لا شك أنّ أبناء المسلمين في غرب أفريقيا عامة، وفي بوركينا فاسو خاصة، كانت لديهم همم جبارة ورغبة عالية ونيات صالحة واستعدادات كاملة في تعليم اللغة العربية والدراسات الإسلامية، بل ونشرها في مناطقهم المسلمة المستضعفة، على الرّغم من التحديات والتهديدات من طلاب اللغة الفرنسية، وكذلك من المؤسسات الرسمية العلمانية، من حيث الاستفزاز، والتهميش، واستراتيجيات تقليل الشأن، علاوة على ذلك عدم الاعتراف بأهمية هذه اللغة في البلاد، من خلال عدم الاعتراف بشهاداتها ابتدائية كانت أو جامعيّة، لتبرير عدم توظيف حاملي هذه الشهادات بغض النظر إلى درجاتها ومستواها.

ظلّ طالب اللغة العربيّة في هذه البلاد صابرًا ومجتهدًا ومتمسّكًا بمنهجه الإسلامي والعربي، ولا يهمّه لومة لائم، ولا تكهنات أعمى ضلالته، بل حدد لنفسه فرصة خاصة للأمة الإسلاميّة بالقيام بالوعظ والإرشاد ودروس قرآنية ولغة عربية للصبيان وأمّهاتهم في المساجد القريبة من منازلهم، لأنّهم – طلاب اللغة العربية- هم المسؤولون عن تقديم النصوص، وتفسير المفاهيم الإسلامية بلغتهم الأم على أمّتهم، على رأسها «لغة موري» ولغة «جولا» وغيرهما من لغات الشعب البوركيني، وكلّ مجموعة تفرح وتفتخر بسبب تخرج أبنائها في الجامعات العربية؛ لأنّ هؤلاء الطلاب سيكونون قادرين على إشباع حاجاتهم ورغباتهم الاعتقادية، ويرفعون همهم الروحية نحو الإسلام الصحيح منكسين طلاسم الجهل والتحير.

وعلى الرّغم من عدم اهتمام الحكومة بدراسة أبنائهم، إلا أنّهم حاولوا بقدراتهم المالية البسيطة إيجاد مدارس خاصة للغة العربية والدّراسات الدّينية، وهم المسؤولون عن دفع الرواتب الشهرية لمعلمي اللغة العربية، أحيانًا يجد المعلم المكافأة، وبعضهم لا يجد شيئًا من المال، لكن لم يترك معلّم عربي عمل تدريس اللغة العربية؛ لأنّه لم يكن مدفوعًا شهرًا أو شهرين وما فوق؛ لأنّه يعرف جيّدًا أنّ هذا العمل خالص لوجه الله الذي سوف يجازيهم الحسنات في الدّنيا والآخرة.

أمّا آماله وحرصه الشديد أن يحصل على طريقة إلى الزيادة في العلم والمعرفة في البلدان العربية، ذلك للحصول على علوم متنوعة، وخبرات عميقة، وصدر واسع لتحرك أركان اللغة العربية والدّين الإسلامي إلى الأمام في المنطقة من خلال تعليم ونشر اللغة المقصودة وثقافتها في البلاد، وكذلك إلقاء المحاضرات، والندوات، والحلقات، والأنشطة الثقافية المختلفة، وهذا الجانب مهمّ للغاية لدى الطلاب المتخرجين في المرحلة الثانوية -مع فرص مواصلة دراستهم- ولو كان في جامعة عربية داخل البلاد أو خارجها، مثل الجامعات الإسلامية والعربية في كلّ من النيجر، وغانا، ونيجيريا، ومالي، والسنغال، وتشاد، وغيرها.

ويرغبون أكثر المواصلة في الجامعات بالدول العربية، أهمّها وأكثرها دعما للأمّة الإسلاميّة في غرب أفريقيا هي: السودان، والسعودية، ومصر، والكويت، وليبيا، وسوريا، إذ إنّ هذه الدّول – جزاهم الله عنّا خير الجزاء- لم يقصروا في دعم الطلاب الأفارقة لمواصلة دراستهم الجامعية في بلادهم المباركة.

لكن – وللأسف الشديد- بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، والتي تتعلّق بسقوط أطول برجٍ في العالم «مركز التجارة العالمي» في نيويورك، انتهزت أمّة الكفر أو بلاد «أنجلوسكسون» فرصة ذهبيّة – بل هي مخطط منهم– للقمع والقضاء على نهضة الحضارة الإسلاميّة والعربيّة في العالم عامة، وفي أفريقيا خاصة، وبالأخص «بوركينا فاسو» المسلمة، باتخاذ استراتيجيات مختلفة أهمّها:

  • تلقيب المسلمين بالإرهاربيين.
  • تجميد أموال المنظمات الخيرية التي تدعم الجهود الإسلامية والعربية في المنطقة.
  • تضييق حياة الدّعاة.
  • إثار الكراهية للغة العربيّة ومتحدثيها في البلاد.
  • ممارسة تصرفات غير عقلانية على المنتمين للعرب.
  • أخذ البطالة بوصفها سلاحًا حادًا وأقوى ضدّ الخريجين في الجامعات العربية.
  • إلقاء الخجل والرعب في صدور الناس، حتى من يتحدث باللغة العربية فهو قرآني وإرهابي حسب فهم الضالين من عباد الله.

كلّ ذلك أجندة سياسية أيديولوجية حاسدة بغية تحقيق أهدافها الاستعمارية الصليبية في بلادنا العربية والإسلامية، والله المستعان.

وأدّى ذلك إلى تدهور أو انقراض الأركان العربية في المنطقة، وأصبح خريج اللغة العربية يسوس في المدينة 40 ليلة دون عمل، بيد أنه ليس له إمكانية لبناء مدرسة عربية خاصة لنفسه، وبعضهم مالوا إلى أعمال غير مناسبة لخريج جامعي، وبعضهم والحمد لله جنحوا نحو التجارة، وبعض الباقين إلى الزراعة كأن لم يتعلّموا، لأنّهم لم يستفيدوا بعلمهم لقوله عليه الصلاة والسلام «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» حديث شريف، وليس ذلك فحسب، وإنّما هؤلاء الطلاب تحت مجهر راصد تصرّفاتهم لكونهم من المشتبهين بهم للقيام بعملية انفجارية في المنطقة، حقيقة ليس هذا هو الهدف بل إنّهم يعرفون تمامًا أنّ الطلاب العربية والدّين الإسلامي ليسوا بمجرمين، لكن هذه استراتيجيات منظمة من الأعلى إلى الأسفل للقضاء على أركان النور والهدى والتقى في بلادنا.

وعليه، المسألة المطروحة حاليًا، ما رأي ساداتنا العرب الكرام في هذا الأمر؟ أنظل على أقدامنا لهم تبعًا أم نستسلم لجبروت الأرض؟ أقصد حركة اللغة العربية – لا الدين الإسلامي- لأنّ الدّين في أرواحنا ورثناه من أجدادنا؛ فأصبح فطرة في أرواحنا، ونحن مسلمون في أيّ حال من الأحوال، لكنّ اللغة العربيّة يمكن القضاء عليها إذا ما وجدنا أسباب الحفاظ عليها، بل ونشرها في أوساط مجتمعاتنا.

لماذا أقول ذلك؟ لأنّ آباء التلاميذ الذين كانوا يتحمّلون مسؤولية دراسة أبنائهم في المدارس العربية الخاصة، جعلوهم ييأسون تدريجيًّا من مستقبل هذه المدارس من أجل تدهور جهودها، والحالة السيئة للغاية من بطالة خريجيها، والأسوأ أنّ كثيرًا من أصحاب المدارس العربية الخاصة في بوركينا فاسو وغرب أفريقيا بدأوا يحوّلونها إلى المدارس الفرنسية، ذلك لسبب تقدّم جهودها، لا سيما عند سقوط نظام «معمر القذافي» الذي بدوره كان يلعب دورًا محمودًا في بوركينا فاسو بحيث أنّ الرواتب الشهريّة للمعلم العربي المهجور المهمّش والمعلّق من حكومة بلده، كانت رواتبه تأتي من الجمهورية الإسلامية الليبية، فخريجو ليبيا وغيرهم يستفيدون من هذه الرّواتب ويؤدّون أمانتهم العلمية والثقافية بالعربيّة تحت سيادة العرب، لكن هذه الجهود كلّها مركوضة ومنتكسة ومنقرضة ومضمحلة، فازداد الحال سوءًا، وقطعت آمالمهم وأحلامهم وهممهم الغالية نحو طلاب العربية، والبعض يقولون إنّهم لا يصرفون «الرسوم الدّراسيّة» في شيء ليس له مستقبل، والعياذ بالله.

على هذا الصدد، أودّ أن أقف أمام ساداتنا الأعزاء – زعماء العرب- في هذه اللحظات المباركة وبواسطة الموقع العربي الزاهي المشكور جهوده «ساسه بوست» لأطرح بعضًا من الحلول المتواضعة.

هناك مثل أفريقي يقول: «دقّ الحديد قبل أن يبرد»؛ لأنّه إذا برد يكون من الصعب تحويله إلى المادة التي يريد بها الحدّاد، وهذه الاستعارات التصريحية تدلّ على وصول الزمن للاستيقاظ، لأنّه حتى الآن منهم من ظلّ ثابتًا على قدميه مؤمنًا بمستقبل اللغة العربيّة، وتحسين أحوال خريجيها، بينما يوميًّا ترى ضعاف الإيمان يخرجون أولادهم من المدارس العربيّة إلى الفرنسيّة، ناسين أنّنا كنّا في معركة غير مباشرة على الرّغم من قلّة قوّتنا، إلا أنّ لنا نفوذًا واسعًا، وهو مجتمع كريم يحب أن يرى الفضيلة في نفوس أبنائه بسلوك وأخلاق إسلامية كريمة، لذلك نؤمن أنّ مجدنا وكرمنا وثقافتنا العربية والإسلاميّة سوف تأخذ حيز الوجود والتقدير في غرب أفريقيا عامة، وفي بوركينا فاسو خاصة، قال تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون» سورة الحجر، الآية-9. على ضوء هذا أدعو إلى الاقتراح التالي:

  • إنشاء مكتب على شكل اتحاد لخريجي الدّول العربيّة في غرب أفريقيا، يقوم بأنشطته باللغة العربية، وهي اللغة الرّسمية الأولى في دستور الاتحاد.
  • الدّعوة لسادتنا العرب إلى إيجاد جامعات في دول غرب أفريقيا تابعة «لجامعة الدّول العربيّة» التي ستقوم بتوظيف الخريجين من الدّول العربية، وهم بدورهم سيفتحون مدارس عربيّة تدريجيًّا في جميع أنحاء البلاد تحت إدارة الجامعة المعنية، كما تستطيع أن تدرّب أئمّة ودعاة في هذه الجامعة، ووضع برامج إرشادية لهم لينفذوها في أنحاء البلاد.
  • تكوين اتحاد عام لخريجي جامعات الدّول العربيّة في دولة من دول غرب أفريقيا، حيث يكون له اجتماعات منتظمة وطارئة.
  • تسهيل القنوات الفضائية: الإذاعة، والإنترنت، تابعة للجامعة الدّول العربية في كل دولة من دول غرب أفريقيا.
  • إدخال اللغة الفرنسيّة لغة رسميّة للدولة في المقررات الدّراسية حتى يستطيع الطالب العربي أن يقاوم التحدّيات ويطالب بحقوقه المواطنية من خلال اللغة الرّسمية للدولة.
  • جمع كميّة كبيرة من المدوّنات الأفريقية فيها.
  • إن كانت هذه الظاهرة تحتاج إلى زمن فأقترح أن يكون لجامعة الدّول العربيّة صندوق خاص يدعم بعض من أساتذة اللغة العربية في البلاد، حتى يحصلوا على رواتبهم من صندوق الجامعة من خلال الإنترنت، أو مكتب خاص تابع لها في داخل الدول المقصودة.
  • زيارة الأمين العام لجامعة الدّول العربية جامعاتها في غرب أفريقيا في كلّ سنة على الأقل، ومقابلة الخريجين بغية توطيد العلاقات وتشجيع المحاضرين على هذا النهج العربي المنير، قال تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ» سورة مريم، الآية-40.

أمّا تقديم المنح الدّراسيّة لمواصلة الدراسة في الدّول العربية فجيّدة لا بأس به، لكن يمكن تقليلها حاليًا على غرار تبديلها إلى التمويل للجهود العربية في أرض الواقع، وستنتقل مستوى هذه المنح الدّراسية من البكالريوس إلى الدّكتوراه، ذلك أنّنا الآن نتمتّع بعدد كبير جدًا من الخريجين من جامعاتكم الرّائدة المكرّمة، وهؤلاء الطلاب يستطيعون أن يقوموا بحركات التجديد على ضوء نشر الدّين الإسلامي واللغة العربيّة بحرف الضّاد في بلادنا، كما يستطيعون بعلومهم الغزيرة وتخصصاتهم المختلفة، وخبراتهم الخاصة ورغباتهم العالية نصر الدّين والثقافة العربية والإسلامية، يستطيعون أن يعيدوا للأمّة الإسلاميّة مجدها وكرامتها وعزّتها وثقتها إذا ما نظرتم إلى هذه الفكرة بعين الاعتبار، أو تبديلها بما هو أحسن منها. أعانكم الله وزادكم بركات من السماء، لا نسجد إلا لله، ولا نؤمن إلا به، ولا نطلب معونة من عباده الصالحين إلا لوجهه الكريم، الله أكبر، نصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا هو.

السادة العرب! ليس لنا سادات نتّبع إلا إيّاكم، ولا منهج نسلكه إلا الإسلام، ولا لغة رسميّة نجيدها ونعبّر بها عن حاجاتنا وأغراضنا وهممنا وشعورنا وعواطفنا وأفكارنا واتجاهاتنا إلا اللغة العربيّة، فمن حاول القضاء عليها فقد طعن ضمائرنا، ومن اتخذ خريجيها عميانًا فهو أعمى مركّب ذو ذيل كذيل الحمار، ذلك لأنّنا نجيد الفرنسيّة تمامًا، تخاطبًا وكتابة، بينما هم لا يركّبون مجرد جملة اسميّة واحدة ولو أنفقوا كلّ ما لديهم من أسباب الرفاهية والغطرسة، ناهيك عن علوم البلاغة وأساليبها البديعة الراقية الخلابة للقلوب والمنشرحة للصدور يتمتّع بلذّة من يتذوّقها، ويستقيم سلوك من يفهمها خاصة القرآن الكريم، قال تعالى: «لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ» النحل، (الآية-103) التي لا يكتشفها أحد إلا أعطى التقدير للعقلية العربية.

فالشكر لله تعالى على هذه النعمة، ولا نريد الآن في هذه الظروف القاسية والتحديات القاسية إلا أسبابًا تمكّننا من رفع أنشطة اللغة العربيّة على مستوى الأمّة الأفريقية المتواضعة المسلمة خاصة، وعلى مستوى العالم عامة.

وأخيرًا، ليعلم من هدى الله قلبه للإيمان وألهم صدره التعاطف بهذه الكلمات الواضحة، وأمره إلى الاستجابة على هذا الطلب أو تبديل الرأي الذي هو أحسن منه، ليعلم أنّ المعركة بين الخير والشرّ قائمة إلى يوم الدّين، لا خير نوّيت فيه إلا وفيه شيطان إنس أو جنّ يحاول أن يضع عراقيل فيه، ويعمل جاهدًا لإفشاله، زيّن قرينه الشرّ في نفسه ويتمتّع به بل يراه خيرًا؛ لأنّ النّاس مختلفون في الأفكار وفي فهم الأمور والشعور بقضيّة الغير، بل لهم تفاوت في درجة الإيمان، فهذه العراقيل – لا بأس بها– هي من طبع الإنسان، لكن ألا يستطيع أن يمنعك أن تشارك بقدر ما يسر لك الله من جاه أو علم أو فكرة، أو مال، فأجره إلى الرحمن، قال تعالى: «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ» سورة الرّحمن (الآية-60) تحرّكوا قبل أن يطمس العدوّ منزلتكم في صدور النّاس.

ومن أراد الزيادة من التفاصيل، فليتصل بإدارة هذا الموقع لتقوم بخلق علاقة بيننا حتى نتماسك يدًا بيد في هذا الشأن العظيم، وإذا سمعنا السكوت، فسوف نواصل المعركة بما لدينا من إمكانية حتى يفتح الله لنا النصر.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله من كلّ ذنب والتوفيق من الله ذي الجلال والإكرام. وصلى الله على النبيّ المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه ومن والاه بإحسان إلى يوم الدّين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد