كنتُ في الرابعة من عمري، عندما بدأتُ التعرف على سحر لغتي الأم قراءة وكتابة، بحكم أن والدتي- رحمها الله- كانتْ مدرسة بالمرحلة الابتدائية. كان هنالك عالم مدهش يفتح آفاقه أمامي، لأزداد انشدادًا له مع كل يوم يمر من عمري: لك أن تتخيل كل هذا الكم من «التباديل» و«التوافيق» بين المفردات لتنتج كل هذا القدر من العبارات بمعان ومدلولات مختلفة تحتويها اللغة، ولتستقبلها حواسك صانعة تأثيرها عليكَ.

تأمل كيف يتدفق السيال العصبي من المشاعر بداخلكَ، عندما تسمع كلمات على غرار «أنا أحبك!» أو «لقد أنجزتَ عملًا عظيمًا!» أو «أنتَ رائع!»، مقارنة بكلمات أخرى مثل «يا لك من شخصٍ تافه! » أو «أنتَ حقير!» أو «ما هذه الحماقات التي قُمتَ بارتكابها؟!». كما أن اللغة العربية الفصحى تمتلك ميزة خاصة تختلف فيها عن بقية اللغات الأخرى: إنها ثرية بمفرداتها التي يفوق عددها اثنا عشر مليون كلمة، نحن لا نستخدم منها الآن إلا بضعة آلاف فقط.

كل هذا الثراء اللغوي للغة العربية أبرز نقطة جديدة ألا وهي تنوع استخدامات المفردات في دول عربية بعينها دونًا عن دولٍ أخرى. مررتُ بأول موقف لي في هذا الأمر عندما كنتُ طفلًا، وانتقلتُ من الكويت إلى العراق، حيثُ أننا تعلمنا في مدرسة كويتية أن اسم نبتة بعينها هو «دوار الشمس»- بحكم أنه يدور مع الشمس حيثما دارت إلى أن تغيب- لأجد أنهم يسمونه في العراق بـ«عباد الشمس»، وغيرها من المصطلحات الأخرى. بالنسبة للطفل الذي كنتُ عليه، كان الأمر مربكًا ولا يسهل استيعابه، وازدادت المشكلة مع تقدمي في العمر، عندما انتقلتُ إلى بلدان أخرى.

* * *

لم أنسَ تلك اللحظة أبدًا: تأمل والدي تلك الورقة وعلامات الحيرة تبدو عليه، قبل أن يناولها لوالدتي التي قرأتها بتمعنٍ ولمراتٍ عديدة، قبل أن تناولني إياها لأتأملها بدوري، ولنتساءل بعدها معًا عن ماهية محتواها! كانت ورقة القبول الجامعي الذي حصلتُ عليه للدراسة في الجزائر، عقب حصولي على شهادة الثانوية العامة (أو البكالوريا مثلما يسميها الإخوة في المغرب العربي)، وراح والداي يتساءلان: ترى ما هو التخصص الذي تم قبول ابننا به؟!

بخلاف التسمية الرسمية للجزائر في أعلى الورقة «الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية»، وبقية البيانات التي تخصني، والإفادة بقبولي في جامعة «مستغانم»، وضعتْ أمام كلمة التخصص الكلمات التالية فقط: «جذع مشترك، تكنولوجيا، إعلام آلي»! ظننا أنه في البداية «الصحافة والإعلام»، طالما بأن هنالك كلمة «إعلام» في «القبول الجامعي، لكن وعقب ذهابي إلى وزارة التعليم العالي الفلسطينية، وسؤالي بإدارة المنح هناك عن فحوى الورقة، تبين بأن المنحة لدراسة الهندسة! وأن كلمة «جذع مشترك» تخص المواد الدراسية التي يدرسها الطالب في كلية الهندسة، قبل أن يشرع بدراسة مواد التخصص الهندسي الذي يرغب به. أما «الإعلام الآلي» فهو التعريب الجزائري المقابل لمصطلح «علوم الحاسوب» المستخدم في المشرق العربي! (في تونس يستخدمون مصطلح «الإعلامية» للدلالة على المصطلح ذاته، وكلاهما تعريب للمصطلح الفرنسي L’Informatique).

وعقب تغييري التخصص الذي أرغب بدراسته إلى الصحافة والإعلام، وجدتُ «لغة عربية فصحى أخرى» لا أعلم عنها شيئًا: طلبوا مني هناك في مختلف الإدارات المحلية «تاريخ الازدياد»، والذي علمتُ لاحقًا بأن المقصود به هو «تاريخ الميلاد»! كما أنهم كانوا يسمون ما نعرفه في فلسطين «بشهادة القيد الجامعي» باسم «الشهادة المدرسية» و«استطلاعات الرأي» بـ«سبر الآراء»، ومصطلح «الإشهار» بدلًا من «الإعلانات» أو «الإعلان»! وغيرها من المصطلحات الأخرى التي رافقتني طيلة وجودي هناك. كما أنهم كانوا يسمون الدورات التدريبية والتأهيلية بـ«التكوين»! والتدريب العملي بـ«التربص»! و«الكفاءات» أو «الكوادر البشرية» بـ«الإطارات»! ولم يشذ التونسيون عن القاعدة في استخدامهم للمصطلحات الثلاثة الأخيرة بعينها للدلالات ذاتها. ولا تسأل عن مدى تعجبي من رؤية كيفية كتابة عبارة «أفعال المقاربة»، لشخصٍ من كبار السن ممن تعلموا لغة عربية فصحى لم تعد سائدة هناك الآن، وذلك بوضع النقطة تحت الفاء لا فوقها، والاكتفاء بوضع نقطة واحدة فقط لحرف القاف!

* * *

وما قد يزيد الأمر تعقيدًا أن هنالك كلمات باللغة العربية الفصحى مستخدمة في بلاد عربية معينة قد أخذت مدلولات مختلفة أو حتى بذيئة في اللهجات المحكية لدول أخرى، مما صنع الكثير من المواقف شديدة الإحراج بين مواطني الدول العربية عندما يتحدثون بتلك المفردات، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا لدي، سواء من خلال خبراتي الشخصية في التنقل والعيش في مختلف دول الوطن العربي من شرقه إلى غربه، أو من خلال ما قرأتهُ عن مواقف محرجة كتبها آخرون.

فقد روى الكاتب المصري محمود عوض في كتابه «بالعربي الجريح» قصة رحلة الفنانين فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب إلى المملكة المغربية، واستقبالهم هناك من قبل «أحد أصحاب القصور»، بحسب وصف عوض، حيثُ امتدح صاحب القصر فن فريد الأطرش، ليشكره الأخير بحسن نية واصفًا إياه بأنه «حساس جدًا (أي أنه ذو ذوقٍ راقٍ ومرهف الحس)»، لتبدو علامات الصدمة على وجه مضيفهم، قبل أن يهمس أحدهم في أذن فريد بأن ما قاله يعني باللهجة المغربية -وقتها- بأن المضيف «شاذ جنسيًا»! وأنه بذلك قد أهان صاحب الدار الذي أكرمهما إهانة ما بعدها إهانة!

* * *

خلال مشاركتي في المنتدى الشبابي الأورومتوسطي في تونس عام 2015، قدم لنا المشرفون على المنتدى استمارات كي يقوم المشاركون بتعبئتها، وقد كانت باللغتين: الفرنسية، والعربية الفصحى المستخدمة في تونس. ضحكتُ ساعتها على صدمة صديقين من الأردن، كانا مشاركين بالمنتدى، بسبب سؤال في الاستمارة هو الآتي: «هل شاركتَ في بلدك بـ«حملات تحسيسية»؟(!)». ذلك بأن «التحسيس» في العديد من لهجات بلدان المشرق العربي يعني «التحرش الجنسي باللمس»! في حين أنه في تونس والمغرب والجزائر يعني باللغة العربية الفصحى «التوعية»، وهو ما يعني بأن حملة «تحسيسية» هي «حملة توعوية»!! وكثيرًا ما ضحكتُ على مطالبات عددٍ من التنظيمات الطلابية في تونس بضرورة «التحسيس بالقضية الفلسطينية»، بفعل الطريقة التي قد يفهم بها الأمر لدى المُتلقي في بلدي!

أما الموقف الذي كان أكثر طرافة، والذي حدث معي خلال وجودي في منطقة «حومة السوق» في جزيرة جربة التونسية، رؤيتي للافتة كتب عليها باللغة العربية الفصحى المتداولة في تونس: «ممنوع الانتصاب منعًا باتًا!». تبينتُ لاحقًا بأن المقصود من اللافتة هو منع وجود الباعة المتجولين الذين يضعون بضاعتهم على الأرصفة وفي الطرقات، فيما يعرف بـ«اللغة العربية التونسية» بمصطلح «الانتصاب العشوائي» أو «الانتصاب الفوضوي»! وهو مصطلح كثيرًا ما سمعتهُ بوسائل الإعلام هناك، ولك أن تتخيل ردة فعل أصدقائي من المشرق العربي أمام هذا المصطلح الذي يحمل- بالنسبة إليهم- دلالة جنسية واضحة لا سبيل إلى فهم أية دلالة أخرى سواها! وقد سبب هذا الأمر حرجًا شديدًا لإحدى الفتيات التونسيات التي شاركتْ في أحد الملتقيات الشبابية بالأردن، بسبب استخدامها هذين المصطلحين بالذات في جملة واحدة، خلال حديثها مع بعض المشاركين هناك، عبر مطالبتها بـ«ضرورة القيام بحملات تحسيسية لمنع الانتصاب العشوائي»!

وفي موقف آخر، كنتُ شاهدًا عليه شخصيًا: تم تنظيم فعالية تخص القضية الفلسطينية، بحضور امرأة ورجل فلسطينيين قدما إلى تونس للحديث عن أفضل السبل لدعم الشعب الفلسطيني، لينفعل أحد الأخوة التونسيين خلال مداخلة له، عقب انتهاء كلمتي الضيفين، قائلًا وهو يصرخ بأعلى صوته، مستخدمًا اللغة العربية الفصحى المستخدمة في بلاده:  «للأسف، في هذا الزمن أصبح كل العرب «ممحونين»!». تأملتُ ساعتها ملامح الصدمة وعدم الفهم على وجهي الضيفين، مداريًا ضحكتي بصعوبة بالغة، بسبب حرج الموقف: ذلك أن الأخ التونسي قصد بأن العرب «ممحونون» (أي مبتلون بمِحن عديدة- جمع «محنة» أي مصيبة)، في حين أن هذا المصطلح يستخدم، في اللهجة المحكية ببلادي، لوصف المستثارين جنسيًا!

وفي تونس، لو حاولتَ الذهاب إلى «حانوت»-أي دكان باللهجة التونسية- من أجل شراء «الطحين» فتأكد بأنكَ ستكون في موقفٍ محرج، حيثُ أن هذه الكلمة في اللهجة التونسية تعني «الدياثة» أو «السفالة»! كما أن كلمة «طَحَّان» تستخدم هناك للسب وتبادل الشتائم!

* * *

خلال إقامتي في تونس، جمعتُ العديد من المصطلحات التي وجدتُ بأنها غير مستخدمة في المشرق العربي، وأنها قد تكون حكرًا في استخدامها على التونسيين وحدهم في بعض الأحيان، مثل «شهادة الترسيم»، بدلًا من «شهادة القيد الجامعي»، و«حق التمتع ببطاقة العلاج»، بدلًا من «حق الحصول على بطاقة العلاج»، أو استخدام كلمة «البقاع محدودة» بدلًا من «الأماكن محدودة» من أجل دفع المتلقين إلى سرعة التسجيل في رحلة ترفيهية ما، في حين أننا اعتدنا، في المشرق العربي، استخدام كلمة «البقاع» مقرونة بكلمة «المقدسة» للتدليل على مكة والمدينة المنورة. ويستخدم التونسيون أيضًا مصطلح «الخطايا المالية» للدلالة على «الغرامات المالية»! كما يتم هناك استخدام كلمة «معجون» بدلًا من «مربى»، أي أنكَ ستشتري «معجون الفراولة» في تونس، في حين أن كلمة «المعجون» تستخدم في بلدان المشرق العربي للدلالة على «معجون الأسنان» غالبًا. وهنالك أيضًا استخدام كلمة «مغازة»، التي يقصد بها في تونس محل تجاري لبيع مختلف المنتوجات وهي تعريب لكلمة Magasin الفرنسية، التي أُخِذت بالأصل عن كلمة «مخزن» العربية! وكلمة «هرسلة» لدى التونسيين هي تعريب لكلمة Harcelement الفرنسية، والتي لا تستخدم للدلالة على التحرش، كما يقول المعنى الأصلي للكلمة الفرنسية، بل يكون استخدامها مقرونًا بانتقاد الإجراءات الرسمية القمعية، فقد تجد-على سبيل المثال- حديثًا عن «هرسلة رجال الأمن»، تجاه محتجين بمنطقة ما، أثناء حقبة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي!

* * *

عقب التفكير المعمق في تجربتي بالتنقل بين مختلف المؤسسات التعليمية في مشرق العالم العربي ومغربه، أجدُ أن التنوع في استخدام مفردات اللغة العربية بهذا الشكل أمر معتاد بالنسبة لمختلف الأمم، وظاهرة طبيعية تمامًا، ولا يمكنني القول بأن مصطلحات اللغة العربية الفصحى المستخدمة في دولة ما أفضل من تلك المستخدمة في دولة أخرى. لكنني فكرتُ بأهمية مشاريع الترجمة من وإلى اللغة العربية، في مختلف العلوم، والتي تتم الآن: كيف يمكننا بناء نهضة عربية علمية حقيقية، دون أن نقوم على الأقل بتوحيد المصطلحات التربوية والعلمية التي تتداولها مختلف المؤسسات التعليمية العربية بكافة مستوياتها؟ إن أي نهضة علمية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال اللغة. فقد استطاع الصينيون، مثلًا، تدريس مختلف العلوم، بما في ذلك الفيزياء النووية، باللغة الصينية المكونة من آلاف الرموز، رغم أن الصين، قبل مائة عام من الآن، كانت مجرد دولة نامية تعاني من الاحتلال والتبعية والجهل والتخلف في مختلف المجالات، إلا أن أبناءها أصروا على نقل تلك العلوم إلى «المندرين»، لغة الغالبية العظمى من السكان هناك، و«تصيينها» -إن جاز التعبير- ومن ثم بناء نهضة حقيقية، وتدريس ذلك لمئات الملايين من أبناء شعبها.

إن توحيد المناهج العربية وطرق التدريس والمصطلحات المستخدمة في المؤسسات التعليمية، باختلاف درجاتها وأنواعها، سيؤدي بطبيعة الحال إلى تقارب تدريجي في المصطلحات واللهجات، قد ينتقل لاحقًا إلى مستوى تعميق الارتباط اللغوي ومن ثم السياسي بين مختلف أقطار الوطن العربي من أجل تحقيق حلم الوحدة بالتدريج بين تلك الأقطار، التي تتشارك مع بعضها البعض في وحدة الهوية والمصير والثقافة والتاريخ المشترك، وهو حلم ينبغي ألا نهمله، مهما كانتْ ظروفنا الحالية كعرب حالكة السواد، لأننا نسعى لأن نبني مستقبلًا أفضل لمن سيحيون بعدنا في وطننا العربي.

من يقول لي بأن أمر وحدتنا «مستحيل تمامًا»، فسأقول له بهدوء: تأمل واقع أوروبا التي انخرطت شعوبها لمئات الأعوام في حروب طاحنة ولأسباب متعددة، ورغم ذلك استطاعتْ تكوين اتحاد قوي يحسب له ألف حساب في السياسة الدولية، أعضاؤه ثمان وعشرون دولة، معظمها لا تتحدث اللغات ذاتها، ولا يوجد بين كثير منها قواسم مشتركة مثل التي تجمعنا، بل على العكس من ذلك، إذ أن بينهم عداوات تاريخية متجذرة، ولم يكن أجدادهم يتخيلون أن يحققوا ما حققوه الآن معًا. كل ما أتمناه أن تتوفر للأجيال القادمة من أبنائنا أو أحفادنا أو من سيأتون بعدهم الإرادة والعزيمة لتحقيق حلم وحدتنا.

خلال تطوعي للعمل كمنسق في برنامج «صوت الشباب العربي»، تحدثتُ مع بعض المشاركين بالبرنامج عن نقطة الاختلاف الموجود في استخدامات مفردات اللغة العربية الفصحى، بين المشرق والمغرب العربيين، والمشاكل المتعلقة بذلك، خاصة على صعيد تعريب المصطلحات العلمية والأكاديمية، لتعلق فتاة مراهقة كانتْ تشارك في ذلك بالبرنامج بالقول:  «هذا يعني أننا لا نتحدث بـ«لغة واحدة» فعليًا! كيف يمكننا أن نفهم بعضنا إذًا في المستقبل البعيد وبالشكل الأمثل؟». قلتُ لها ساعتها: ـ«لقد فهمتِ المغزى من حديثي كله! تهانينا!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد