قبل ما ينيف عن تسع أو عشر سنوات خرج علينا القس الأمريكي تيري جونز من ولاية فلوريدا الأمريكية بإعلانه عن رغبته في حرق نسخة من المصحف الشريف حيث شكل فعله وقتها صدمة للرأي العام الأمريكي بينما كان المجتمع المسلم متعودًا على هذا النوع من الصدمات ولا يحتاج القارئ الكريم لأذكره بأحداث صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية وما قبلها من أحداث صحيفة يولاندس بوستن الدنماركية دون التعريج على الفيلم الهولندي المسيء للنبي صلوات ربي وسلامه عليه ويكفيك أن تستعمل محرك البحث لتجد نسخًا من هذا الفيلم أمريكية ثم حجم المضايقات والتمييز الذي يعاني منه المسلم الطبيعي خصوصًا بعد أي حادثة أو اعتداء يقع في تلك البلاد.

لقد رصد باحثو علم الاجتماع في الغرب ظاهرة غريبة جدًا يتميز بها المشهد الأوروبي والأمريكي دون بقية بقاع العالم والتي لا تعتمد ضرورة الإسلام دينًا رسميًا لها. إننا وبكل بساطة نتحدث عن ظاهرة الإسلاموفوبيا (Islamofobi) هذه الظاهرة التي تعني باختصار كراهية (أوروبية/ أمريكية) ضد أي وجود أو تمظهر يشير للإسلام كشعيرة ونمط حياة وكمصداق لصحة هذا التعريف فلنستنمد بعض الأمثلة ولتكن حادثة قتل المرأة المصرية مروة الشربيني من طرف متعصب ألماني يدعى أليكس دبيلو فينز، حيث اعترف للمحكمة أنه قام بطعنها عدة طعنات لسبب بسيط (كونها إرهابية ترتدي الحجاب)، فهذا نوع من الكراهية ضد نمط الحياة الإسلامي الذي يفرض على المرأة المسلمة ارتداء الحجاب الشرعي. وقد ربط هذا القاتل الألماني في ذهنيته بين نمط الحياة الإسلامي وبين مفهوم الإرهاب ربطًا لا يتسم ضرورة بالمنطق.

ولننتقل إلى الحديث عن الكراهية ضد الشعائر الإسلامية فنستمد مثالًا حادثة دهس المصلين في مسجد في منطقة فنزبري بارك شمال لندن  بعد انتهائهم من صلاة التراويح، وقد اعترف الفاعل أنه قام بهذا لأنه يرى أن المسلمين يزعجون القاطنين بصلاتهم تلك وهذه كراهية ضد الشعائر الإسلامية، والعجيب أن غالب المجرمين الذين يقومون بهذه الجرائم العنصرية يحولون لمصحات عقلية تحت حجة الفحص الطبي الذي يؤدي في الغالب إلى إسقاط المسؤولية الجنائية عنهم في لعبة قانونية سخيفة تشير إلى أن أوروبا ليست تلك الجنة الموعودة للقانون والعدل خصوصًا إن تعلق الأمر بالضحية المسلم.

ونحن في هذه المقالة سنحاول تحليل هذه الظاهرة بمعطياتها التاريخية والثقافية التي جعلتها تنحصر في أوروبا وأمريكا فقط دون بقية الفضاءات الأخرى، فالتحليل التاريخي والثقافي لهذه الظاهرة يمكننا من معرفة طريقة التعاطي الأمثل مع ظاهرة الإسلاموفوبيا حيث إن الكثير من المفكرين والإعلاميين يرمون في عماية فتجدهم بعد كل حادثة تأخذ طابعًا إعلاميًا واسعًا يبررون للإسلام كدين سلم وأنه ليس مصدر تطرف أو كراهية وإن كانت المقدمة هذه والمنطلق صحيحًا لكن هل يبرز هنا سؤال من الذي نصب الآخر والحال هنا العالم الغربي قاضيًا وحاكمًا على الإسلام حتى تقدم له أدلة البراءة كل مرة وهل العالم الغربي محايد ونزيه لتلك الدرجة حتى ينظر إلى الإسلام بموضوعية أم أن له خلفية تحكم نظرته وإطارًا عامًا يوجه سلوكاته ضد الإسلام ولما يرفض بشدة أن يكسر هذا التابو المتعلق بالغرب.

أولًا التاريخ يشهد أن القارة الأوروبية ببعدها البيزنطي ظلت طيلة القرنين السادس والخامس الميلادي مسيطرة على منطقة الشرق الأوسط ومصر وشمال أفريقيا بعد أن سيطرت على نفس هذه المنطقة في المرحلة الرومانية إلى أن أطل القرن السابع الميلادي حيث وجد الإسلام دينًا جديدًا ما لبث أن قضى على هذه الهيمنة الأوروبية (البيزنطية) في أقل من 15 عامًا من تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة (معركة اليرموك).

وهنا نجد أن تلك الصدمة التي رصدها المستشرقون في كتبهم ظلت حبيسة الضمير الجمعي الأوروبي ليصدم الضمير الجمعي الأوروبي بعدها بسنين قليلة بوجود إسلامي جديد داخل فضائه الجغرافي (شبه الجزيرة الأيبيرية) ما لبث أن استعاد الفضاء الأوروبي شيئًا من عافيته ليقوم بهجوم مضاد على نفس الفضاء الذي هزم فيه وطرد منه وهو الشرق الأوسط عبر (الحملات الصليبية)، والتي شارك فيها الأمراء من الإنكتار والألمان والفرنسيكسان، أضف إليهم فرسان الهيكل وقد نجح بسيطرة مؤقتة على الساحل الفلسطيني دامت في عمر المجتمعات ما ينيف عن مائة سنة ليطرد من جديد نحو بلاده.

ثم أعاد الكرة من جديد عبر حملة بونابارتية نحو مصر إلا أنه مني بهزيمة جديدة ولا يمكن أن نغفل أيضًا حملات الكر والفر في الشمال الأفريقي بعد سقوط الأندلس ثم نخرج من العصر الوسيط إلى العصر الحديث لنجد حملات الاستعمار الصليبي الجديدة، والتي قضت وسيطرت تقريبًا على كامل الوجود الإسلامي من محور (طنجة/ جاكرتا). هذا إن أشار إلى شيء فإنه يشير إلى المعطى الذي طبع أو حكم العلاقة بين الإسلام والقارة الأوروبية طيلة 14 قرنًا من الزمن على الأقل في بعدها السياسي إنه معطى (الصراع) وهنا يمكن أن نقول إن هذا المعطى لا يزال يسيطر على الوعي الأوروبي في تعاطيه مع الأزمات التي يعيشها الشرق الأوسط أو الشمال الأفريقي حيث لا ينكر متابع أن فرنسا مثلًا في بعدها السياسي والثقافي لا تزال تنظر بعين التعالي إلى مستعمراتها السابقة في الشمال الأفريقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد