إضاءات على اللغة العربية

ما أن تضع الأم العربية مولودها حتى تبدأ باختيار اسم له، تجلس مع نظيراتها من الأمهات ويبدأن باختيار أسماء غالبًا لا تكون عربية ولا تحمل أي معنى سوى أنها لفظ أعجمي، لتواكب الموضة.

ما أن تسير في شوارع العواصم والمدن العربية، حتى تجد لافتات كتب عليها أسماء المحلات والفنادق والمشافي بلغات أجنبية، قد تكون هذه الأسماء مرسومة بالخط العربي وقد لا تكون.

ما أن يفكر الشخص أن عليه مواكبة المجتمعات المتحضرة، حتى تجده يلهث وراء اللغات الأجنبية من إنجليزية وفرنسية أو غيرها من اللغات، ليدخل في أحاديثه اليومية مفردات دخيلة ليثبت للناس أنه متمدن.

ومن العجيب أن القائمين على التعليم في المدارس والجامعات لا يهتمون باللغة الأم، بحجة أنها لا تستوعب المصطلحات العلمية، ومن الصعب تعليم الطلاب المصطلحات العلمية العربية فلن يستفيدوا من تعلمهم في سوق العمل.

تناقح اللغات لايعني إهمال اللغة الأم أو استبدالها بلغة أجنبية. فعلى المرء أن يتقن لغته بشكل جيد ومن ثم يتجه إلى لغة عالمية أخرى.

تاريخ اللغة العربية

تقول الروايات إن اللغة العربية كانت لغة آدم في الجنة، إلا أنه لا يوجد دليل قطعي على ذلك. ويرى البعض أن أول من نطق العربية هو يعرب بن قحطان أبو العرب، وقد سميت اللغة باسمه.

في شمالي شبه الجزيرة نشأت لغتنا العربية ويرجع أصلها إلى اللغة التي كان يتكلم بها العدنانيون، وتختلف عن العربية القديمة التي تكلم بها القحطانيون، ومع قدوم القبائل العربية إلى مكة بغرض الحج، اختلطت قريش بالقبائل وراحت تأخذ كلمات تستحسنها من لغات القبائل العربية الأخرى، ومع ظهور الإسلام والفتوحات الإسلامية غدت مقصدًا لغير الناطقين بها، ونهل الأوروبيون في العصور الوسطى العلم من مراكز الإشعاع الحضاري العربي (الأندلس)، ومع فتح القسطنطينية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح.

يقول جوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب: (كلما تعمق المرء في دراسة العربية، تجلت له أمور جديدة واتسعت أمامه الآفاق، وثبت له أنه في القرون الوسطى لم تعرف الأمم القديمة إلا بواسطة العرب، وأن جامعات الغرب عاشت 500 سنة تكتب للعرب، خاصة وأن العرب هم الذين مدنوا أوروبا في المادة والعقل والخلق).

تأسيس مجامع اللغة العربية

مع رحيل العثمانين عن البلاد العربية ومقاومة سياسة التتريك التي انتهجها الأتراك مع بدايات القرن العشرين كانت الحاجة الملحة إلى إنشاء مجامع اللغة العربية، فأنشأ أول مجمع في دمشق عام 1918، وفي بغداد عام 1921 وفي عمان عام 1924، وفي القاهرة عام 1933. وكان الغرض من هذه المجامع خدمة اللغة العربية ومحاربة الكلمات الدخيلة والإشراف على تأليف الكتب والمناهج الدراسية وتعريب المصطلحات الأجنبية المستحدثة.

اليوم العالمي للغة العربية

أصدر المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة قرارًا يقضي بإدخال اللغة العربية ضمن لغات العمل الرسمية في الأمم المتحدة: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والعربية والروسية والصينية. وتقرر يوم  18 ديسمبر (كانون الأول) ليكون اليوم  العالمي للغة  العربية.

تحديات البقاء

اللغة هي الهوية، وإذا أراد شعب ما نهضة علمية وثقافية فعليه الاهتمام بلغته والتعصب لها. واليوم اللغة العربية تعاني من الغربة في المجتمعات العربية بين أهلها، بينما نجد أن هناك إقبالًا عليها وعلى تعلمها من الغرب، وخصوصًا أن هناك قرابة مليار مسلم من غير العرب يهرعون لتعلمها لأداء العبادات من صلاة ودعاء وقراءة القرآن الكريم.

فالعربية شئنا أم أبينا لغة عالمية، وهي لغة القرآن، والله الذي وعد بحفظ القرآن في قوله : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). سيحفظ لغته. ولن تندثر أو تختفي مع الأيام، ولن تكون اللهجات المحكية خطرة عليها أوبديلًا عنها. وكل ماعلينا -نحن العرب- هو الاعتزاز بها، والمحافظة على تداول الكلمات العربية الفصيحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد