لعل أهم الملاحظات المسجلة بمناسبة إحياء هذه السنة لليوم العالمي للغة العربية المصادف للثامن عشر من شهر ديسمبر (كانون الأول)؛ تتركز حول تزايد إقبال الأجانب على اللغة العربية وثقافتها؛ سواء في إطار التعلم والتعليم، أم في الإعلام بأنواعه كافة؛ المرئي والمسموع والمكتوب والإلكتروني، مقابل إدبار أهلها عن تعلمها وتعليمها واستعمالها في أشكال التواصل كافة.

ففي الوقت التي أطلقت معظم الدول الكبرى؛ لا سيما العضو بمجلس الأمن الدولي؛ وهي إنجلترا؛ بي بي سي وفرنسا فرنسا 24، والصين؛ الصين CCTV وروسيا؛ روسيا اليوم؛ قنوات فضائية دولية باللغة العربية، لا نلمس الحماسة نفسها في أقطارنا العربية؛ التي تنزع نحو الإقبال على الإنجليزية في دول الخليج العربي والشرق العربي، بينما تنفتح دول المغرب العربي على الفرنسية والإسبانية والإيطالية.

السؤال المطروح هنا:

لماذا يقبل الأجانب على اللغة العربية في الوقت الذي ينفر منها أهلها؛ هل تنطبق عليهم هنا قولة عبد الرحمن بن خلدون؟:

والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إما لنظرة بالكمال بما وقر عندها في تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقادًا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء.. ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسة ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها، بل وفي سائر أحوالها.

لا شك أن ارتفاع نسب متعلمي اللغة العربية من الأجانب المسافرين إلى عالمنا العربي؛ عائد لعوامل كثيرة؛ لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001؛ والتي دفعت الأمريكيين خاصة، والغربيين عامة، إلى المجيء بكثافة لعالمنا العربي والإسلامي من أجل تعرف ثقافته وحضارته؛ فكان لزامًا تعلم أبجديات اللسان العربي من أجل العبور إلى مكنونات العقلية العربية والإسلامية، ورصد أنماط التفكير والتواصل.

من هنا، بدأت تنتشر بكثير من الدول العربية والإسلامية، معاهد ومراكز لتعلم اللغة العربية وتعليمها للناطقين بغيرها، سواء بالجامعات العامة أو في إطار مبادرات خاصة.

إضافة إلى ظهور نوع جديد من الإقامات السياحية؛ سميت بالإقامات السياحية اللغوية؛ مثل الرياضات التقليدية العريقة بالمغرب؛ لا سيما بالمدن السياحية الكبيرة مثل مدينة فاس العالمة، ومدينة مراكش الحمراء، زيادة على بعض الطلبة الأجانب؛ مثل الصينيين الذين يزورون جامعة الحسن الأول بمدينة سطات لتعلم اللغة العربية في إطار شراكة بين الجامعة والصين؛ أو الأمريكيين وغيرهم من الوافدين على جامعة الأخوين بإفران.

هذه التجارب والمبادرات؛ نجد لها مثيلًا في باقي الدول العربية، سواء إحداث معاهد لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها؛ والتي يتزايد عددها يومًا عن يوم ونذكر منها:

  • معهد اللغة العربية للناطقين بغيرها بجامعة الملك عبد العزيز السعودية.
  • مركز الشيخ زايد لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها بالإمارات العربية المتحدة.
  • مركز العين للكفاءة في اللغة العربية بجامعة الإمارات العربية المتحدة.
  • مركز تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، بجامعة الشارقة الإمارات العربية المتحدة.
  • مركز تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها بجامعة الزرقاء، أنشئ مع تأسيس جامعة الزرقاء في 1994.
  • معهد اقرأ لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها بالأردن.
  • مركز تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها بجامعة العلوم الإسلامية العالمية، أسس في عام 2000م.
  • مركز ابن سينا للعلوم الإنسانية بليل فرنسا.
  • معهد الضاد لتعليم اللغة العربية بجامعة نزوى سلطنة عمان.
  • مركز الأزهر لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها بمصر.
  • معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ونشر العلوم الإسلامية، رخصة بتاريخ 31.08.1994م، وقد بدأ العمل فعليا سنة 1997م.
  • مركز اللسان الأم؛ تأسس عام 2005، كمركز متخصص في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، الإمارات العربية المتحدة.
  • معهد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، جامعة النجاح الوطنية نابلس فلسطين.
  • معهد اللغة العربية للناطقين بغيرها السودان.
  • معهد اللغة العربية بجامعة إفريقيا العالمية في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها 1992.
  • مؤسسة إسطنبول للبحوث والعلوم إيثار؛ غير حكومية عام 2008.
  • مركز اللغة العربية للناطقين بغيرها في كلية الآداب والعلوم في جامعة قطر.
  • المركز الجامعي لتدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها التابع لكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط المملكة المغربية، 25 يوليو 2016.

هل يمكننا تفسير تنامي إقبال الأجانب على تعلم اللغة العربية في عالمنا العربي والإسلامي، بالأسباب الأمنية والفضول المعرفي والثقافي فقط؟

لا أظن ذلك، لأننا حين نلاحظ كبريات الشركات العالمية في مجال البرمجيات الحاسوبية والهواتف النقالة الذكية واللوحات والحواسيب الإلكترونية، تستهدف عالمنا العربي والإسلامي، مثل ويندوز ومايكروسوفت، وسامسونج على سبيل المثال لا الحصر؛ فإننا نستنتج أن العامل الاقتصادي – التجاري، له نصيبه من ظاهرة الإقبال على تعلم اللغة العربية في بلداننا العربية والإسلامية؛ حيث تتحذ الدول الأجنبية وشركاتها العابرة للقارات، الناطقين باللغة العربية، هدفًا أساسيًا في استراتيجية تسويق المنتجات والبضائع… من هنا فتعلم الأعاجم للغة العربية يساعد على التواصل التجاري مع الزبناء المفترضين بالدول العربية والإسلامية، التي توفر سوقًا هائلة وضحمة تتنافس من أجل استقطابها كبريات الشركات في العالم.

كما أن اللغة العربية تستعمل من لدن الأجانب في المجال الدبلوماسي؛ في إطار تنظيم العلاقات الدولية؛ من هنا تحرص كثير من الدول، وفي مقدمتها روسيا الاتحادية والصين الشعبية، على إرسال سفراء وقناصل ناطقين باللغة العربية إلى الدول العربية لتيسير التواصل وتوطيد العلاقات البينية.

كما أن القنوات الإعلامية الدولية باللغة العربية؛ عادة ما تقف وراءها وزارات الخارجية بالدول الأوربية؛ مثل قناة فرانس 24 الفرنسية؛ التي تؤكد إحصاءاتها، أنها الأكثر مشاهدة ومتابعة بالمنطقة المغاربية؛ أكثر من القنوات المحلية الوطنية لتلك الدول، والهدف المصرح والمضمر من إرسال بث فضائي بتكلفة باهظة، هو الترويج للخطاب الرسمي لتلك الدول في إطار تحسين الصورة وتلميعها لدى المخاطب والمشاهد العربي في إطار سياسة تمتين العلاقات لضمان المنافع الحيوية بالعالم العربي.

لكن السؤال الذي لا يجد له تفسيرًا؛ يتمثل في أسباب موقف العرب من لغة أجدادهم وأسلافهم؛ وعوامل نظرات الازدراء التي يحملونها بين جوانحهم نحو هذه اللغة.. هل لأنها ليست لغة الاقتصاد والمقاولات؟

هل يزدرون اللغة العربية لأنها ليست لغة التكنولوجيا الرقمية والبرمجيات الحاسوبية؟

تشير الدراسات المستقبلية أن اللغة الصينية هي التي ستحتل الصدارة في العالم قريبًا؛ وهي صدارة تنتزعها الصين من قوتها الاقتصادية الصاعدة بقوة وسرعة؛ ناهيك عن قدرتها على إرسال وهبوط مسبار فضائي للجانب المظلم من القمر؛ وهي المنطقة التي لم تصلها القوتان الفضائيتان الكبيرتان في العالم؛ أمريكا وروسيا.

إن إقبال الأجانب على اللغة العربية نابع أيضًا من إحساسهم بقوتها التعبيرية ناهيك عن غناها بالمفردات والمترادفات؛ من هنا لم يجد كثير من المنصفين في الغرب؛ ومنهم المستشرقين؛ صعوبة في الاعتراف بفضل اللغة العربية على لغات العالم ومنها اللغة الفرنسية؛ كما يؤكد الأكاديمي الفرنسي جان بريفو في كتابه أجدادنا العرب؛ حيث يبين بدون حرج؛ تأثير اللغة العربية في اللغة الفرنسية.

إن شعورنا نحن العرب اليوم اتجاه لغة أجدادنا وديننا وتاريخنا؛ هو جزء من الإحساس العام بالضعف والوهن والعجر أمام الحضارة الغربية التي حملتها العولمة إلى عالمنا العربي والإسلامي؛ من هنا فموقفنا الضعيف من لغتنا العربية، انعكاس لضعفنا وتذبذب شخصياتنا؛ ولا جدال في أن يصبح كثير من الأجانب أكثر استعمالًا واقتحاما للغة العربية الفصحى في المنتديات والإعلام والجامعات والعلاقات البينية والدولية، ناهيك عن الدبلوماسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد