عثمان بن فودي في شمال نيجيريا كانت من العوامل الرئيسية لانتشار الإسلام واللغة العربية في شمال نيجيريا خاصة، وفي غرب أفريقيا عامة، وظهور الممالك الإسلامية كل من مملكة سونغاي في مالي، والحركة الصوفية في السنغال، والحركات القادرية والتجانية، كل ذلك ساعد على انتشار اللغة العربية والدين الإسلامي في المنطقة قبل زحف الاستعمار على البلاد، والدليل على ذلك أن الشيخ عثمان بن فودي لعب دورًا في غرب أفريقيا لم يسبقه إليه أحد، خاصة في شمال نيجيريا الذي تستوطنه قبيلة هوسا، وهي قبيلة عريقة جدًّا في غرب أفريقيا، ابتداءً من مدينة «كانو» الإسلامية التي انطلقت منها الدعوة إلى شمال البلاد، وإلى غرب أفريقيا عمومًا.

ومن ملامح مستقبل اللغة العربية في هذه المنطقة تدريب الكاتب بعض الدارسين على النطق بلغة الضاد في أسرع وقت ممكن، من خلال كتب عربية تحتوي على كمية كبيرة من الأسماء التي توجد في بيئة الدارس، وكذلك كتب المحادثة باللغة العربية ألفها الكاتب بنفسه، وطبقها على تلاميذه، بها مفردات مثل من أنت؟ ما اسمك؟ من أين جئت؟ إلى أين تذهب؟ هل صليت الظهر؟ هل أكلتَ؟ مع توجيههم في الإجابة أن يقول: نعم صليْتُ بضم التاء الضمير المتصل، من هذا؟ من هذه؟ سؤال الموجه إلى العاقل، وما هذا وما هذه لغير عاقل، هل عندكَ قلم؟ أعطني إياه!

هذه الاحتكاكات اللغوية تساعد التلاميذ على تطبيق اللغة شفهيًّا، إذ إن جلّ المدرسين النيجيريين وخاصة الهوسا، يدرسون كل شيء بلغتهم الهوسا، حتى في مدارس الأكاديمية الإنجليزية، يفضل لغته وهي أسهل عليه من التفكير في قواعد اللغات الأخرى عند الكلام، أما الكاتب فلا يجيد لغة الهوسا؛ بل إنه لا يظهر لهم أنه يستطيع الحديث بها بغرض حثهم على التحدث باللغة العربية معه، وقد نجح بصورة كبيرة فرح بها آباء الدارسين.

كما استطاع أن يضيف إلى حركة اللغة العربية في هذا المجتمع المسلم المجتهد كتبًا عربية ألفها بنفسه، منها المسمى بـ«دليل التلاوة»، يحتوي على جميع عناصر اللغة العربية للمبتدئين، كما يعالج الصعوبات في تلاوة القرآن الكريم عند الدارس غير العربي، وأدخله في منهج بعض الحلقات القرآنية، كما طور هذا الكتاب من مستوى الابتدائي إلى المتقدم، ويستطيع الدارس بعد استيعابه قراءة القصص القصيرة باللغة العربية.

وعليه هذه هي خبراتي التي اكتسبتها بنفسي مباشرة في ميدان التدريس، بل طبقتها على كثير من تلاميذي، ونجحت في تحقيق الهدف التربوي، بالأسلوب الذي بين يدي القارئ الصابر النجيب، وربما تساعد الآخرين في مجال التربية، خاصة مدرسي اللغة العربية أو الدراسات الإسلامية، الذين يتطلب منهم الوضوح في الأهداف العامة والخاصة للمادة، ثم تحديد الفئة المستهدفة حسب مستواهم الدراسي، فإعداد الدرس مع اتخاذ خطوات سليمة، وأساليب علمية مناسبة في إلقاء المادة، هما أهم شيئين في عملية التدريس الموضوعية، وذلك يجعل التلاميذ قادرين على الإجابة عن الأسئلة حول المادة المدروسة، وإلا فالهدف لم يُنجز بعد، كأن ُيدرّس التلاميذ دون خطوات، ولا مقرر، ولا منهج، يدخل الفصل ويأتي بهذا وذاك حتى ينتهي الزمن ويخرج، ويستمر على هذا سنة كاملة، وإذا اختبرت التلاميذ في الفصل لا أحد يستطيع أن يدرك بالضبط ما الشيء الذي نتحدث عنه، وللأسف مثل هذه الظاهرة توجد في مجتمعاتنا بشكل كبير جدًّا، للأسباب التالية:

إما أنه ليس له خبرة في مجال التدريس؛ لأن ليس كل عالِم بمُعلِّم، لكن كل مُعلِّم حقيقي عالِم، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإن لم يكن لديه علم فكيف يُدرّس؟ وإن كان بحرًا من العلوم ولا يستطيع أن يتخذ أساليب وطرقًا سليمة لإيصال علمه، فهو ليس بمُعلِّم قطعًا، ومنها عدم الرغبة في هذه الوظيفة، ومنها قلة المستوى، ومنها عدم حصوله على تدريب في مجال المناهج وطرائق التدريس.

كل هذه من التحديات التي تقف أمام اللغة العربية والدراسات الإسلامية في أفريقيا، وسوف نُكمل في الجزء الرابع من هذا المقال إن شاء الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد