لغتي هويّتي

ما نعرفه من اللغة العربية قليل جدًا، فهي بحرٌ واسعٌ للغاية، ولكن هل فكّرنا يومًا بالكم الهائل من الجمال والعظمة عند الغوص فيه، غالبيتنا ورغم أننا عرب لا ندري إلّا بالمساحة الظاهريّة تلك المتواجدة على السطح الخارجي – هذا حتّى إن دريْنا – فلم نخُض به كما يجب أن نفعل، ولم نتساءل حتّى عمّا يوجد في الدّاخل من عظَمة وفخامة وجمال.

لغةُ الضّاد هي الأكثر بلاغةً وقدرة على وصف ما تكتُم وتخفي قلوبنا وعلى التعبير عمّا يجول في أذهاننا وخواطرنا ونفوسنا، هي الأكثر دقّةً، هي معجزة بحدّ ذاتها، فاختارها ربُّ البشريّة كي تكون معجزةَ أفصح الخلق محمّد – صلّى الله عليه وسلم – قد نزلت بها، فقال الله تعالى في كتابه الكريم: «إنّا أنزلناه قرآنًا عربيًّا لعلكم تعقلون» صدق الله العظيم.

إذًا، ماذا فعلنا بها!، لم نعطِها حقّها، أهملناها، قلّلْنا من قيمتِها الثّمينة، مجّدْنا وقدّسنا غيرها وهي المجد كلّه، ما عادتْ سطورها تستهوينا، وما عُدْنا نفتخر بها، هذا ونحن العرب.

حينما ينبتُ طفلهم ببنت شفةٍ بلغةٍ أخرى يفرحون ويهلوسون وكأنّه نطق معجزةً، يتمنّون أن يعيش اللغاتِ الأخرى لا أن ينطقَها فحسب، ويفعلون ما بوسعهم كي يعزّزوا تلك اللغات في نفسه وعقله ووجدانه، وكأنّ لغته الأم لغة الضّادِ لا فائدة منها ولا منال ولا حتّى بها ارتقاء، ألا يعلم أحدهم أنّه إن كان غيرَ متقن للغته الأم أو لا يجيد التّعبيرَ عن شيءٍ ما بها فلن يتمكن من التعبير عنه في غيرها، قال الأستاذ مصطفى صادق الرافعي – رحمه الله – فى كتابه « وحي القلم»: «ما ذَلّت لغةُ شعبٍ إلا ذلّ، ولا انحطَّت إلا كان أمرُهُ فى ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرِضُ الأجنبيُّ المستعمرُ لغتَه فرضًا على الأمةِ المستعمَرَة، ويركبهم بها ويُشعرهم عَظَمَته فيها، ويَستَلحِقُهُم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثةً فى عملٍ واحدٍ: أما الأولُ: فحبْسُ لغتهم فى لغتِهِ سِجنًا مؤبدًا. وأما الثاني: فالحكمُ على ماضيهم بالقتل محوًا ونسيانًا. وأما الثالثُ: فتقييدُ مستقبلهم فى الأغلالِ التى يصنعُها، فأمرهم من بعدِها لأمرِهِ تَبَعٌ»، صدِّقني إن لم تقوِّ نفسك بلغتك فأنت لست قويًّا بما يكفي، إن لم تقرأ عنها ولم تحاول توسعة مداركك بفهمها أو تحاول إعْطاءها حقّها الذي عليك إذًا لا تستحقُّها.

لغتنا ساحرة، فريدة، جميلة جدًّا، لم لا نجرّبُ التّلذّذ بها والاستمتاع بمصطلحاتِها المتنوّعة؟، لا أجزمُ أنّي لا أُخْطئ أبدًا أو أقوم بإدخال كلمة أعجميّة أثناء حديثي، لكنّني لا أصنعُ السّلطة بداعي التّحضّر أو حتّى لأكون كما يقولون «كيوت»، لما نستخدم لغات أخرى في مواضع لا داعي لها وكأن لغتنا لا تفي بالغرَض مع أنّها لغةٌ غنيّةٌ جدًّا بمفرداتها، فليعطني أحدٌ سببًا مقنعًا لكتابة كلمة مثل طويل بهذه الطّريقة «6weel»، مهلًا هذه ليست لغة حتّى، ممّ تشكو الحروف العربيّة يا عرب؟، والله إنّه لذلٌّ وإهانة، فنحنُ بحوزتنا أعظم اللغات وأغناها، وأكثرها فصاحةً وبيانًا، أكثرُ اللغات دقّةً بالتّعبير وإحدى أصعب اللغات لكن لا نقدّر، نمتلك اللغة الخالدة التي يستحيل اندثارها، أجمل اللغات وأقدسُها وأكثرها تميّزًا ومع ذلك نهرب منها إلى بديلٍ لا يُغْني عنها، قال الرسول محمّد – صلّى الله عليه وسلّم – في وصْفِها: «إنّ من البيان لسحرًا».

أقسم أنّ الأخطاء التي أراها في اليافطات في الشوارع أو في الإعلانات على التّلفاز وغيره توسعني قهرًا وضيقًا، أخطاءٌ في أساسيّات اللغة، فهكذا ونحن الأمّة العربّيّة التي ينبغي عليها أن تكون أكثرَ الأمم فصاحةً وإلمامًا وفخرًا بلغتِها.

إنّها عظيمة وعميقة، أكثرُ عُمْقًا مما تتصوّرون، دقيقة جدًّا، فحركة صغيرة تغيّر من معنى كلمة لا بل جملة بأكملها، وبحرفٍ واحد منها ننسج معنى كبيرًا، مثل: «قِ» وهي فعل الأمر من وقى وكذلك «رَ» أي انظر وغيرها الكثير فهل يوجد مثيلٌ لها.

الضّاد لا يكون إلّا بجوفها، وجملةٌ مكوّنةٌ من كلماتٍ عديدة تكتبُ بكلّ اللغات، وبها تُخْتَصرُ بكلمة.

اللغة العربيّة ليست مجرد لغة للتحدث بها أو طريقة لإيصال الأفكار، بل أكثر بكثيرٍ من ذلك، فلتخلق بنفسك لها شعورًا مغايِرًا، اختر لها مكانةً مرموقةً بقلبِك وحيّزًا يليقُ بمقامتِها، مجِّدها لترتفع قيمتُها في كيانك، وتذكر أنّك منسوبٌ إليها فأنت عربيّ، وهي هويّتك التي لن تتبدّلَ أو تتغيّرَ عليك ولن تتخلّى عنك وستظلُّ مخلصةً لك، لغتُك ستسنِدُك، سترفعُك، وبجمالها ستُبهرُك.

المُستعمرون يريدون اندثارها، فيبدأون بالتّلاعبِ بعقول أبنائها والسّيطرةِ عليهم بشتّى الطّرق، لكن علينا المواجهة والتّصدّي وعدم الصّمت، علينا أن نقوى ونعلوا ونتّحد بها فبغيرها نضعف ونتشتّت، نُطْمَسُ ونُهان، لا أقول أن لا نتعلّم لغاتٍ أخرى ولا أنكرُ أهمّيّتها، بل عليْنا تعلّمها كي نزيد معرفتَنا ونغذّي ثقافتَنا وغيْر ذلك، لكن لا وألف لا إذا قرّرْنا اتّخاذَ ذاك السّبيل، سبيلُ التّخلّي عن هُويّتِنا.

لا زالَ في جُعْبتي الكثير لأقولَه لكنّي سأكْتفي بهذا المقْدار اليوم وأنهي بقولي: «ربُّ الكونِ أعلمُ بخلودِها حتّى وإن سعى أحدُهم لإطْفاءِ أمجادِها في الأرض».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد