كان قرار الحكومة الفرنسية إدخال اللغة العربية كمكون رئيسي بالمنظومة التعليمية بفرنسا، وذلك بفضل مجهودات وزيرة التعليم الفرنسية ذات الأصول المغربية نجاة بلقاسم، التي دافعت بشدة عن لغة الضاد باعتبارها لغة لها مكانتها في بلاد عاصمة الأنوار، مما خلق ردودا واسعة وصدى نقاشيًّا بين نخبنا. وخاصة في أوساط النخبة ذات التوجه التغريبي. الذي ما زال يرفع معاول الهدم في وجه لغته بدعوى أنها لغة أكل عليها الدهر وشرب، ولم تعد تصلح إلا أن تردد في المساجد والجنائز. وهذا إن دل على شيء إنما يدل على قصورهم الفكري وفقرهم المعرفي وجدبهم الروحي، الذي يفتقده هؤلاء النخبة من بني جلدتنا.

وكلمحة سريعة عن تاريخ دخول لغة الضاد إلى فرنسا. فإن أول من دعا إلى تعلمها هو الملك فرانسوا الأول في القرن السادس عشر أي قبل سقوط الأندلس بمدة غير قليلة. وهذا بفعل تأثير الحضارة الأندلسية بالقارة العجوز التي تعتبر أحد أسس بناء الحضارة الغربية.

بعد ذلك واصل المستشرقون اهتمامهم باللغة العربية وعلومها وآدابها من خلال كتب كليلة ودمنة لابن المقفع وكتب الجاحظ ورسائله.

بالإضافة إلى احتكاك الغرب مع المسلمين بالمشرق العربي في عهد الحروب الصليبية.

والمدرسة الفرنسية هي رائدة  المدارس الاستشراقية بأوروبا، بل يمكن الجزم أن أغلب المستشرقين الفرنسيين من أمثال:

سلفستير دي سايي ولويس ماسنجون الذي اشتهر باهتمامه وتحقيقه لكتب التصوف الإسلامي، وماكسيم رودنسون، كانوا يتقنون اللغة العربية فأهلهم هذا إلى أن يؤلفوا ويترجموا كتب التراث الإسلامي العربي وينشرونها في بلادهم.

ولا ننسى أيضا حملة نابليون بونابرت على مصر، التي كانت لها الدور الأبرز في تلاقح الثقافتين الإسلامية والفرنسية، بالإضافة إلى احتلال دول المغرب العربي في بدايات القرن العشرين، والذي ما زال تأثير هذا الاستعمار ساريا بها حتى هذه اللحظة.

ورغم التعامل الحذر التي تبديه بعض الدول والمؤسسات الغربية، إلا أن الإقبال على العربية وعلومها في تزايد مطرد. وهذا دليل على أن اللغة العربية هي لغة متجدرة في الكيان الثقافي النخبوي الفرنسي خاصة، والغربي عامة.

صحيح أن اللغة هي وسيلة معرفية للتعرف على الآخر، ويمكن استعمال اللغة كسلاح للتغلغل في المنظومة المجتمعية من أجل السيطرة على مقدراته الفكرية والعلمية والبحث عن مكامن الثغرات التي تمكن من إحداث كوة وشرخ بالمجتمعات المستعمرة. لكن أيضا اهتمام الغرب بلغة الضاد لم يأتِ اعتباطا إنما جاء بناءً على دراسات واهتمامات من مراكز البحوث الغربية المختلفة، لأنهم عرفوا وتيقنوا أن هذه اللغة  تتميز بخصائص لغوية وجمالية، والتي لقحت وطعمت اللغات الغربية خاصة الفرنسية والإسبانية والإنجليزية بقواعد وكلمات أثرت عليها في كيانها ونسقها اللغوي، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من ثقافتهم.

كما أن نزول القرآن الكريم بهذه اللغة لم يزدها إلا جمالا وتشريفا وغنى، كان له الأثر البارز في انتشار اللغة العربية في أرجاء المعمورة.

صحيح أننا اليوم  نعاني من أزمة على مستوى نخبنا وحكوماتنا المنكورة والمسعورة، التي لم تعد تولي اهتماما بلغتها الأم، وانعكس ذلك سلبا على مجتمعاتها التي فقدت اعتزازها بلغتها، ليس إلا لأنهم يجهلونها، وكما هو معلوم فإن الإنسان عدو لما يجهل. وإذا أردنا الخروج من ربقة التخلف العلمي والتكنولوجي والمعرفي، الذي ما زلنا نتخبط فيه، والذي انعكس سلبا على صورة العرب والمسلمين بالعالم المعولم، فإن الاهتمام باللغة الأم يعتبر من أهم أركان التنمية، لكي تكون في مصاف الدول التي يحسب لها ألف حساب.

واختم بقول المرحوم عالم المستقبليات المهدي منجرة (لا توجد أي دولة في العالم انطلقت في المجال التكنولوجي دون الاعتماد على اللغة الأم).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد