عالمنا الإسلامي عمومًا والعربي بصفة خاصة يعيش اليوم مرحلة حرجة جدًّا من مراحل تطوره، مرحلة ارتأيت الوقوف قليلًا عندها وعند الصراعات الفكرية والثقافية الحديثة التي تطفو على السطح، خاصة وأننا اليوم نعيش في عالم تعصف به رياح السرعة والتغيير في كل ثانية من عمره، وبالتالي كان من الضروري، بل من الواجب، إلقاء نظرة عن كثب لمعرفة تأثير هذا التغير والانفتاح في العقل العربي والبحث في الطريقة التي يستجيب بها سلبية كانت أو إيجابية. ويمكن البدء بطرح أسئلة بسيطة من قبيل: كيف استجاب المجتمع العربي لثورات القرن الواحد والعشرين؟ وكيف سيكون مستقبل العقل العربي في العقود القادمة؟

في البدء، لا بد أن نتفق على نقطة أعدها مهمة في نقاشنا هذا بالرغم من بداهتها ووضوحها، وهي أن واقع العالم العربي والإسلامي لا يمكن أن يقول عنه العاقل إن ساكنته هم «خير أمة أخرجت للناس»، رغم أنهم صدعوا رؤوسنا بهذه العبارة في المدارس ونحن صغار وأوهمونا بأن هذه الجملة صحيحة وأننا أفضل حضارة في العالم، وحين كبرنا قليلًا استوعبنا واقعنا كانت الصدمة على مقدار التخدير الفكري التي تعرضنا له. إننا نعيش أزمة خانقة، أرى أن السبب الأول فيها هم رجال الدين أنفسهم، عن قصد أو عن غير قصد، باعتبار الدين هو المكون الأساسي الأول للعقل العربي، عبر تراث ديني بالٍ أصبح غريبًا عن عصرنا وصار عصرنا يتبرأ من أكثره. هذه الأزمة الثقافية الفكرية ربما لا تكون جلية للوهلة الأولى إلا لفئة معينة من الناس لكن آثارها ونتائجها لن ينكرها إلا مجنون، لأنها تتمظهر في الكثير والكثير من نواحي الحياة اليومية للمواطن البسيط بدءًا بالمياه الصالحة للشرب التي لا يستطيع الحصول عليها، مرورًا بأكوام النفايات التي تعوم فيها الشوارع، وانتهاءً بالقول بأن كل هذا ما هو إلا قدر ينبغي الصبر عليه حتى مجيء قدر آخر أقل سوءًا. كل هذا يحصل وسط تبجح دوغمائي بالإيمان والإسلام، ووسط افتخار باستحقاق الجنة لمجرد امتلاء المساجد أيام الجمعة وترتيل القرآن في المناسبات الدينية ولمجرد أنهم أخبروك بأنك مسلم دون السؤال عن معنى أو مقتضيات أو ماورائيات هذه الصفة.

الذي يتابع محاضرات الشيوخ والفقهاء ودروسهم ومواعظهم يدرك بسرعة أن هناك خللًا ما، وتكون سرعة الإدراك أكثر كلما تقدمنا في الزمن، وربما يكون هذا الخلل أحد الأسباب التي تدفع الكثير من الناس لعدم المبالاة بخطب الجمعة وباقي الخطب الدينية بل عدم حضورها مجددًا أبدًا من طرف الكثير من معارفي. هذا الخلل الظاهر أحد نتائج الأزمة الفكرية التي قادتنا إلى العيش في عالم موازٍ للواقع ومعزولٍ عنه تمامًا، عالم يصلي فيه أحدهم صلاة الصبح في المسجد وبعد الانتهاء يفتح دكانه ويبدأ في مهارات الغش في البيع والشراء. إن هذا البعد عن الواقع والطيران في عالم المثالية والجنة والخيال من طرف الشيوخ أولًا ثم بقية العامة من بعدهم هو الذي تمخض عنه النفاق الاجتماعي الذي نعيشه، وكذا عدم الاستجابة للمتغيرات المجتمعية والتاريخية، حيث إن العقل الجمعي العربي يمكث في برجه الطيني (وليس العاجي) منذ قرون عدة، مستقلًّا عن الواقع ومقدمًا أجوبة جامدة جاهزة محفوظة من مئات السنين ولا يدرك أن الواقع يتغير باستمرار ويجب النزول إلى أرضه والتخلص من التحجر من أجل مواكبة العصر والإجابة عن تساؤلات الشباب الجديدة التي لا بد من بذل مجهود لفهمها وبلورة أسلوب جديد للإجابة عنها. إن العقل العربي مع كامل الأسف ولكل الأسباب السالفة الذكر لم يستطع رغم محاولات ضعيفة إنتاج المعرفة، ولن يستطيع ذلك ما دام عقلًا قياسيًّا يقوم بالرجوع إلى كتب بالية وثرات ديني قديم لحل مشكلات اليوم.

ولكي نجيب بشكل مقتضب عن سؤالنا الأساسي لهذه التدوينة: كيف استجاب العقل العربي للتغيرات السريعة الحديثة؟ نقول بأنه استجاب بمقاومة فاشلة لا طائل منها، مقاومة إن دلت على شيء فهي تدل على الجمود ورفض سنة الكون التي هي التجديد والحركة، هذه المقاومة جعلت الحياة عبئًا على العقل العربي لأنه لم يستطع مسايرتها مما قاده بالضرورة إلى التخلف عن العصر فكريًّا وعلميًّا وحتى أخلاقيًّا. لكن إلى جانب هذه الاستجابة التي تشكل الغالبية العظمى، تبين في العقود القليلة الأخيرة، وبعد التغيرات التي شهدتها المنطقة (الربيع العربي مثالًا)، أن هناك شذرات مضيئة هنا وهناك تسير عكس تيار الثرات الاعتياري وتنبئ ربما بمستقبل أقل ظلامًا وتخلفًا مما مضى. هذه الشذرات تتمظهر أساسًا برفض تفاسير الثرات أو جزء منها، وإن كان هذا الرفض عنيفًا أحيانًا، هذا الرفض يقابله لحسن الحظ قول بأن العقل وسيلة للتفكير ولا بد من استخدامها وهذا الاستعمال هو الذي أدى إلى وضع الكثير من أفكار وتأويلات الثرات جانبًا، بحثًا عن أخرى أكثر عقلانية ومواكبة للعصر الحالي. إضافة إلى أن التطور التكنولوجي ساهم بشكل كبير في إحداث زعزعة للأفكار الراكدة، فأصبحت الأسئلة تكثر وتتكوم في ذهن الإنسان العربي وحين يبحث عن أجوبة يدرك أن ما في أكثر الكتب الفقهية ليس منطقيًّا ولا يقدم إلا الكوارث من الأجوبة، فمثلًا بعد مخالطة الغرب والتعرف إلى تفانيهم في العمل وأخلاقهم الجليلة يتساءل العربي قائلًا: إذا كان المسلم وحده هو من سيدخل الجنة كما هو متعارف عليه في التراث، وإذا كان الكثير من المسلمين يعانون من أزمة أخلاقية كارثية، وإذا كانت الأمة تنقسم إلى 73 فرقة واحدة منها فقط هي التي في الجنة، فهل هذا يعني أن عشرات الأفراد فقط من السبع مليارات إنسان في العالم هم من سيدخلون الجنة، أما الغرب برغم كل حسناته التي يفوق بها المسلمين أحيانًا سيدخل النار؟ أين المنطق هنا؟ وللأسف هنا يقف الثرات جامدًا ولا يقدم أي حل عقلي.

يمكنني القول إن العقل العربي يستعد للقفز فوق النقل التراثي، وبدأ يخطو خطوات قصيرة لكنها جريئة وشجاعة، في سبيل حريته ومن أجل التخلص من أعباء التراث الثقيلة، إذ إنه أصبح واعيًا أكثر من أي وقت مضى بحجم المشكلة التي يعيشها وبأن طريقة فهم السلف والتراث المنقول عنهم كان صالحًا لزمنهم فقط ولا يمكن أن نقحمه إقحامًا فاشلًا في عصرنا الحالي، لأن هذا لا يعمل بنجاح. هذه الخطوات جريئة نعم لكنها شديدة الصعوبة لأنها تتجه نحو المجهول، إذ لا بد من بلورة مرجع ومنهج جديد في التفكير وطريقة أخرى في التعامل مع إشكالات العصر وهذا هو التحدي الأكبر في الأمر. في هذا الإطار أعتقد أن هذا التجديد بجب أن يكون داخل الدين نفسه، بخلق تفسيرات وطرف فهم جديدة ومناسبة وعقلانية، وهذا هو دور الباحثين والمفكرين الذين ينبغي أن يتحلوا بالشجاعة اللازمة لإعادة النظر في الكثير من الموروث الفقهي ونحت معالم جديدة لأسلوب تفكير متطور قبل أن يصبح مرفوضًا جملة وتفصيلًا ويقفز فوقع العقل قفزة واسعة يتركه خلفه بمحاسنه ومساوئه.

في مقابل هذا الاستعداد لوضع الكثير من التراث جانبًا لأنه لم يعد يفي بالغرض، من المتوقع أن يواجهه رجال الدين والذين ينصبون أنفسهم نوابًا عن الله في الأرض بمقاومة شديدة بل عنيفة، وأتوقع أن تزداد حدة التيار المتطرف رغم أنه سيصبح أقل عددًا، ولا بد للمجتمع والدولة حينها أن تتدخل من أجل الحد من كوارث هذه الفئة. كما أنه من المتوقع ظهور «فاتيكان عربي» مكون من فئة من الفقهاء هنا وهناك، مستقل تمامًا عن الواقع يسبح في الخيال ويعبد وثنية التراث متشبثًا بأحلامه ورافضًا أن يتقبل انهزامه أمام العقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد