في ظل تداعيات الأزمات والصراعات الدولية الدائرة اليوم واعتياد المجتمع مشاهد العنف والدم، أصبح ارتفاع معدل الجريمة ظاهرة عالمية تعاني منها الدول كافة وتؤرق آلية مواجهتها والتقليل من آثارها على المجتمع أي حكومة تسعى إلى تحقيق الاستقرار والمحافظة على الأمن العام، ولكن ولارتباط الجريمة بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبالتأكيد الطبيعة البشرية لكل فرد كان من الطبيعي أن تجد تلك الجرائم العديد من الثغرات التي تنفذ من خلالها دائمًا، لذلك تعاني البلدان التي تصنف كدول عظمى أيضًا من الارتفاع السنوي لمعدلات الجرائم لديها كما تعاني الدول العربية تمامًا ولكن مع التباين الهائل في تلك المعدلات، فعلى سبيل المثال بلغت نسبة ارتفاع الجريمة لعام 2015 في بريطانيا 22% بينما رصدت أمريكا في نفس العام 372.6 حالة جريمة لكل 100 ألف شخص بما يعادل حوالي 1.2 مليون جريمة، ليرتفع وبالتزامن مع ذلك أيضًا معدل الجريمة في مصر إلى 130%  وتونس التي بلغت نسبة الاكتظاظ بسجونها ذروتها إلى 150%.

ذلك التباين الكبير والملحوظ في معدلات الجرائم بين الدول العربية والغربية لا يرجع فقط إلى أوضاع وظروف كل منهم وإن كانت العامل الرئيسي، وإنما يرجع أيضًا وبشكل أساسي إلى الجهود الحقيقية التي تبذلها كل دولة في محاولة لتخطي وحل أزماتها ومشكلات مواطنيها ومدى العمق الإنساني في نظرتها إليهم، والتي تتمثل بالنسبة للدول الغربية بالتحديد في الاسترتيجيات التي تبنتها من أجل التقليل من نسب العودة إلى الجريمة، والتي ترتكز في أغلبها على الدور التأهيلي والاصلاحي المنوط بمنظومة السجن أن تؤديها لصالح السجين أثناء فترة عقوبته، وهو الدور الذي لا تلتفت إليه أي دولة عربية أو توليه اهتمامًا أكبر بالرغم من النماذج الاصلاحية والتأهيلية الشائعة للكثير من السجون في العالم والتي حققت نجاحًا ملحوظًا في تغيير حياة السجناء إلى الأفضل أثناء وبعد فترة العقوبة، إلا أن الحكومات العربية دأبت أن ترفض أي اقتداء قد يُصلح من حال شعوبها وهو ما يشير إلى تعمدها انتهاج تلك الممارسات تجاههم وبقاء واستمرار ذلك الوضع وليس عدم القدرة على تغييره.

لذلك بلغت نسبة العودة إلى الجريمة في تونس 45% والجزائر 60% والسعودية 30% بالإضافة إلى الدول الأخرى التي لا توفر معلومات وأرقام دقيقة بشأن هذا الأمر لكن الأوضاع المزرية لسجونها تبوح بما تحاول إخفاؤه، حيث تشير الإحصائيات غير الرسمية إلى نسب تقارب 70%، في حين حققت هولندا 0,5% على نفس المؤشر وقامت بإغلاق 19 سجنًا لديها في 2013 بالإضافة إلى 5 آخرين في 2016 كما أغلقت السويد أربعة سجون عام 2013 لانخفاض أعداد السجناء لديها، وافتتحت آخر بخدمات أكثر رفاهية ضمن تصنيف سجون الخمس نجوم، وقد افتتحت النرويج أيضًا والتي تقل نسبة العودة إلى الجريمة فيها عن 16% أكثر السجون إنسانية تحت شعار (معاملة السجناء بإنسانية تعزز من فرص اندماجهم بالمجتمع) ويضم أحدث الخدمات الترفيهية، ولكنها للجميع سواسية ولا تعد حكرًا على فئات محددة أو المقتدرين ورجال الأعمال فقط  كما هو الحال مع سجون الدول العربية الفاخرة، كسجن مزرعة طرة في مصر، وسجن سلحوب في الأردن قبل إغلاقه، وسجن الحائر المخصص للمدانين بالتطرف في السعودية.

لذلك ومن خلال تلك المؤشرات وتبعاتها لا يمكن التغاضي عن مدى أهمية الدور الفعال للإصلاح والتأهيل والتعليم في حياة السجناء والذي سبقنا إليه الجميع، والاختلاف الهائل بالنتائج الذي يمكن أن يحدثه اختلاف سبل إدارة شؤونهم، كما لا يمكن غض الطرف عن التهميش ومدى التجاهل الذي يعاني منه أيضًا في مجتمعاتنا إلى درجة اعتباره من الخدمات المترفة والمكملة وليست ضمن أهداف السجن الرئيسية، هذا إلى جانب الأثر السلبي لنظرة أصحاب السلطة العرب إلى تلك الفئة مقارنة بنظرائهم في الغرب، حيث لا تشير أوضاع السجناء وبالأخص الفقراء في العالم العربي أو السياسة المتبعة حيالهم داخل أسوار منظومة السجون اليوم إلى أن هدفها الحقيقي فعلاً هو الإصلاح وتقليل السلوك الإجرامي في المجتمع، فقد أدى غياب الوعي بأهمية دور السجن في توجيه سلوك بل ومستقبل المذنب من قبل القائمين عليه والطمس المتعمد للدور التأهيلي الفعال له على أرض الواقع وبعيدًا عن الشعارات الرنانة، إلى ترسيخ مفهوم عام عن السجن في الفكر العربي كونه المنظومة التي تؤهل للإجرام وليس للإصلاح والتي يدخلها المذنب عقابًا على جريمته ليخرج منها أشد إجرامًا مما كان عليه وإيذاءً للمجتمع الذي بدوره يفتقر إلى الوعي الكافي للتعامل معه ومع أخطائه وزلاته السابقة حيث يعاقبه عليها ما حيا.

ولا يتمثل إهمال الحكومات العربية وازدراءها لتلك المنظومة وعلى عكس ما يعتقد الكثيرون فقط في الإهمال الصحي والتلوث والبيئة غير الآدمية التي تحيط بالسجناء وإن كانت أدنى حقوقهم الإنسانية، التي يتمتع بها مذنب آخر بل وأكثر إجرامًا ولا يختلف في التكوين البشري ولكنه يقضي عقوبته في أوضاع تعد أكثر رفاهية مما قد يخطر على خيال هؤلاء، حيث يأس الجميع من تطوير وتغيير ذلك الوضع على كل حال مقارنة بأوضاع الشعب خارج أسوار السجن الذي يعاني من ظروف مشابهة ولكن على نطاق أوسع ضمن مجال الحرية.

ولكن تُعد الاشكالية الأكبر ويتجلى الإهمال بصورة أكبر في العوامل الأساسية التي يترتب ونتاجًا لتراكمها دون حل مباشر تلك المشكلات السابقة التي تطفو على السطح كأعراض لمرض أشد فتكًا يقبع خلفها، أبرزها عالم العصابات وتكتلات القوى والسلوكيات المشينة التي تقشعر لها الأبدان والتي باتت روتينًا يوميًا دون حراك إزاءها، والفساد والرشاوى وتصفية الحسابات وتجارة المخدرات، كل تلك العوامل التي تحمل في طياتها ماهو أسوأ هي الدعائم الأساسية التي يتأسس عليها السجن العربي، وهو العالم الذي يُسحق فيه الضعيف والمظلوم أو يتعلم ويمارس السلوك الإجرامي ليكون سلاحه الذي يؤمن له النجاة في نهاية المطاف من تلك البيئة التي من المفترض ووفقًا لعدد رجال الأمن والحراسة المشددة التي تحيط بها على مدار الساعة أن تُصنف كأكثر الأماكن أمنًا وسيادة للقانون في معقله، وليس أن يتم رصده كنموذج مصغر لكافة أنواع الانتهاكات تحت غطاء القانون لفساد القائمين عليه وغياب الرقابة وتغليب المصلحة الفردية على المصلحة العامة، هذا بالإضافة إلى النظرة الدونية إلى السجين واحتقاره واعتباره فاقدًا لكافة حقوقه ومستباح الكرامة عندما أخطأ وارتكب جرمه دون تفريق بين المتعمد والمخطئ حيث يتعرض للإهانة والإذلال بدلًا من التوجيه والإرشاد، وبالتالي أصبح مرتكب الجرائم حريصًا على الإفلات من العقوبة بدلًا من الندم على خطئه والبعد عن تكراره، فبات السجن مركزًا لإعادة تدوير المجرم داخل منظومة الإجرام حيث يتغذى عليه في الداخل ويصبه على المجتمع في الخارج ثم تعاد الكرة مرة أخرى عند الإمساك به، وقد أثبتت الدراسات أن السجناء الذين يقضون عقوبتهم في سجون غير آدمية أو إنسانية تزداد نسب عودتهم إلى الجريمة والسجن أضعاف أولئك الذين يقضون عقوبتهم في السجون الإنسانية.

لذلك يعد من البديهي ومن التبعات المنطقية لتلك الأوضاع المزرية أن تصل معدلات الجرائم والعودة إليها في العالم العربي لما وصلت إليه اليوم، بل وتُعد تلك الأرقام أقل من المتوقع في ظل تلك الانتهاكات فهي بمثابة الحد الأدنى القابل للازدياد بتطور واستمرار الوضع القائم، ولذلك أيضًا كان النقيض تمامًا يحدث في الدول الأخرى التي استطاعت أن تقلل تلك النسب والمعدلات لديها  لما أصبحت عليه الآن، حيث تختلف تمامًا العوامل المؤدية إلى ذلك الإنجاز والتفاصيل التي تقبع خلفها عما نعهده في السجون العربية، فالكثير من الدول التي وعلى الرغم من عدم قوتها الاقتصادية أو تصنيفها ضمن الدول العظمى استطاعت أن تحقق إنجازات شهد لها العالم من خلال الإصلاح والعمل على استغلال طاقات الآلاف من الأشخاص الذين يجمعهم مكان واحد لسنوات بما يعود على السجناء بالنفع المادي أو العلمي وكذلك السجن والمجتمع بالتأكيد، لتثبت بذلك مدى وهن مبرراتنا وسطحيتها وأن اختلاف السياسة المتبعة هي النواة الأساسية في تأهيل السجين السوي لما سيصبح عليه، ومسؤولية الدولة التامة عن أي شوائب قد تطال سلوكه أثناء فترة عقوبته، وقد عمُدت تلك الدول إلى إيقاع الفائدة الأكبر على السجين باعتباره المحفز الأقوى للاستجابة للبرنامج الاصلاحي كتوفير العمل الذي من خلاله يتمكن من جني المال لأسرته لتحُول قدر الامكان دون تدهور أوضاعهم أثناء فترة عقوبته بالإضافة إلى تحويله إلى شخص منتج لا عبء على الدولة فقط حيث تُهدر سنوات حياته دون فائدة تذكر.

ومن تلك النماذج كانت البيرو التي أتاحت في أغلب سجونها العديد من المهن المطلوبة أشهرها إنتاج الملابس، حيث يعمل بها أكثر من 70% من السجناء رجال ونساء وتمكنت بالفعل من إنتاج ماركة عالمية فاخرة تباع من خلال الانترنت وتصّدرها إلى نيويورك وباريس، وذلك بإشراف من إدارة السجن التي تحصل على جزء من الأرباح والنسبة الأكبر تذهب إلى السجناء العاملين، وهو ما لا يختلف كثيرًا عن سجن هيدالجو في المكسيك وهي الدولة الأشهر في صراعها مع تجار المخدرات، حيث عملت على تأهيل العدد الأكبر من السجناء من خلال الدورات التدريبية الحرفية والمهنية، أشهرها الرسم اليدوي وتصنيع الجلود حتى باتت منافذ بيع إنتاج السجن هي الأشهر ومقصدًا للجميع لابتياع الحقائب اليدوية الفاخرة التي تباع بمئات الدولارات كما وضعت الخطط المستقبلية للتصدير.

وهناك أيضًا سجن سيبو في الفلبين الذي بدأ برنامجه التأهيلي للسجناء بالتدريب على الرقص الجماعي كنوع من الترفيه والعلاج النفسي، وهو التدريب الذي يشارك فيه أكثر من 1200 سجين ليتحول بعد ذلك وخلال أقل من ثلاثة أعوام إلى مصدر دخل للسجن والسجناء، والذي يدر عليهم الآلاف من الدولارات اسبوعيًا حيث تقدم العروض للسياح، كما أقدمت كلاً من بريطانيا وإيطاليا على خطوة جديدة لكنها لاقت نجاحًا كبيرًا، فقد افتتحت بريطانيا ثلاث مطاعم فاخرة في السجون للجمهور العام يستقبل كلاً منهم أكثر من 1000 زائر شهريًا، وذلك بعد أن تم تدريب السجناء على العمل الاحترافي كطهاة ومساعدين، إلى جانب مطعم سجن بيزا في إيطاليا الذي يعاني من الازدحام الدائم مما يضطر مرتادوه إلى الحجز المسبق بعدة أشهر ليحظوا بفرصة زيارته وبالتأكيد كلما ازداد نجاحًا ازداد ما يجنيه السجناء من مال، وكان أيضًا لسجن (HMB adoial) في اسكتلندا تجربة تعليمية ناجحة حيث وضع ضمن قواعده الأساسية والإلزامية أن يشارك السجين في أنشطة تعليمية لمدة 40 ساعة اسبوعيًا هدفها إثراء مهاراته الوظيفية بعد الخروج والاندماج في المجتمع.

تلك النماذج والدول كافة لم تعتمد فقط في تحقيق إنجازاتها على القدرة الاقتصادية وخاصة لعدم وجود فروقات هائلة بين أوضاعها وأوضاع الكثير من الدول العربية، وإنما كانت الرغبة الحقيقية في البناء والتغيير للأفضل هي الدافع لذلك، والتي لم يعقها الفساد كما هو حال الدول العربية التي تبرر قصورها تارة بالضعف الاقتصادي وعدم القدرة على الانفاق، وتارة أخرى باختلاف طبائع الشعوب وميولهم الإجرامي ولا تعترف أبدًا بفساد مسؤوليها وضلوعهم في ازدياد نسب الجرائم تلك، وتشوه القيم الإنسانية لديهم واختلاس الحقوق والعجز عن تحقيق تقدم يُذكر سوى ما يصب في صالحهم، رغم أنه ليس بالأمر الإعجازي تحقيق ذلك فحتى نتمكن يومًا من أن نرصد أمثال تلك النماذج البسيطة في عالمنا لابد فقط من اصلاح ضمائر المسؤولين وسلوك السجّان قبل السجين وتقويمه بالاصلاح وليس الاذلال،  وغرس ثقافة احترام كرامة الانسان وآدميته أيًا كان خطئه وذلك للجميع على حد سواء وليس بقدر ما يمتلك من مال يشتري به كرامته، بالإضافة إلى النظر إلى المستهدفين على أنهم مستحقين وليس مسلوبي الحقوق عليهم قبول ما يقدم لهم ممزوجًا بالإهانة وهم ممتنين، تلك الإجراءات البسيطة بالنسبة للشرفاء ومستحيلة على الطغاة إن لم تتحقق فلا طائل من البت في معالجة المشكلات الفرعية الأخرى التي لن تلبث أن تختفي حتى تظهر مرة أخرى في ظل بقاء  محاور الاشكالية الأساسية دون حلول جذرية والاستمرار في سياسة المسكنات المؤقتة كلما برزت إلى الواجهة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد