اللغة العربية هي اللغة التي كتب الله لها شرفين: شرف أنها لغة أهل الجنة، وشرف أنها لغة القرآن الكريم، قال تعالى «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ»، وبما أنه قد مرت أيام على اليوم العالمي للغة العربية، كان من الجدير التوقف عند كثير من المحطات، خاصة وأن اللغة ركيزة مهمة في مقومات هوية أية أمة على وجه المعمورة.

فليست اللغة قيمةً جوهرية في حياة كلِّ أمَّة  فقط، بل هي قلب الأمة ومجدها، فهي الأداة التي تحُافظ على هوية المجتمع، وهي الأداة التي تحوي ثقافتها وتراثها، وتنقلُ حضارتها من جيل  إلى جيل، وتحافظ على بقائها وديمومتها، ولقد تراجعت مكانة اللغة العربية لاعتبارات عديدة، لعلنا نجد أهمــــها:

اعتبار أنها لغة قومية لا غير

قد نجد في الدساتير أن العربية هي اللغة الأم، لكن ما هي إلا شكليات تمرر بها عملية الرضا الاجتماعي، وأصبحت تعدُّ لدى الأوساط السياسية والاجتماعية في أغلب الأحيان لغة رجعية لا توحي على الرُّقي والازدهار، إضافة الى ظاهرة الاستهانة والتقليل من شأن اللغة  العربية لدى غير الناطقين والناطقين بها «وهذا هو الأمر والأدهى» تهدد  كيان اللغة العربية، ومستقبل الأمة العربية وهويتها، فقد  وصلت أبعادها السلبية إلى أعماقنا؛ فأصبحنا نعيش في ازدواجية فكرية ونفسية واجتماعية نتج عنها السلوك المزدوج، وعدم التوازن والتأرجح في اتخاذ القرارات، والتي تكون أحيانًا  قرارات مصيرية على مستوى الفرد والمجموعة.

خاصية الازدواجية (الفصحى وخلطها بالعامية)

إن وجود نظامين لغويين أو ما يسمــــــى «بالنظام المكتوب والنظام المحكي» يؤدي إلى خلخة النظام اللغوي، وهذا لا خلاف فيه، حيث يحصل التناقض بين شكليات ورمزيات الكلمات وقيمها، وقد عمدت كثير من الدراسات في علوم اللغة واللســـان وغيرها أنَّ هذه الازدواجيات سبب ضعف أية لغة.

الاحتكاك الحضاري اللغوي

بما أننا في عصر العولمة، وقد تعددت التحديات على مختلف الجبهات، فإن اللغة جبهة يراعى لها ألف حساب وحساب، ويمكن أن تتضعضع بسبب موجات الحضارة التي تعصف هنا وهناك؛ وإن كل لغة تتعرض للاحتكاك باللغات الأخرى مرشحة للتحدي، فالاحتكاك الحضاري يتبعه احتكاك لغوي في الغالب .

وهذا ما حدث في التاريخ فعلًا، وأدى إلى أن يجمع المصحف؛ لتتوحد الأقطار والأمصار بعدما دخلت العجمة على اللسان العربي، أما في العصر الحاضر، فإن اللغة العربية تواجه تحديات شرسة من قبل قوى العولمة، المتمثلة بالمصالح المادية الناتجة عن الاتصال الأجنبي، والتأثير الإعلامي القائم على الصخب والضجيج، والتبشير باللغة الإنجليزية على أنها اللغة العالمية للبشرية .

وإنَّ المتتبع لكثير من المغالطات التي رسخت في أذهان الكثير من أنَّ اللغة الانجليزية هي لغة العالم الحالي، ادعاء لا دليل عليه، خاصة عندما تدخل ضمن المحك العلمي النظري، وهذا ما أشـــــــــار إليه صاحب صدام الحضارات «صامويل هنتجون» وتهدف دراسته إلى ضرورة صنع نظامي عالمي يتواكب مع كل المعطيات، مع خلق هيمنة للدولة الأمريكية من كل النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وأنَّ ما ينتج عنه من صراع يتمثل في «صراع الهوية».

وإنني من هذا المقام لا أنكر وجوب تعلم اللُّغات، بل هـــو مقصد ومطلب شرعي، ولكنني أدعو إلى عدمية أن تحطم وتكسر المبادئ والثوابت ذريعة المشاركة في التقدم الزائف كما سماه ذلك «جلال أمين» في كتابه «خرافة التقدم والتخلف»، فلا نريد الانسلاخ من هوية وأمجاد هي التي صنعت الطرف الآخر، وإن الحضارة الغربية لمدينة إلى الحضارة العربية والتاريخ شاهد، وإنما الأيام دُوَل، والصعود والنزول والتقهقر سنن كونية. وإن المشكل الوحيد الذي يحول بين أن ترجع اللغة العربية إلى مكانتها هي افتقــــــــاد وجود آلية أو خطة عمل للتنفيذ التي هي واجبة في حق مجامع اللغة وأهل الاختصاص في هذا المجال.

فعُـدْ إلى لغـةِ القـرآنِ صـافـيَة

تَجْلو لكَ الدَّربَ سهْلاً كانَ أو جبـلًا

تجلو صراطـًا سويًّا لا ترى عِوجـًا

فيـه ولا فتنـةً تَـلْقـى ولا خَـللًا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد